يحيى زيدو: السوريون و الفلسفة
منذ اختراعهم أول أبجدية في التاريخ في حضارة (أوغاريت) على الساحل السوري اشتغل السوريون بالفلسفة، وكان لهم مساهماتهم الفلسفيّة الكبرى في الفكر الإنساني، فأسهموا في تطوير الفلسفة اليونانية التي شكّلت أحد أهم محطات العقل الإنساني في إبداعه و ارتقائه. و من أشهر الفلاسفة السوريين الذين ورد ذكرهم في كتب اليونان: (زينون الرواقي- بوسيدون الأفامي- نيومينوس الأفامي- أميليوس الأفامي- بورفيريوس الصوري- جامليخوس أو يمليخو- لوقيانوس السيماسيطي- ......)، يضاف إليهم المعماري الشهير (أبو لودور الدمشقي) الذي عبّر عن فلسفةٍ مميزةٍ في كل أعماله العمرانية، و كان السوريون سبّاقين في تأسيس مذاهب و مدارس فلسفيّة حتى وصلنا إلى الفلاسفة المسلمين (ابن رشد- الفارابي- الكندي- ابن سينا...) و غيرهم.
مع تمدّد الفكر الديني المترافق بالفتوحات، وتمكّن السلطة الدينية الإسلامية منذ الخلافة الأموية مروراً بالخلافة العباسية و حتى انهيار الدولة العثمانية، تعرّض الفكر الفلسفي للملاحقة و التكفير من قبل فقهاء السلاطين و الحكام للقضاء على أي اتجاه عقلي في التفكير. فهاهو ابن الصلاح يقول: (الفلسفةُ أسُّ السُّفه والانحلال، ومادةُ الحيرةِ والضلالِ، ومثارُ الزيغِ والزندقةِ، ومن تفلسفَ، عَميَت بصيرته..، ومن تَلَبَّس بها، قارنه الخذلان والحرمان ، واستحوذ عليه الشيطان ...)، و سادت فيما بعد مقولة (من تمنطق فقد تزندق) التي تبيح قتل من يشتغل بالفلسفة، وهذا موقف يعبّر عن موقف السلطتين السياسية و الدينية من العقل و التفكير العقلاني، ثمَّ سادت مقولة (الفيلسوف المجنون) و القول بأن دارس الفلسفة أو المشتغل بها سينتهي إلى الجنون.
يقول فرانسيس بيكون: (إذا كان قليلٌ من الفلسفة يُبْعدُ عن الله فالكثير منها يردُّ إلى الله) و يضيف: (إن قليلاً من الفلسفة يجنح بالعقل إلى الإلحاد، و لكن التعمّق في الفلسفة خليقٌ بأن يعود بالمرء إلى الدين). فالفلسفة لا تعني الإلحاد أو الكفر أو الجنون بل العمل وفق قوانين العقل للوصول إلى الحقائق الكونيّة الكليّة، و القيام بالواجب ليس خوفاً من عقاب أو طمعاً في ثواب بل لأن الواجب يقتضي ذلك. يقول أرسطو: (علمتني الفلسفة أن أفعلَ دون أوامر ما يفعله الآخرون خوفاً من القانون)، و سيؤكّد (كانط) ذلك لاحقاً بقوله: (إنّ علينا أن نفعل الواجب لأنه واجب فقط).
إنّ الفلسفةَ (تكسر رأس من لا يفهمها) كما يقول (هيغل)، و هي عمل لا يتقنه إلا الشخص النبيل و الشجاع أما الجبان فهو يهرب من الفلسفة إلى الدين، لأنه يخاف مواجهة الأسئلة و الحقائق الكبرى، و يخشى استخدام عقله كي لا يصبح (زنديقاً). ولهذا نجد السلطتين السياسية و الدينية متحالفتان تاريخياً ضد كل تنوير. فالثورات العظيمة تقوم على الأفكار التي ينتجها العقل و يقودها الفلاسفة و المثقفون، و لذا تمت محاربة الفلسفة والعقل عبر التاريخ كي لا تقوم ثورة تهدد التواطؤ التاريخي بين الدين و السياسة، و كان البديل عن الثورات هو العنف الديني الذي لم ينتج سوى الدمار و التخريب و القتل؛ تدميرٌ ممنهجٌ يقوم به مجرمون إرهابيون و قتلة باسم الإله كما يحصل في بلادنا اليوم. إنّ (القتلة لا يبحثون عن فلسفة، بل يبحثون عن أجورهم) كما يقول (شيشرون)، و يبدو أن المثقفين اليوم أصبحوا ينتمون إلى فئة القتلة الإرهابيين لأنهم ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا خدماً لمن يحمل السكين القاطعة للألسنة والساطور القاطع الرؤوس. طوبى لمن لم يبتلع لسانه، و أبقى على عقله و عقلانيته، و استطاع دائماً أن يقول الحقَ و يعمل به حتى في حضرة سلطانٍ جائر.