محمد خان رائد الواقعية في السينما المصريَّة
فقدت السينما المصرية قيمة فنية كبيرة، بوفاة المخرج السينمائي محمد خان الذي تبنى الواقعية في أغلب أفلامه، وكان من أبرز مخرجي جيله في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالرغم من أن دخوله عالم الاخراج جاء بالصدفة، فحلم طفولته كان الهندسة المعمارية، ولم يكن يظن أنه سيكون مخرجا سينمائيا، رغم ولعه منذ الصغر بمشاهدة الأفلام في اليوم الأول من عرضها، خصوصا وأنه كان يسكن بجوار دار سينما مكشوفة، كان مغرما بتجميع إعلانات الأفلام من الصحف والجرائد، ويحرص على شراء مجموعات صور الأفلام ليحتفظ بها في مكتبته.
على الرغم من أصول والده الباكستانية، فإنه عاش طوال عمره في مصر، حاملا جنسية والده ومناضلا للحصول على الجنسية المصرية التي لم ينلها إلا قبل وفاته بسنتين، كان ارتحل إلى لندن لدراسة هندسة العمارة، لكن تعرفه على شاب سويسري يدرس السينما قاده إلى مدرسة لندن للفنون، ليمكث في العاصمة البريطانية 7 سنوات لاستكمال دراسته بمعهد السينما، ويعود إلى القاهرة عام 1963 ليعمل في شركة "فيلمنتاج" لمدة عام واحد تحت إشراف المخرج الكبير صلاح أبو سيف، ثم ينتقل إلى لبنان، مساعدا للمخرجين يوسف معلوف وفاروق عجرمة وكوستا ووديع فارس، قبل أن يعود الى إنجلترا مرة أخرى، ثم مستقرا في مصر منذ عام 1977، معتنيا بالكتابة عن السينما حيث أصدر كتابيه "مقدمة السينما المصرية"، والثاني عن السينما التشيكية، كما أصدر كتاب "مخرج على الطريق" قبيل وفاته بقليل.
بدأ عمله كمخرج متأخرا، حيث أخرج فيلم "ضربة شمس" عام 1978، ليحصد جائزة تقدير ذهبية من مهرجان الإسكندرية الدولي عام 1979، وختم مشواره بإخراج "قبل زحمة الصيف" عام 2015 وخلال مشواره كون "جماعة أفلام الصحبة"، مع عدد من أبناء جيله وهم "خيري بشارة، داود عبد السيد، عاطف الطيب، نادية شكري، سعيد شيمي، بهدف إنتاج أفلام ذات مستوى فني جديد ومميز، ولكنهم لم ينتجوا سوى فيلم "الحريف"، لكن خان منفردا أخرج للسينما المصرية 31 فيلما، ومنها "أحلام هند وكاميليا، خرج ولم يعد، زوجة رجل مهم، أيام السادات، في شقة مصر الجديدة، وطائر على الطريق" وقام بتأليف 17 فيلما منها "أحلام هند وكاميليا، الحريف، موعد على العشاء، نص أرنب"، وأنتج فيلما واحدا للسينما "كليفتي" عام 2004، لكنه لم يحظ بالنجاح المطلوب.
حصد خلال مشواره السينمائي عدة جوائز إضافة لجائزة التقدير الذهبية عن أول أفلامه، وبعدها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان القارات الثلاث عن فيلم "طائر على الطريق"، ثم جائزة التقدير الذهبية من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، والجائزة الأولى في ليالي الاسكندرية السينمائية، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان جمعية الفيلم عن فيلم "الحريف"، وفي العام 1982 حصل فيلم "نصف أرنب" على جائزة مهرجان القاهرة الدولي مناصفة مع فيلم العار، كما حصل فيلم "خرج ولم يعد" على جائزة التانيت الفضي، وفي العام 2007 كان أفضل فيلم عربي في مهرجان دمشق السينمائي "في شقة مصر الجديدة" وحصل عام 2008 على جائزة الخنجر الفضي والجائزة الخاصة للجنة النقاد والصحفيين في مهرجان مسقط السينمائي.
