كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج7

 طُلَيْحَةُ بنُ خُوَيْلدُ

تمتزج حالة المؤمن النّفسيّة ـ الرُّوْحِيّة بالمُقَدّس، والمُقَدّس في الوَثَنِيِّة يتجلى في الكثرة، ويتجسد في صور وأشكال عدة في الطبيعة، في الملموس، والعياني. المُقَدّس في الوَثَنِيِّة قريب من المؤمن وعلى تماس مباشر معه، ومع تطور الدِّين كعاقبة لتطور المجتمع فإنّ المُقَدّس المتعدد يميل أكثر فأكثر للانحصار في أقلّ عددٍ من الأشكال، الَّتِي تجلي في نفسها المُقَدّسَ، إلى أنْ يصل إلى مرحلة يصبح المُقَدّس واحداً، متعالياً، بعيداً، مجرداً، ولا شخصيّاً. في زمن نشأة الإِسْلامِ، كانت ثمة سيرورة تجري في الجَزِيْرة العَرَبِيّة للارتقاء بالمُقَدّس المُشخّص الوَثنيّ باتجاه المطلق السّماويّ، المجرد والمتعالي. وهذه العملية في الدِّين هي التمهيد الرُّوْحِيّ لتأسيْس الدّوْلَة، أو تتساوق معها.

تُعتبر الصّلاةُ الوَسِيْلَة الأساسيّة للاتصال بالمُقَدّس/ المُقَدّسات، فيها يشعر المُتَعَبِّد بحضور هذا المُقَدّس، ومنها يستمد القوة على مواجهة الصعوبات، والعزاء على ما فات، فهي لها قوةٌ معنويّة كبيرةٌ على المُتَعَبِّدين؛ من خلالها يعبر المُصلّي إلى نقطة التّلاقي مع مقدسه، ويختبر بها حالة وَجْدٍ، لكنّ هذا المنسك لا يبلغ درجاته الحقيقيّة إلّا القلّة من المُتَعَبِّدين، بينا نجد أنّ مؤمنين مختلف العصور لا يصلون إلى هذه النقطة كونهم يؤدّون مجموعة من الحركات الطقوسيّة وفق ما تتطلبه منهم العقيدة وحسب.

إنّ كلَّ صيغة للصّلاة تعكس المستوي التّجريدي للدين، والصّلاة الإِسْلاميّة الَّتِي تتألف من ركوع وسجودٍ كانت وَسِيْلة للانضباط الرُّوْحِيّ ولإشعار المؤمن بوجود القوة المركزيّة ـ وهنا اللَّه المطلق المتعالي في السماء ـ، ولهذا فإنها لم تكن ملائمةً لمزاج البدو أو بالأحرى لظروف المجتمع البدويَّ؛ فالبدويّ الَّذِي لم يكن منضبطاً في علاقاته الأرضيّة، ولا يتحدد سلوكه مِنْ قِبَل إرادة خارجيّة تمثلها الدّوْلَة، سيرفض من كلِّ بدٍ الخضوع لضوابط روحيّة دون أنْ تجد أساسها الأرضيّ. لم تكن مسألةُ الصّلاةِ، أو التوجه للإله المطلق حالةً مفهومةً بالنسبة إليه عقليّاً، كما لم يكن يجد فيها تلبيةً لحاجة نفسيّة؛ لأنّ الظروف الخارجيّة لم تبررها أو توفر لها فرصة الحضور؛ وهذا أحد أسباب تعقد العلاقة بين البدو والإِسْلام، حيث يلاحظ أن الإِسْلام يتجذر بصعوبة بين البدو. وقد اشتكى القرآن من سلوك الأعراب، فقال:﴿قالت الأعراب آمنا، قُل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا﴾؛[1] هذه العلاقة المعقدة بين الإِسْلام كدينٍ توحيديٍ، والبداوة كتكوين اجْتِمَاعيّ يتعارض في بنيته مع الإِسْلام التوحيديّ العاكس لجذوره المكّية الراقية لقيت انعكاسها في بنية العقيدة الإِسْلاميّة، فبقي الإِسْلام يحمل شكوكاً حادة تجاه البدو، وقد انعكس ذلك في أحاديث نَبَوِيّة، حذر فيها مُحَمَّدٌ من أنْ يتحول المرء إلى البدواة: «من بَدَا جَفَا»، أي من نزل البادية صار فيه جَفاء الأعراب.[2]كما رفضت الشريعة قبول شهادة البدويّ بحق القرويّ: «لا تَجُوز شَهَادَةُ بدويّ على صاحب قَرْيَةٍ»؛ لأنّ البدويّ فيه من الجِفَاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع، ولأنّهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجها.[3] وقد استمرت علاقة التعارض بين النمط البدويّ، والإِسْلام حَتَّى العصر الحديث، وعندما نشأت الحركة الوهابيّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة فإنّها جابهت مقاومة بدويّة كانت ترتبط بشدة بالعقائد الوَثَنِيِّة، وإن كانت مجلببة بالإِسْلام، ويمكن أن نجد شواهد معاصرة تؤكد هذه القاعدة.

