كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

معن حيدر: من أسرار المهنة... التلفزيون بين (الأبيض والأسود) و(الملوّن)

بدأ البث التلفزيوني (الملوّن) في سورية في عام 1979/1980 بنظام (بال PAL)، وصادف ذلك بداية عملي في التلفزيون السوري كمهندس إلكترون متمرن في (شعبة المراقبة العامة والكاميرات والاستديوهات)، وهي إحدى الشعب في دائرة التشغيل التلفزيوني...
وللتوضيح فإن العمل الهندسي التلفزيوني، آنذاك، كان يتضمن قسمين مختلفين من حيث المهام: الأول معني بتشغيل وصيانة أجهزة الإرسال التلفزيوني والوصل المكروي (ويسمى القسم الهندسي)، والثاني معني بتشغيل وصيانة تجهيزات الاستديوهات التلفزيونية وملحقاتها كافة من كاميرات وآلات التسجيل المرئي وتجهيزات الصوت والإضاءة والتليسينما (تلفزة الأفلام السينمائية) والسلايد والتيلوب وعربات النقل الخارجي (ويسمى قسم التشغيل، تمييزاً له عن القسم الهندسي)، وكان القسم يضم آنذاك عدداً محدوداً من المهندسين، وعدداً أكبر من الفنيين الذين بدأ عمل أغلبهم في التلفزيون مع بداية البث التلفزيوني في سورية (بالأبيض والأسود) بتاريخ 23/7/1960...
وللتوضيح أيضاً فإن أجهزة الإرسال (حوالي 10) كانت تركّب في الجبال لكي تغطّي أكبر مسافة ممكنة، وتتوزع على كامل جغرافية سورية بدءاً من جبل قاسيون في دمشق (يسمى الإرسال الأرضي مقابل الإرسال الفضائي حالياً)، وكان يتم الاستقبال في المنازل بهوائيات ذات شفرات تركّب على أسطح البنايات، ويجب أن تحقق (خط نظر) بينها وبين جهاز الإرسال، ومن هنا كانت صعوبة التقاط البث في بعض الأماكن...
وكان يتم إيصال الإشارة التلفزيونية من مبنى التلفزيون في دمشق إلى تلك المحطات بواسطة شبكة من الأجهزة اللاسلكية الخاصة (تسمى وصلات مكروية) تعمل بترددات عالية جداً (مجال المكروويف) لا يمكن استقبالها في المنازل...
ومن تسميتها، نجد أن عمل (شعبة المراقبة العامة والكاميرات والاستديوهات) يتضمن ثلاثة مهام: المراقبة العامة (Master Control)، ضبط الكاميرات وتشغيل الاستديوهات التلفزيونية .. وبالتالي هي تعتبر (عصب) العمل التلفزيوني..
+ (المراقبة العامة) سأتحدث عنها في المنشور اللاحق مباشرة، وسأعرّج فيه على بعض النهفات التي كانت تحصل معنا أثناء العمل...
+ نأتي على الكاميرات والاستديوهات... كان في التلفزيون السوري آنذاك أربعة استديوهات: استديو (2) وهو أكبرها، وكان مخصصاً لتصوير الأعمال الدرامية وبعض الحفلات والبرامج المنوعة/ استديو (1) أصغر منه وكان مخصصاً للبرامج المنوعة وتسجيل اللقاءات، وأحياناً كان يستخدم كاستديو فترة (أي للهواء)/ استديو (4) صغير نسبياً، وكان هو استديو الفترة والأخبار (تبث على الهواء) وكانت تسجل فيه بعض البرامج التي لا تحتاج إلى مساحة كبيرة/ واستديو (3) وهو استديو صغير جداً تحول فيما بعد لاستديو القناة الثانية.. وكان جزء من عملنا في الشعبة هي معايرة كاميرات الاستديوهات وضبط صورتها أثناء التسجيل أو الهواء بالتعاون مع مهندسي وفنيي الإضاءة..
