كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. أحمد الخميسي: مـــطـــر الرصيف (قصة قصيرة)

في السبع سنوات الأولى من حياته لم يكن لديه رصيف، فقد سكن والداه في منطقة شبه ريفية في أطراف المدينة لم ترصف ولم تسفلت شوارعها، يملأ التراب أجواءها صيفا وشتاء، ثم انتقلوا إلي عمارة حديثة في شارع نظيف وحينذاك بدأ الرصيف يظهر. صارت والدته توصيه دائما وهو يغادر البيت "سر على الرصيف".

كان تلميذا في العاشرة يخرج من المدرسة ويتجه يوميا إلي رصيف فيلا قديمة مهجورة ملاصقة لبيتهم، هناك يقف "عم حجازي" خلفه عشرات الكتب مصفوفة على سور الفيلا، وهو واقف ظهره مفرود أمام حامل رسم بيده ريشة يرسم صور المطربين.

عقد اتفاقا مع عم حجازي أن يجلس على الرصيف ويقرأ قدر ما يشاء مقابل قرش صاغ واحد لكن من دون أن يأخذ كتابا. كان يسند ظهره إلي جدار الفيلا مأخوذا بسحر الروايات حتى تعتم الدنيا، فينهض بحقيبة المدرسة ويصعد إلي عمارتهم. لم تكن أمه تعاتبه على غيابه لأنها تعلم أين يقضى الوقت. خلال شهور كان قد قرأ كل ما هناك، وعلى الرصيف تفتح عقله وشعوره، فظل الرصيف ممتدا في كيانه، من دون أن يعي أين، أو كيف، مثل صورة في قاع صندوق، لاتراها لكنك تشعر أنها موجودة.

على الرصيف تعرف وهو في الخامسة عشرة إلى أول بنت يعشقها. أنت فلانة؟. نعم. وأنت فلان ابن عم صادق؟ نعم. حين وضعت يديها بين يديه أمطرت الدنيا، وتجمد الاثنان في مكانيهما. ظل كل منهما تحت المطر المنهمر يحدق بالآخر في ذهول وقد تشنجت أصابع الأيدي مشتبكة بقوة، وبرك صغيرة من الماء حول أقدامهما، وقفا مشتعلين في المطر. فيما بعد أطلقا على المكان اسم "رصيف المطر"، وصارت كل مواعيد الغرام اللاحقة هناك، حيث أمطرت. 

أخذ ينمو ويشق طريقه إلي الجامعة، وزمالة الشباب، والعالم الفسيح، والرصيف معه، يمشي بجواره، بداخله، مثل لحظة بين ظل ونور، بين قلق وطمأنينة، خطوات بلا هدف، لكن بأمل أن ثمة شيئا ما في نهاية الطريق، يتوق إلي رؤيته وإن كان لا يدري ماهو.

ذات يوم اختفى الرصيف، حدث ذلك حين اعتقلوه ثلاثة أعوام، ولم يعد أمامه سوى أمتار داخل زنزانة ومساحة رمل أصفر يروح ويجيء فيها ساعة كل يوم. يدوس الرمل وتحن قدماه إلي المطر، والرصيف، ويراه ممتدا في  مكان ما من المدينة، متكدرا، لأن خطوة غابت عنه. أطلقوا سراحه وخرج إلي الشارع لأول مرة بعد زمن، فأخذ يمشي كأنه طفل يتعلم السير، يستعيد خبرة المشي القديمة، يتبادل مع الرصيف اللمسات، بخفة ورهبة وحب مثل عاشقين حرما من بعضهما البعض طويلا.

الرصيف الذي كان ثابتا دوما، ثم اختفى ذات مرة، تحرك من مكانه مبتعدا إلي الخلف حين سافر من الاسكندرية إلي الخارج. وقف  ذلك اليوم متكئا على سور الباخرة المتأرجحة في المياه، يطل على الميناء وعلى أمه الواقفة هناك. يلوح لها فترد بتلويحة ودموع لا يراها. للمرة الأولى تباعد الرصيف، تراجع بأهله شيئا فشيئا حتى صاروا أصغر فأصغر إلي أن غابت صورهم.

في السنوات الأخيرة أخذ الرصيف يلوح من وقت لآخر، واقفا عند باب الحجرة، متطلعا إليه بقنوط وفتور كأنما تعب. ينظر إلي الرصيف المنهك ويراه مفتوحا على عتمة، فيتساءل: ما الذي يريده الرصيف بعد أن أخذ كل شيء؟ عقلي عند سور الفيلا المهجورة ؟ وقلبي تحت المطر؟ وأعواما وراء الأسوار؟ وعمرا في الغربة؟ يحدج بالرصيف الواقف مثل إنسان منهك، يرى في عينيه الوحدة والوحشة، وأملا خافتا في انهمار المطر، ذلك الذي غمر أربعة أقدام، وتجمد تحته قلبان صغيران، واتقدت في قطراته نظرة محمومة.

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته