هل وقعت سورية في أوهام استراتيجية؟ ردّ د. سليمان على الشهيد حتر.. منذ ثلاث سنوات
في مثل هذا اليوم, منذ ثلاث سنوات, بتاريخ 2013 - 9 - 27, كتب الدكتور بهجت سليمان خاطرة يردّ فيها على مقال للشهيد ناهض حتر, ننشرها أدناه:
كتب الصديق المفكر المشرقي "ناهض حتر" مقالاً في الأخبار اللبنانية، ومما جاء في مقاله:
"المشرق.... في ظل التسويات الكبرى"
المنشور في جريدة "الأخبار" اللبنانية، و على هذه الصفحة أيضا، على ذكر نقطتين هامتين، نحترم رأيه فيهما، ولكننا نختلف معه حولهما، والنقطتان، كما وردتا في مقاله، هما:
- من سوء الحظ أن مطبخ القرار السوري الذي وقع في كثير من الأوهام الاستراتيجية في النصف الثاني من العشرية الأولى للقرن الحادي والعشرين ، فقد ، في لحظة ما ، وعيه الاستراتيجي حيال الأطماع التركية في سورية ، فذهب مع رجب أردوغان إلى اتفاقات تمس السيادة السورية، وتضعف الاقتصاد السوري، وخصوصا في مدينة حلب، أمام المنافسة التركية. لكن الأهم أن دمشق، في لحظة ما، توهمت أن الخطر التركي قد زال عنها بفضل حكم الإسلاميين، مع أن هؤلاء هم الشريحة الأكثر عدوانية نحو سورية والمشرق، إنهم، في العمق، عثمانيون يختزنون أحقاد مئات السنين نحو العرب والقومية العربية.
- الرئيس الراحل حافظ الأسد، بالنسبة إلي، شخصية قومية تاريخية فريدة، ومن مشاريعي أن أخصص له دراسة شاملة عن رؤاه المشرقية الاستراتيجية. لكنه، عندي، وقع في خطأ الموافقة على المشاركة في ما سمي حرب تحرير الكويت. انظروا الآن إلى الكويت - حتى الكويت - وهي تنتقم من عراق صدام حسين، بتمويل الحرب الهمجية ضد سورية بشار الأسد..
وفي مايلي رد الدكتور بهجت سليمان على الشهيد "ناهض":
لا يوجد بشري معصوم عن الخطأ، وحتى الأنبياء يخطئون، إلا في ما آنزل الله تعالى. ولكن هناك فرق هائل بين الأخطاء الاستراتيجية الكبيرة التي تندرج في خانة الخطايا، وبين الأخطاء التكتيكية المتوسطة، وبين الأخطاء الإجرائية الصغيرة.
وأكبر قائدين عربيين عملاقين في القرن العشرين، هما "جمال عبد الناصر" و"حافظ الأسد".. ومع ذلك، فإننا عندما نعود بالذاكرة، نرى أن القائد الخالد جمال عبد الناصر، أبقى على "عبد الحكيم عامر" بعد انفصال سورية عن مصر عام "1961" رغم أنه كان يجب إعفاؤه منذ ذلك الحين، وأبقاه قائدا عاما للجيش المصري، رغم ضحالة قدراته العسكرية والقيادية، إلى أن حدثت نكسة حزيران عام "1967" التي يتحمل فيها "عامر" مسؤولية لا يستهان بها عن تعرض مصر والجيش المصري للهزيمة، بذلك الشكل القاسي الذي حدث حينئذ.
لا بل، إن القائد الخالد جمال عبد الناصر، قام بتعيين "أنور السادات" نائبا أوحد له، في ظروف استثنائية كانت تمر بها مصر، وفي ظروف صحية سيئة، كانت تمر بها صحة الرئيس عبد الناصر..
الأمر الذي عبد الطريق أمام السادات، ليصبح رئيساً ل"مصر" فور وفاة الرئيس عبد الناصر، ويتيح له فرصة اقتلاع مصر من خندق الصراع ضد "إسرائيل" لتنتقل إلى خندق الإذعان والاستسلام ل"إسرائيل" في "كامب ديفيد" وتحت عنوان "معاهدات واتفاقيات السلام" وليدشن بذلك، طريق التراجع والانهيار العربي، لنصل ألى ما وصلنا إليه.
ومع ذلك يبقى القائد الخالد "جمال عبد الناصر" عملاقا خالدا على مدى الأجيال..
وبالعودة إلى حديث الصديق "ناهض" عن سورية - في النقطتين المذكورتين أعلاه - فإنني آؤكد له، بآن سورية والقيادة السورية، لم تقع في خطأ استراتيجي واحد، منذ عام "1970" حتى الآن، وأما الأخطاء التكتيكية والإجرائية، فهذه كانت وستبقى من طبيعة البشر، مهما كانوا عظماء وتاريخيين.
ومطبخ القرار السوري لم يقع في الأوهام الاستراتيجية في النصف الثاني من العشرية الأولى للقرن الحادي والعشرين، ولم يفقد في لحظة ما، وعيه الاستراتيجي حيال الأطماع التركية في سورية، ولم يتوهم لحظة واحدة، آن الخطر التركي قد زال عن سورية، بفضل حكم الإسلاميين - كما يقول الصديق "ناهض"-
ولكن ديناميكية القيادة السورية، حينئذ، وحيويتها وحس المبادرة والمبادهة عندها، والإحساس العميق بالمسؤولية التاريخية لدى الرئيس بشار الأسد، أدى بها إلى قراءة المستجدات الطارئة في "تركيا" من حيث قيام الشعب التركي بالإتيان بحكومة جديدة، من المفترض أن تعمل لتحقيق المصالح التركية الاستراتيجية العليا، خاصة بعد الفشل المتلاحق للحكومات التركية في الانضمام إلى "الاتحاد الأوربي" واقتصارها على "الحلف الأطلسي" بحيث تدفع "الغرم" من غير أن تحظى ب"الغنم"..
والأهم أن المصالح التركية العليا هي بالتواصل والتعاون مع الوطن العربي، والبوابة إلى ذلك، هي "سورية"، ولأن "تركيا" ليست مشيخة صغيرة كمشيخات النفط والغاز، بل هي دولة إقليمية كبرى، تستطيع آن تأخذ هامشا كبيرا من الحركة والاستقلالية في قرارها السياسي والاستراتيجي، بما يخدم المصالح التركية العليا، لا بما يخدم المصالح الأمريكية والآوربية والإسرائيلية، على حساب الشعب التركي، لأنها كذلك، كان لابد من أن تفكر القيادة السورية الجديدة، بمد اليد إلى تركيا، وخاصة في عصر التكتلات الكبرى، من أجل التعاون والتنسيق لتحقيق المصالح المشتركة للدولتين، ولزعزعة الثقافة التقليدية المتغلغلغلة في ثنايا وطيات العقل التركي، بأن العرب غدروا بهم في ما يسمى "الثورة العربية الكبرى" عام 1916، وبأنهم وقفوا مع الأوربيين ضد تركيا، حينئذ..
الأمر الذي كاد يؤدي إلى تلاشي وتمزق تركيا، حتى جاء "مصطفى كمال آتاتورك" وحمل العرب المسؤولية وألغى الكتابة بالحروف العربية وقرر الانتقال بتركيا، بعيدا عن العالم العربي والإسلامي، إضافة إلى تراكمات أربعمائة عام من الاستعمار العثماني البغيض، الذي خلف شروخا عميقة، بين الأتراك وشعوب الأمة العربية.
إزاء ذلك الواقع التاريخي المرير، ارتفعت سورية فوق جراحها التاريخية، وفكرت بالمستقبل، لا بالماضي، وقررت أن تقوم ببعض التنازلات الاقتصادية التكتيكية، مرحليا، من أجل إزالة الهواجس التركية التقليدية تجاه سورية، بغرض الحصول على منافع ومصالح استراتيجية كبرى، لمصلحة الدولتين الجارتين "سورية وتركيا"..
وإذا كانت الحكومة التركية الحالية، قد عجزت عن الارتقاء إلى هذا المستوى الاستراتيجي المنشود، الذي كانت تعمل له القيادة السورية، فإن ما قامت به سورية من مبادرات طيبة، تجاه تركيا، قد أتت أكلها وأثمرت كثيرا، لدى الشعب التركي الصديق الذي يرفض، بأغلبيته، سياسة حكومته الخرقاء الحمقاء تجاه سورية، وذلك على عكس ما كان عليه الحال في الماضي.
وأما الحديث عن المشاركة في تحرير "الكويت" عام "1991" فله شجون وشجون، ذلك أن قدر سورية وقرارها، أن تدافع عن آية دولة عربية تتعرض للعدوان والاحتلال، بدءا من فلسطين إلى لبنان إلى الكويت، وصولا إلى رفض الغزو الآمريكي للعراق ودعم المقاومة العراقية ضد هذا الاحتلال، بمختلف السبل الممكنة..
ولا يغير من الأمر شيئا، إذا كان الاحتلال والعدوان، احتلالا وعدوانا "شقيقا" فالأمر، حينئذ، يصبح أفظع وأكثر مرارة، ولم يكن صحيحا أن تأتي قوات أجنبية من على بعد آلاف الكيلومترات، لتعمل على تحرير الكويت من احتلال "صدام" لها - مهما كانت دوافع وذرائع ومبررات وأسباب هذه الدول الأجنبية - ثم يسجل التاريخ أن الأمة العربية بقيت تتفرج على قيام شقيق عربي كبير بابتلاع شقيق صغير، من غير أن يحرك أشقاؤه ساكنا أو ينجدوه في مصيبته، بغض النظر عن نكران الجميل اللاحق أو السابق الذي قام أو يقوم آو قد يقوم به هذا الشقيق.
والأهم من ذلك، أن الرئيس حافظ الأسد، وجه رسالة مفتوحة قبيل قيام القوات الأجنبية، بضرب الجيش العراقي الذي دخل إلى الكويت، للرئيس صدام حسين، يناشده فيها الخروج من العراق وعدم منح الفرصة، للأمريكان وحلفائهم، لكي يقوموا بتدمير الجيش العراقي، وتعهد له الرئيس حافظ الأسد بالدفاع، حينئذ، عن العراق، بكل ما تملك سورية من قوة، إذا جرى الاعتداء على العراق، بعد الانسحاب من الكويت...
ولكن، للأسف، رفض الرئيس صدام حسين، الاستجابة لتلك المناشدة، وبقي مصرا على البقاء في الكويت...
وهناك نقطة أخرى، للتاريخ أيضاً، وهي أن القوات السورية التي شاركت في تحرير الكويت، أعلمت قيادة القوات المشتركة، حينئذ، بأنها ترفض إطلاق طلقة واحدة، داخل الأرض العراقية، مهما كان السبب، وأن مهمتها تنحصر فقط، بالمشاركة في تحرير الكويت.
هذه هي حقائق التاريخ القريب، ولو تعرض الآن أي بلد عربي للعدوان، من معتد، قريبا كان أم غريبا، فلسوف تقوم سورية - كما هو دأبها دائماً - بالدفاع عن ذلك البلد العربي، بمختلف السبل والوسائل الممكنة.