وأولاً بأول حلّ البث الملوّن بنظام (بال PAL) محل البث (الأبيض والأسود) ضمن خطة، نُفّذتْ مرحلياً بخبرات سورية بحتة من مهندسين وفنيين (ومنهم المهندسة ماري كلش والمهندس منير الرفاعي رحمهما الله)، واستمرت حوالي ثلاثة أعوام، شملت التجهيزات كافة من الكاميرات إلى أجهزة التسجيل المرئي والتليسينما والإضاءة ثم تجهيزات الإرسال والوصل المكروي...
تُعتبر الكاميرات حجر الأساس في عملية التلفزة، وبالتالي بدأت الأبحاث أولاً لتصنيع الكاميرات الملونة، وهي تماثل العين البشرية من حيث مكوناتها وطريقة عملها، العدسات التي تقوم بعمليتي التحكم بكمية الضوء والتركيز أو التبئير Focus (تقابل القزحية أو البؤبؤ والجسم البلّوري)، وصمامات التصوير أو الحساسات الـ CCD، التي تقوم بعملية تحويل المعلومات المحمولة بالضوء الساقط عليها إلى تيار كهربائي (تقابل الشبكية)، والكابلات الخارجة من الكاميرا حاملة التيار الكهربائي (تقابل العصب البصري)..
وبما أن الشبكية في العين تتكون من عدد كبير جداً من نوعين من الحساسات: العصيّات وهي كبيرة وعددها قليل نسبياً، وهي المسؤولة عن معلومات كمية الضوء (السطوع وهي الصورة بالأبيض والأسود)، والمخاريط وحجمها أصغر بكثير وعددها أكبر بكثير وهي المسؤولة عن معلومات الألوان في الضوء... إذاً تركز البحث على تطوير حساسات صورة تستطيع أن تعطينا معلومات عن الصورة بالأبيض والأسود وعن الألوان في الوقت نفسه...
بدأ العمل فيزيائياً ورياضياً على الضوء أولاً (من خلال ألوان قوس قزح)... تم تحليل الضوء بواسطة موشور إلى مكوناته الأساسية (الأحمر من الخارج ويتدرج إلى البرتقالي فالأصفر فالأخضر فالأزرق فنيلي فبنفسجي)، ومن خلال أبحاث ومعادلات معقدة تم التوصل إلى اختصار الضوء إلى مكونات ثلاث R G B (الأحمر والأخضر والأزرق) ومنها يمكن الحصول على باقي المركبات من خلال مزجها بنسب معينة... أما إلكترونياً فيحتاج ذلك إلى ثلاثة حساسات للصورة بدلاً من حساس واحد (بالأبيض والأسود)، ويحتاج إلى دارات إلكترونية معقدة جداً لتنفيذ المعادلات الرياضية للحصول على المطلوب.. وقد ساعد في ذلك تطور علم الإلكترونيات وطرق تصنيعها بواسطة الدارات المتكاملة Integrated Circuits...
عالمياً يوجد ثلاثة أنظمة للتلفزيون الملون: أولها نظام (إن تي إس سي NTSC) ثم (سيكام SECAM ) و(بال PAL) وهو آخرها وأعقدها وأفضلها (وأغلاها) نظراً لتجاوزه عيوب النظامين الآخرين، والأحرف هي اختصار لكلمات تدل على طريقة مزج الأوان الثلاثة، وعلى سبيل الفكاهة كان أنصار نظام (بال) يعبّرون عنه بـ Pay And Look أي إدفع وسترى..
الخلاف بين الأنظمة الثلاث هو في عملية مزج المكونات الثلاث وطريقة تنفيذها إلكترونياً...
وإذا لم تخنّي الذاكرة كان أول مسلسل صُوّر بالألوان مسلسل (الطبيبة) وربّما (الهرّاس)...
وإلى اللقاء في المنشور القادم...

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته