معن حيدر: من أسرار المهنة... المراقبة العامة
المراقبة العامة هي ليست (لأخ الكبير) الذي حدثتنا عنه رواية (1984) لـِ "جورج أورويل"..
بل هي جزء من عمل دائرة (المراقبة العامة والاستديوهات والكاميرات) في القسم الهندسي للتلفزيون، وقد حدثتكم في المنشور السابق عن الشق الأول لعمل الدائرة وهو (الاستديوهات والكاميرات)، واليوم سأتحدث عن الشق الآخر وهو (المراقبة العامة) Master Control Room, مهمتها مراقبة جودة المواد التلفزيونية من الناحية الفنية (أي محددات الصورة والصوت) التي تُبث في فترة الإرسال اليومي، من خلال منظومة مراقبة..
كلمة المواد التلفزيونية تُطلق على: المسلسلات والبرامج والأخبار والأفلام والسلايدات والتيلوبات، وهذه المواد تأتي من مصادرها التي هي: الاستديوهات وكاميراتها، أجهزة التسجيل المرئي (الفيديو)، وأجهزة التليسينما (تلفزة الأفلام السينمائية)، وأجهزة السلايد(الصور الثابتة)، وأجهزة التيلوب (الكتابة الإلكترونية)، عربات النقل الخارجي، والكاميرات المحمولة، والأقمار الصنعية (كان هناك قمراً واحداً هو الإنتلسات في بداية ثمانينيات القرن الماضي عندما بدأتُ عملي في تلك الدائرة)..
الدائرة كانت عبارة عن صالة كبيرة يتواجد فيها كم كبير جداً من التجهيزات متوضعة على صفين من القوائم (راكّات Racks) على جانبي الصالة، وفي صدر الصالة تتوضع منظومة المراقبة التي تتكون من: طاولة المراقبة Control Desk تحوي ناخب رئيسي Control switcher ورواسم إشارة Oscilloscope ومقاييس صوت VU meter وجهاز تخاطب مركزي Talk Back يتم من خلاله التخاطب بين الأقسام كافة، وينتصب أمام الطاولة قائم كبير (حائط مونيتورات Monitors Wall) يحوي شاشات المراقبة (مونيتورات صورة)...
وطاولة المراقبة هذه هي أساس عمل دائرة المراقبة العامة والعاملين فيها، حيث يبدأ دوامهم مع بداية الإرسال اليومي وينتهي مع إنتهائه (أي من العلم إلى العلم كما كنا نطلق عليه، والعلم هو النشيد العربي السوري الذي به يفتتح البث ويختتم، وهو فيديو مسجل عليه صورة العلم السوري وهو يرفرف مع صوت النشيد)...
كان الإرسال اليومي يبدأ الساعة الثانية بعد الظهر بالبث التجريبي لمدة نصف ساعة، وهي فترة يُبث فيها نموذج قياسي Raster لغاية الضبط الهندسي لأجهزة الإرسال في المحطات وأجهزة الاستقبال في المنازل، وفي الثانية والنصف يبدأ الإرسال بالنشيد السوري فالقرآن الكريم وبعدها تبدأ فترة الأطفال، ثم فترة برامج المنظمات الشعبية حتى نشرة الأخبار المحلية في الخامسة والنصف، وبعدها البرامج الثقافية والمنوعة والصحية وحلقة من مسلسل عربي أوأجنبي، حتى الثامنة والنصف نشرة الأخبار الرئيسية، بعدها برامج سياسية ومقابلات ومنوعات وحلقة من مسلسل سوري أو عربي أو أجنبي، يوم السبت كان يبث فيلماً أجنبياً، ويوم الخميس مخصص لفيلم سوري أو عربي أو مسرحية سورية أو عربية، وللتذكير فقد كانت المسلسلات /13/ حلقة، يتم بث حلقة كل أسبوع، لتلائم الدورات البرامجية التي مدتها ثلاثة اشهر... وتتتابع البرامج والفقرات والأخبار والمسلسلات، منها ما هو مسجل ومنها ما يبث على الهواء مباشرة، حتى نشرة الأخبار الأخيرة في الحادية عشرة وفي نهايتها حوالي الساعة الثانية عشرة يُختتم الإرسال بالنشيد السوري وبعدها (الوشششششششش... لمن يتذكر).