لقد فشل مُحَمَّدٌ في التّقرّب من البدو عندما ألغى نظام النسيء، وأصرخ مثال على فشله معهم نجده جلياً في تحرك طُلَيْحَة، الَّذِي أعلن أثناء حياة مُحَمَّدٍ النبوّةَ بعدما كان كاهناً، كما تقول المصادر، ولا يوجد من المعطيات ما يثبت هذا التوصيف، ومن الصعب علينا قبول كهانةَ طُلَيْحَة حالةً نَبَوِيّةً، ولربما قرّر أنْ يدعي لنفسه هذا اللَّقب مدفوعاً بنبوة مُحَمَّدٍ، ومُسَيْلِمةَ، وليست واضحة شعائر الدَّين الَّذِي كان يدعو إليه في حال أنه أعلن النّبُوّة حقاً، وكل ما نجده في خطب طُلَيْحَة أفكاراً تنسجم مع الطبع اللقاحي البدويّ،[4] إذ كان يطلب من أتباعه عدم ممارسة الصلاة الإِسْلاميّة، الّتي تتألف من سجودٍ وركوعٍ، فكان يقول لهم: «إنّ اللَّه لا يصنع بتعفّر وجوهكم وتقّبح أدباركم شيئاً، اذكروا اللَّه أعفة قياماً».[5]

هنا أخذ رفضُ سيرورةَ نشأة الدّوْلَة، أو مركزة الجَزِيْرة العَرَبِيّة شكلَ رفضَ صيغة صلاة الإِسْلام. وقبل وفاته أراد مُحَمَّدٌ نشر الإِسْلام في قبائل بني أسد البدويّة، فبعث ضِرار بن الأزور لمتابعة شئون المسلمين في بني أسدٍ، وليس ثَمّة ما يؤكد على حضور الإِسْلام فيهم، وكلُّ ما نعتقده أنّ الانقسام داخل بني أسدٍ أَوْهَمَ الرواة بأنّ المجموعات المتحالفة مع مُحَمَّدٍ قد دانت بالإِسْلام، وتقول الرِّوايَات إنّ كفة المسلمين كانت راجحة حَتَّى وصل خبرُ موت نبِيَّهُم، فأختل الميزان بسرعة، إذ تناقص عددهم، ومال كثيرٌ إلى طُلَيْحَة، الَّذِي بدأ نجمه يعلو؛ وهذا يؤكد على أنّ العلاقة كانت علاقة تحالف بشكلٍ ما، واستمداد قوة من مُحَمَّدٍ بوصفه قائداً لحركة مهمة، لا علاقة مؤمنين بنَبِيّ، وقد سبب موت مُحَمَّدٍ تخلخلاً في توزع القوى في بني أسدٍ.

إنّ النّظرة إلى العلاقة الداخليّة المعقدة بين قبائل غطفان وطيِّىءٍ، الَّتِي تحالفت مع طُلَيْحَة، قَمِينةٌ بأنّ تفسر لنا دوافع الارتباط بالإِسْلام.