تميزت أفلامه بواقعية جريئة، تحدث خلالها عن حال المجتمع، منتقدا تارة ومحللا تارة أخرى، فجعل أبطال أفلامه يحلمون بواقع أفضل، ويثورون وينتقدون ما يحدث حولهم، سواء بالتلميح أو بالتصريح بين الرمز والواقعية، وكان يؤمن بأن السياسة مرتبطة بكل شيء حولنا، فالفقر والأمية سياسة، حتى الحرمان والكبت العاطفي مرتبط بالسياسة، وكان يرى أنه يقدم فيلما سينمائيا بمفهوم الانتقاد السياسي، الذي بدأ في عهد عبد الناصر وسيستمر باستمرار الصراع الاجتماعي بين السلطة والمواطن، وهو في أول أفلامه تناول تجارة الآثار التي صنعت أثرياء العهد الجديد، وبيّن الفيلم وجود ساسة يتعاونون مع عصابات التهريب، وفي زوجة رجل مهم تناول الحقبة الساداتية التي تجلى خلالها نشاط مراكز القوى في الحياة السياسية والاجتماعية، وكان الفيلم مثالا حيا لسوء استخدام السلطات، أما فيلم عودة مواطن فقد تناول ظاهرة اجتماعية ارتبطت في المقام الأول بالواقع السياسي، حيث ضاقت البلاد بأهلها، ولم تعد مهن الفلاحة والصناعة مصدر دخل، كذلك حلم الثراء السريع الذي راود خاطر الشباب بالسفر إلى دول الخليج والعودة بالأموال التي تحقق الثراء.
احتل خان مكانة كبيرة في تقديم أفلام صنعت أهم نجوم مصر، وشكلت تيارا لسينما الواقعية الجديدة التي عبرت عن وجدان المواطن العربي، وأحلامه، واحباطاته، ومن أبرزهم نور الشريف، والواقع أنه لم يعمل أحد مع محمد خان إلا وأصابته الشهرة، من نور الشريف إلى يحيى الفخراني وليلى علوي وسعاد حسني ونجلاء فتحي، إلى الجيل الجديد ياسمين رئيس وهنا شيحة، ومن أهم محطات خان علاقته بالنجم الراحل أحمد زكي حيث قدما 6 أفلام غيرت من شكل السينما، كان آخرها "أيام السادات".
الراحل محمد خان مخرج له رؤية واعية في تشريح الوجدان المصري، فهو من جيل الواقعية المصرية، مع كل فيلم يقدمه يطرح فكرة مغايرة للواقع، يسمح لك كمشاهد بأن ترى الحقائق بعينه، وهو يقول إنه لا يفهم معنى لمصطلح السينما النظيفة، وأنه لن يفكر ولو للحظة فيما يقدم لأنني مخرج صاحب رؤية في أعمالي ولن أنتظر حتى ينظر إلي شخص ليقول لي أفعل ولا تفعل، ومن ناحية ثانية لا توجد ممثلة في السينما لا تقبل "البوسة"، ولا توجد ممثلة ايضا ترفض ارتداء المايوه في البحر، ولا أفهم بأي تفكير تخضع الأفلام الآن للتقييم، لا أرى أن تلك المشاهد يمكن أن تقوم بصدمة للجمهور، لأنها لا تختلف عما كان يقدم في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ووقتها كل نجوم السينما ارتدوا مايوه، وكلهم "اتباسوا"، ولكن هناك أفلام يطلق عليها أفلام "الهلس"، أهميتها الوحيدة اللعب على الحواس، وأنا أشاهد هذه الافلام اشعر باستهتار، لأنه يبقى على المنتج والمخرج أن يلعب على تقاليد مجتمع تعرض لكبت في كل الجهات، هناك ازمات كثيرة في المجتمع المصري والعربي، ولا يجب أن ألعب على هذه النقاط الرخيصة لأن هذا لا يصنع فيلما.
رحل محمد خان لكنه ترك إرثا من الأفلام الواقعية سيخلد اسمه في تاريخ السينما المصرية رغم أصله الباكستاني.
حازم مبيضين
الصباح "العراقية"