وبالتالي كان الدوام في الدئرة يبدأ من الساعة الواحدة ظهراً ويستمر حتى الثانية عشرة ليلاً، وفي بعض الأحيان يمتد حتى ساعات متأخرة في الليل أثناء المناسبات أو الأحداث الهامة...
وأول درس تعلمته في بداية حياتي المهنية كان من رئيسة الدائرة آنذاك (المهندسة ماري كلش رحمها الله) ومن زملائي الذين وجدتهم في الدائرة: وهو الالتزام وحب العمل والإخلاص بل التفاني فيه واتقانه، ودقة الملاحظة وحسن وسرعة التصرف في الأزمات، وأشياء كثيرة غير الأمور المهنية، وأذكر أني عندما فُرزتُ للعمل في الدائرة رحبتْ بي رئيسة الدائرة وأعطتني بعض التوجيهات العامة، ثم قالت لي: (هلأ بوجهك ع المستودع خليهم يسلموك عدة صيانة وأنينة سبيرتو مع خرق قطنية...) وعندما رأتْ علامة الدهشة على وجهي لأجل (الخرق والسبرتو) أردفتْ: (منشان تنضيف الأجهزة والمونيتورات والكبلات)...
ومن يومها وحتى هذا اليوم التزمت بالعمل نهاراً وليلاً وأحببته رغم صعوبته وهمومه ومشاكله (وأحياناً خطورته)...
المهم... كان علينا أن نراقب سير فترة البث فقرة فقرة ونتابع المونيتورات ضمن حائط المونيتورات أمامنا، يتوسطها مونيتوران كبيران أحدهما: مونيتور الهواء ON-Air وهو موصول مباشرة إلى استديو الفترة والآخر مونتير استقبال من محطة قاسيون (يسمى راجع قاسيون وهو يمثل أجهزة الاستقبال في المنازل)، وعلى جانبيهما وتحتهما مونيتورات أصغر حجماً هي لمصادر المواد (استديوهات/ فيديو/ تليسينما/ تيلوب/ سلايد/ أقمار صنعية...)
لنتصور أن المادة التي تبث هي حلقة من مسلسل ما تُعرض من آلة الفيديو رقم /11/، فنحن في المراقبة علينا أن نتابع تلك المادة من مصدرها وحتى وصولها إلى أجهزة الاستقبال في المنازل، وبالتالي علينا أن نتابع أربعة مونيتورات نشاهد عليها هذه المادة: مونيتور الآلة نفسها، ومونيتور استديو /4/ (استديو الفترة)، ومونيتور الهواء ومونيتور (راجع قاسيون).. فإذا حصل عطل أو خلل هندسي ما نستطيع أن نحدد مباشرة مصدر العطل فنقوم إما بتدراكه فوراً أو نُبلغ القسم المختص عبر (التوك باك) لتصحيح الخطأ...
طبعاً الموضوع ليس بهذه البساطة فقد كانت تمر عليناً أعطالاً معقدة وأخطاءاً بشرية ناجمة عن قلة خبرة، وأحياناً خللاً في الأجهزة، وأحياناً يصادفنا عطل مركب من خطأ بشري وخلل في جهاز، بالإضافة إلى أعطال الكهرباء النادرة (نظراً للاحتياطات التامة المتخذة في هذا المجال)، ففي إحدى المرات فصل القاطع المغذّي لاستديو /4/ على الهواء أثناء نشرة الأخبار الرئيسية، فقام أحد الفنيين سريعاً بتجهيز سلك كهربائي غليظ بشكل قوس ووصله بين مدخل ومخرج القاطع (Jumper) وأمسكه بالبينسة فعاد التيار للاستديو، وطلبنا من المخرج أن يختصر النشرة حتى نستطيع تغيير القاطع وهكذا كان...
وكانت أحياناً بعض الأخطاء تحدث من الجانب الآخر للعمل التلفزيوني، وأعني به الجانب البرامجي: من المخرجين أو المذيعين ولكنها كانت تُبرَر منهم على (أنها خطأ فني) فكنا ننزعج من ذلك، ولكننا كنا نشعر أننا أسرة واحدة وأن عملنا مشترك فكنا (نطنّش)...
كان عملنا هندسياً بحتاً وبالتالي كنا لانتدخل بتسلسل مواد الفترة لأنها من اختصاص دائرة التسيق البرامجي التي تضع برنامج الفترة وينفّذه مخرج في استديو الفترة... ولكن في بعض الحالاات الطارئة كنا نضطر للتدخل من خلال الناخب الرئيسيControl switcher في طاولة المراقبة العامة لتغيير المادة المرسَلة إلى أجهزة الإرسال مباشرة (إلى محطة قاسيون ومنها إلى باقي محطات الإرسال)، مثلما فعلنا عندما فصل قاطع كهرباء استديو الفترة كما ذكرتُ لكم...
الناخب الرئيسي يتكون من صفين من المفاتيح الناخبة، الصف الأول لونه أحمر للدلالة أنه هو صف (الهواء On Air) ومنه يتم اختيار المادة المرسلة إلى محطة قاسيون، والصف الثاني لونه أبيض وهو صف التحضير Preview نقوم من خلاله بمتابعة وتحضير اي مادة ممكن أن نرسلها مباشرة على الهواء، مثلاً عندما يكون لدينا نقل خارجي لمباراة أو فعالية، أو نقل لمباراة أو فعالية آتية عبر الأقمار الصنعية، فنقوم بمتابعة تلك المادة ونُبلغ مخرج الفترة أنها أصبحتْ جاهزة ليقوم هو باختيارها على الهواء..
ويحدث أن تصبح بين الزملاء في الدائرة، وأيضاً مع الزملاء في باقي أقسام التلفزيون الهندسية والبرامجية، ألفة ومودة فيشعروا أنهم أسرة واحدة.. ويتحول الدوام في (الفترة)، مع مشاكله المتعِبة أحياناً، إلى متعة، ولا يخلو الأمر من ترتيب عشاءات فول كنا نجلبه من (بوز الجدي) في الشيخ محي الدين أو من السويقة يتبعها الكنافة النابلسية... ويحدث ان تصادفنا نهفات كثيرة أتذكرها بحرفيتها إلى الآن، وقد يتذكرها الكثيرون ممن شاهدوها مستغربين على الشاشة في منازلهم إلا أنهم لا يعرفون الجانب الآخر لتلك النهفات... وسأدونها لاحقاً في كتاب (من أسرار المهنة) الذي أحضّر له..
ومن الأمور الجميلة التي حصلتْ معنا في إحدى المرات عندما كنا نحضّر لنقل هام على الهواء سيأتي عبر الأقمار الصناعية، ونظراً لأهميته نزل المدير العام آنذاك، أمدّه الله بالصحة والعافية، للدائرة ووقف معنا عند طاولة المراقبة وأخذ يتابع المونيتورات، وبينما نظره معلق بالمونيتور الخاص بالقمر الصنعي مد أصبعه إلى مازج المراقبة العامة (الناخب الرئيسي) فصحنا به محذّرين.. وكان يتمتع بروح الفكاهة ورحابة الصدر وأسلوب إداري راقي، فنظر إلينا مبتسماً وقال: (اتركوني طير بإصبعتي مو بأصابعكم ...)
أود الاعتذار للإطالة ولكن المنشور استغرق مني وقتاً طويلاً حتى استطعت أن أصيغه بهذه الصياغة فأرجو أن تكون سلسة... وشكراً