 

دوافع رفض أسدٍ وغطفانَ ومجموعات من طيِّىءٍ لحركة الإِسْلامِ

       

كان النّزاع والتّوتّر السِّمَة المميزة للعلاقة بين طيِّىءٍ وبني أسد وغطفان، وتعود جذور العداء بينهم إلى أنّه كان بين أسَدٍ وغَطَفانَ وطيِّىءٍ حِلفٌ في الجاهليّة، ثُمّ تفكك تحالفهم قُبيل الدعوة المُحَمَّدية؛ فتحالفت غطفانُ وأسدٌ على طيِّىءٍ، مما أضطر هذه الأخيرة بفرعيها (غَوْث وجَدِيلة) للجلاء عن أراضيها. لكنّ الصّراع لم يتوقف بل استمر، فتبدلت فيه التحالفات، حيث جدد بنو أسدٍ العلاقة مع طيِّىءٍ مما سمح لهم بالعودة إلى موطنهم، فأثار هذا التحالف غضب غطفان، مما أدى إلى توتر الأجواء بينها وبين أسد؛ فلما مات مُحَمَّدٌ قام عُيَيْنة بن حِصْنِ في غطفان، فطلب من قومه تجديد التحالف مع أسدٍ، كي يعزز موقع قومه، وقال بأنّه سيتابع طُلَيْحَة، وأضاف: «و اللَّه لأن نتبع نَبِيّاً من الحليفَين ـ أي أسد، وغطفان ـ أحبُّ إلينا من أن نتبع نَبِيّاً من قريش، وقد مات مُحَمَّدٌ، وبقي طُلَيْحَة»؛ فلقي من قومه كلَّ الموافقة.[6]

لم يجدد عُيينة التحالف مع أسدٍ وحسب، بل أشعل نار الصّراع بين هذه القبائل الثلاث، لكن تحت شعار جديد كل الجُدّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، شعار الصّراع الدينيّ. وبالمقابل حثّ عَدِيّ بن حَاتِمِ الطائيّ قبائل طيِّىءٍ على عدم قطع العلاقة مع الحركة الإِسْلاميّة، وأقترح تنفيذ الالتزامات المترتبة على الارتباط معها، وطلب منهم أيضاً مقاتلة رافضيّ الإِسْلام من أسدٍ وغطفانَ، وفزارة؛[7] ـ وفزارة إحدى بطون غطفان ـ فهي الفرصة المواتية لتصفية الحسابات القديمة، والثّأْر لكرامتهم الجريحة جراء جلائهم من ديارهم لبعض الوقت، ويبدو أنّ طيِّئاً كانت تخشى أن يكون إعادة التحالف بين أسدٍ وغطفانَ على حسابها، وأن تُهجّرَ من أراضيها مرة أخرى من قِبلهما؛ ولهذا أيدت شخصيات أخرى من طيِّىءٍ عدياً من أجل مواجهة هاتيْن القبيلتيْن، كما استجابت جميع بطون طيِّىءٍ له، مما مكّن عَدِيّ بن حَاتِمِ، وزيد الخيل من جمع نصاب طيِّىءٍ من إبل الزّكاة، ثم قدما على أَبِي بَكْر، وأعلنا تأييدهما لحركة الإِسْلام، وأبديا استعداداً للوقوف إلى جانبها في وجه تلك القبيلتيْن؛ فأفادت هذه الإمدادات ـ الزَّكاة ـ أَبَا بَكْر لاحقاً في تقوية جيش خالد [8] الَّذِي لن يلبث إلّا أنّ يتوجه لمحاربة طُلَيْحَة ـ أعداء طيِّىءٍ ـ. والجدير ذكره هنا أنّ طيِّئاً، ورغم أنّها كانت مسيحيّة، لكنّها كانت تنتمي لمنطقة النفوذ الفارسيّ أكثر منها لمنطقة النفوذ البيزنطي،[9] وليس واضحاً ما إذا كان هذا العامل الأيديولوجي ـ السِّيَاسِيّ لعب دوراً ما في قرار الطائيّين الارتباط بحركة الإِسْلام، فهل انضاف هذا العامل لعامل العداء القديم نحو بني أسدٍ وغطفانَ فقرّبهم من الإِسْلام أم إنّه لم يلعب أيَّ دورٍ في قرارهم؟

بعد مَعْرَكَة ذي القصّة أرسل طُلَيْحَة إلى جَديِلة، والغَوْث ـ بطنان من طيِّىءٍ ـ يعرض عليهما الانضمام إليه، فانضمت إليه جماعات منهما، وكان عديّ في يثربَ عند أَبِي بَكْر؛ فلما رجع إلى قومه، وعلم بشأن الملتحقين بطُلَيْحَة، سعى لإعادتهم، ونجح في ذلك، لا بل أنضم إلى خالدٍ ألفُ مقاتلٍ من طيِّىءٍ،[10] وهذا يعني أنّ بعضاً من طيِّىءٍ كان يميل للارتباط بطُلَيْحَة بحكم الروابط الجغرافيّة، والعلاقات السابقة، ولم يكن على دراية بحسابات زعماء طيِّىءٍ، وقلقهم على وَضْعهم من تحالف أسدٍ وغطفانَ، لكن الاتجاه العام في طيِّىءٍ كان يستشعر هذه المخاوف بحكم العداء الراسخ لديهم؛ ولهذا استطاع عديُّ إعادة الملتحقين بسهولة. وسيكون انتصار جيش خالد الإِسْلاميّ على قوات طُلَيْحَة عائداً بجزء لا يستهان به إلى انضمام قواتٌ من طيِّىءٍ لقوات خالد، فمن جهة خفف عدد الأعداء المحتملين، ومن جهة ثانية عزز الجيش الإِسْلاميّ.

بينا كان خالدٌ يسير صوب طُلَيْحَة، ثَاَرَ جدلٌ داخليٌّ في غطفانَ بشأن انضمامهم إلى طُلَيْحَةَ بن خُوَيْلد، وكان هذا الجدل على خلفية أنّهم لا يريدون أنْ يصبحوا أتباعاً لبني أسدٍ، مما أدى إلى انشقاق زعيم منهم يُقال له زياد بن عبد اللَّه مع جماعة من أقربائه، والتحاقه بخالد. كما فضلت بنو عامر مراقبة الأحداث، والتّريّث على من تدور الدوائر.

كل ذلك جعل ثقة عُيَيْنةَ بنِ حِصْنِ الفزاريّ ـ زعيم غطفان ـ تهتز بجدوى التحالف مع طُلَيْحَةَ، مثله مثل قيادات قبليّة عديدة كانت قلقة على مصيرها، كحال قُرَّة بن سلمة بن هبيرة القشيري الَّذِي طلب من بني عامر بن صعصعة الرجوع تجنباً لمواجهة خالد، وقال إذا ظفر خالد بطُلَيْحَة فقد هلكنا؛ لكن قومه أبوا، وقالوا: «لا نعطي الدنيّة في ديننا أبداً، ونحن أحق بالزَّكاة من ابن أبي قحافة».[11] ومع وصول أخبار زحف قوات المسلمين بقيادة خالد، أستبدّ القلقُ كليّاً باتباع طُلَيْحَةَ، مما دفعه إلى جمعهم، وخطب فيهم قائلاً:

«يا معشر بني أسدٍ، لا يهوّلنكم ما قد اجتمع إلى خالدٍ من هذا الجيش، فإنّهم على باطلٍ، وغرورٍ. وأخرى فإنّهم لَهَجوا [12] بهذه الصّلاة، فهم يظنون أنّهم محسنون، ولقد أتاني جبريل يخبرني عن ربي أنّه ليس يحتاج إلى تعفير وجوهكم، وفتح أدباركم، ولا يريد منكم ركوعاً، ولا سجوداً. ولكنْ يريدكم أنْ تذكروه قياماً وقعوداً، فانظروا أنْ تمنعوا القومَ أموالكم، كما منعتموها في جاهليتكم. وأما عُيَيْنة بن حِصْنِ فقد أخبرني عنه جبريل أنّه قد خاف من حرب القوم».[13]

