يحيى زيدو: أيلول.. عريّ طاووس الشهور
أيلول ينقل المشهد من الأخضر إلى الأصفر..
عارضاته واقفاتٌ يتعرّين بلا خجلٍ على جوانب الطرقات.. في السّهول و في أعالي الجبال.. تحرسهنّ غيومٌ خجولةٌ تعبر فوقها، و تذرف دمعها على الأصفر الذهبي الذي يغطي المكان.
لأيلول طقوسُ عُريِّه المقدّس المتّجه نحو المطر.. حين تخلع السنة آخر فصولها لتبدأ دورة عَودٍ أبديٍّ متجدّدٍ...
لأيلول مزاجه المُتقلّب.. يستدعي كل الفصول في يومٍ واحد.. يودّعها فصلاً فصلاً.. ثم يترك بصمتة الصفراء لتكون لباساً لهم..
يتباهى أيلول بعريِّه.. يمشي مختالاً في الحقول و التلال و الجبال.. مُنتشياً بقدرته على فرض مشهدية الأصفر على الكون.
أيلول شهر الحرِّيّة.. تخلع فيه الأشجار لباسها غير عابئة بآداب الاحتشام و قوانين العفّة.
*****
في أيلول.. تهاجر الطيور من أعشاشها حاملةً أحزانها لتترجمها موسيقى فرحٍ في صيفٍ جديدٍ، بعد أن لاذ صيفها الفائت بما لدى أيلول من حميميّة النّسائم الباردة على أيامه الباقية.
أيلول شهر الوداع.. وداع الصيف.. وداع الأطفال للعبهم وصخبهم و هم يتوجّهون إلى مدارسهم.. و وداع سهرات السّمر في الصيف.
لأيلول جمالٌ و جاذبيةٌ من نوعٍ خاص في دفئه و برده.. في نهاراته و لياليه.. فهو بعضٌ من بعض.. بعضٌ من صيف، و بعضٌ من ربيع، و قليلٌ من شتاءٍ، و في الخريف يصير أيلول كل ذلك البعض معاً.
أيلول طاووس الشّهور.. فيه يخلع الطاووس ريشه ليدخل الشتاء عارياً و هو يحلم بثوب ريشٍ أجمل في ربيع قادم.
لأيلول سطوةٌ رهيبةٌ.. إنّه جنرال المزاج..يتحكّم و يوجّه وفق إرادته.. يفرض الفرح و الكآبة.. كما يفرض السكون و الحركة.. والهدوء و الصّخب.. و في هذا كلّه يخلق و يُبدع.. فتتزاحم الأفكار و المشاعر.. لتنسكب بلغةٍ تشبه الحالة التي يكونها مزاجه القلق، المتقلّب، الشّاعر بكل اللغات.
أيلول.. يا سيد السِّنة و شاعرها.. استطِل قليلاً، و ابقَ طويلاً قبل أن ينهمر مطر الشتاء على أصفرك المذهّب، و مشهديتك السَّاحرة.