ميثم محمد: آتِ ذَا الْقُرْبَىٰ
مازالت تكثر الطلبات لتأسيس جمعيات خيرية للإحسان وفعل الخير للناس تحقيقا لأهداف متمثلة بتوزيع المساعدات والإعانات والتبرعات المقدمة من الأغنياء لغيرهم من فئات المجتمع والمساهمة في تحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي الذي يعني تعاون أبناء المجتمع ـ فرادى وجماعات ـ على تحقيق الخير ودفع الجور.
لن اقلل من قيمة وأفعال وخدمات الجمعيات الخيرية الساعية لغايات نبيلة، لكن هل كنا بحاجة الى كل هذه الجمعيات لتغطية حاجيات المجتمع المحلي ونفقات الفقراء والمحرومين لو كنا على مستوى الأفراد اخذنا بأسس وضعها لنا القرآن الكريم ضمن تعاليم واضحة وصريحة تعلمنا لمن يكون الإحسان؟
من المحسن ولمن يكون الإحسان؟
يلتقي الإحسان مع التكافل الاجتماعي في حقيقة أن الإحسان في التعريف هو إيصال الخير ومنع الأذى والشر؛ فمن أوصل الخير ولم يمنع الأذى والشر، فليس بمحسن، ومن منع الأذى والشر ولم يوصل الخير ، فليس بمحسن. والمحسن إذاً هو كل من يقوم بفعل الخير وله القدرة على الإنفاق خارج نطاق أسرته المتمثلة بنفسه وزوجته وبنيه. أمَّا لمن يكون الإحسان فهو حسب الترتيب الوارد نصا قرآنيا في عدد من الآيات: (((الوالدين - ذَوِي الْقُرْبَىٰ – الْيَتَامَىٰ – الْمَسَاكِينَ - الْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ - الْجَارِ الْجُنُبِ - الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ - ابْنَ السَّبِيلِ - مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ - السَّائِلِينَ - فِي الرِّقَابِ.)))
1- {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ}) سورة البقرة 83) 2- {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] 3- {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}(سورة النساء 36 ( 4- {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} (سورة البقرة 177( 5- {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا } (سورة النساء 8( 6- {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}) سورة النحل 90 ( 7- {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}(سورة اﻹسراء 26) 8- {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}(سورة النور 22 ( 9- {فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ }(سورة الروم 38 (
لن أدخل في شرح هذه الآيات فهي تفسر نفسها بنفسها لكنني سأتوقف عند عبارة واحدة مشتركة وردت في جميع هذه الآيات أعني بها "ذَوِي الْقُرْبَىٰ".
فمن هم ذوي القربى وكيف يكون التعامل معهم؟
القرابة في اللغة وتعني: الدُّنو في النسب، وأقارب الرجل عشيرته الأدنَون. ورد في تفسير الرازي: واعلم أن ذوي القربى هم الذين يقربون منه بولادة الأبوين أو بولادة الجدِّين، وتشتمل القرابة على أصول وفروع وحواشي، فالأصول هم: الآباء والأجداد وإن علوا، والأمهات والجدات وإن علون؛ والفروع هم: الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا؛ ويشمل هذا الإناث من كلٍ؛ والحواشي هم: الإخوة والأخوات وبنو الجميع وان نزلوا، والأعمام والعمات وإن علوا، وبنو الجميع وإن نزلوا؛ والأخوال والخالات وإن علو، وبنو الجميع وإن نزلوا. وأقرب القرابة: الوالدان وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا، ولذلك يسمى هذان الصنفان من القرابة: عمودي النسب. وأما قرابة المصاهرة فهم الذين يكونون بسبب زواج الرجل من المرأة، فإن الأصهار هم أهل بيت المرأة على الأشهر في اللغة؛ قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} (الفرقان: 54)؛ والنسب لا يخلو من أُبوَّة وبُنوَّة وأُخُوة لأولئك وبنوةٍ لتلك الأُخوة؛ وأما الصِّهر فهو اسم لما بين المرء وبين قرابة زوجه وأقاربه من العلاقة، ويسمى - أيضًا - مصاهرة لأنه يكون من جهتين، وهو آصرة اعتبارية تتقوَّم بالإضافة إلى ما تضاف إليه، فصهر الرجل قرابة امرأته، وصهر المرأة قرابة زوجها؛ والأكثر في إطلاق الصهر أن يُخص بقريب زوج الرجل، وأما قريب زوج المرأة فهو خَتَن لها أو حَمٌ؛ ولا يخلو أحد عن آصرة صهر ولو بعيدًا. أصبح لدينا يقينا أنه ليس بعد رعاية حق الله تعالى شيء أوجب من رعاية حق الوالدين ليأتي بعدهما حق الأقربين، لأن القرابة كلها متشعبة عن الأبوة كما رأينا. كما أن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء، بل لابد أن يرجح البعض على البعض، والترجيح لا بد له من مرجح، والقرابة تصلح أن تكون سببًا للترجيح من وجوه: أحدها: أن القرابة مظنة المخالطة، والمخالطة سبب لاطلاع كل واحد منهم على حال الآخر، فإذا كان أحدهما غنيًا والآخر فقيرًا كان اطلاع الفقير على الغني أتم، واطلاع الغني على الفقير أتم، وذلك من أقوى الحوامل على الإنفاق؛ وثانيها: أنه لو لم يراع جانب الفقير، احتاج الفقير للرجوع إلى غيره، وذلك عار وسيئة في حقه فالأولى أن يتكفل بمصالحهم دفعًا للضرر عن النفس؛ وثالثها: أن قريب الإنسان جار مجرى الجزء منه، والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير، فلهذا السبب كان الإنفاق على القريب أولى من الإنفاق على البعيد وإن كان القريب كاشحًا. فَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "إِنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ؛ والكاشح: المتولي عنك بِوُدِّه. فإذا تصدق المرء بدأ بأقربائه، ولا يميز فيها بين الواصل والقاطع، بل يبدأ بذي الرحم الكاشح؛ لما في ذلك من إزالة العداوة، واستجلاب ودَّه، فالإنسان أسير الإحسان.
هكذا تكون الصدقات والنفقات إنها رسالة للأغنياء.... ابدأوا بالأقرباء....