يتضمن هذا النّصُّ فكرتيْن؛ أولاهما، إنّ طابع الحَرْب بين أتباع طُلَيْحَة وقوات المسلمين هي حرب دفاع عن التكوين القبليّ بالنسبة لبني أسدٍ، والحفاظ على ميوعة السُّلْطَة ورفض مركزة الجزيرة تحت حكم الإِسْلام وزعامة مؤسِّسيه؛ وثانيهما، إدراك طُلَيْحَةَ لضعف تلاحم التحالف الَّذِي يقوده، والَّذِي أبرزه بالإشارة إلى تردد عُيَيْنة؛ أيْ إنّ الحالة المعنويّة لبني أسدٍ وحلفائهم لم تكن تؤهلهم للمواجهة المرتقبة؛ علاوة على أنّ صفوف بني أسدٍ كانت مفككة كما تكشفه واقعة أنّ بعض الأسديّين كانوا قد انضموا لقوات خالد المتوجهة لمحاربة كاهنهم ـ طُلَيْحَة.

عندما اقترب خالدٌ من طُلَيْحَة، حاول إجراء مفاوضات معه، لكنّ طُلَيْحَة رفض،[14] ومن المفترض أنّ الحوارَ بين خالدٍ وطُلَيْحَةَ لم يكن حواراً تفاوضياً، بل هو مجموعة قرارات طلب خالدٌ تنفيذها وفق كتاب أَبِي بَكْر للقبائل، ولم يكن في وُسْع طُلَيْحَةَ إلّا رفضها.

 

مَعْرَكَةُ بُزَاخَةَ

أصبحت المَعْرَكَةُ بين قوات المسلمين، وقوات بني أسدٍ وحلفائها أمراً حتمياً، فالتقى الجيشان بمنطقة تسمى بُزَاخَة، حيث اقتتلا بضراوةٍ، وقاتلت بنو أسدٍ، وغطفان، وانضم إليهم كذلك سبعمئة [15]من بني فزارة بقيادة عُيَيْنَة. في المَعْرَكَة كان مقاتلو جيش طُلَيْحَة ينادون: «لا نبايع أبا الفصيل [16]ـ أي أَبَا بَكْر».

عُيَيْنَة الَّذِي أظهر تذبذباً في العلاقة مع طُلَيْحَةَ قُبَيل المَعْرَكَة سرعان ما انهارت ثقته بالنّصْرِ بعدما اشتدت حمى المَعْرَكَةِ، وبشرعيّة المحاربة مع طُلَيْحَة، حَتَّى أنّه أتهم طُلَيْحَة بالكذب وكان هذا أمراً طبيعياً في حالة قائدٍ ارتبط بتحالفٍ غيرِ مدروسٍ، وكانت تعتمل في قرارَة نَفْسه جملةُ رغبات متناقضة؛ ولهذا لم يتردد في الانسحاب من المَعْرَكَة مع قواته من فزارة، وترك بني أسدٍ وغطفان للهزيمة. وقد حددت نوار ـ زوج طُلَيْحَةَ ـ سبب الهزيمة، وأرجعته إلى ضعف المعنويات في جيشِ طُلَيْحَةَ، فقالت: «أما إنّه لو كانت لكم نية صادقة لما انهزمتم عن نَبِيّكم». ثُمّ إنّ عُيَيْنة وقع في الأسر، ومعه جماعة من بني عمه بعد أنْ طارده خالدٌ. وإذا أخذنا الحالة المعنويّة المتردية لعُيينة، فالرّاجح أنّه إسْتَأسَرَ؛ وقد أرسل خالدٌ الأسرى بالأغلال، مع الغنائم إلى أَبِي بَكْر، وفي الأسر أُتهم عُيينة بالكفر بعد الإيمان، فرفض هذا الاتهام، وقال: «واللَّه ما كنت آمنت باللَّه قطّ». ومع ذلك فضّل أَبُو بَكْر أنْ يعفو عنه، وكذلك عن قُرّة بن هُبَيْرة، بوصفه أحد أشراف بني عامر، فأطلقَ سراحَ عُيَيْنَة، وسراح من كان معه من بني عمه.[17]

عقب هذه الهزيمة النكراء التحق طُلَيْحَة بالشّام، وفي ملجئه بلغه خبر العفو عن قُرّةَ، وعُيَيْنَةَ، وأن أسداً وغطفانَ وعامراً قد أسلموا فأرسل من ملاذه طلباً بالعفو. ثم خرج نحو مكّة معتمراً في خلافة أَبِي بَكْر، ومرّ بجنَبات المدينة، فعلمَ أَبُو بَكْر به، لكنّه لم يتعرض له، وعلّق قائلاً: «ما أصنع به! خلّوا عنه. فقد هداه اللَّه للإِسْلام». ولم يزل مقيماً في منفاه الاختياري متردداً في القدوم إلى المدينة حَتَّى مات أَبُو بَكْر؛ فجاء إلى عُمَرَ، ثُمّ رجع إلى دار قومه؛ فأقام بها إلى أن وجهه عُمَرُ للمشاركة في محاربة الفرس مع سعد بن أبي وقاص.[18]

بعد المَعْرَكَة

لم يحصل المسلمون من هذه المَعْرَكَة على سبيٍ؛ لأن أسداً وغطفانَ أحرزوا نساءَهم، لكنّها أدت إلى إقرار المنهزمين بالإِسْلام خوفاً على أُسَرهم، وكذلك إلى انصياع بني عامر، واعترافهم بسلْطَةِ الحركة الإِسْلاميّة عليهم.[19] علاوة على بثِّ الرّعب من قوات المسلمين في أرجاء الجَزِيْرة العَرَبِيّة.

أما خالدٌ فإنّه أصرّ بعد المَعْرَكَةِ، وحسب تعليمات أَبِي بَكْر إليه على وجوب تسليم الَّذِين حرّقوا ومثّلوا بالمسلمين أثناء فترة المعارك من أسدٍ، وغطفانَ، وهَوَازنَ، وسُليمٍ، وطيِّىءٍ. وإذ رضخوا لطلبه، فإنّه قام بإحراقهم بالنيران ورضَخهم بالحجارة، ورمى بهم من الجبال، ونكّسهم في الآبار، وخَزَق بالنّبال، ثم كتبإلى خليفته بما فعل.[20] وقد استغرق تنفيذ عمليات الانتقام شهراً، وكان الغرض منها نشر الرعبِ وَسْط القبائل البدويّة الرافضة لسُلْطَة المدينة.

كان تصرفُ خالدٍ متطابقاً من قرارات قيادته في المدينة، وبنصٍّ صريحٍ مِنْ أَبِي بَكْر حسب الرِّسالَة الَّتِي كتبها لقواد الجند، وتُظهر أعماله الانتقاميّة أنّ الممارسات الميدانيّة أبان نشأة الدّوْلَة الإِسْلاميّة لم تتطابق مع قوانين الأخلاق، وهذه الممارسات ليست خاصيّة الدّوْلَة الإِسْلاميّة، بل خاصية محايثة لتكّون أيُّة دولةٍ، وفي أيِّ عَصْرٍ، فالمعايير الأخلاقيّة كانت ومازالت منفصلةً كلياً عن السلوك السِّيَاسِيّ في أزمنة نشوء الدول، وهذه حالة أدركتها نخبة الإِسْلام آنذاك، وقد تجلّى الانفصال بين الأخلاق والسِّيَاسة لا في انتقام خالد بُعيد مَعْرَكَة بُزَاخَة فقط، بل في مسلكه المفرط في العنف فيما بعد، والمنفصل عن تبرريه السّماويّ، إذ كانت مستدعياته أرضيّة تماماً، وهذا ما سنراه لاحقاً في حركة السّيطرة على الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وعند النخب الَّتِي أدارت هذه العملية، حيث تنفصل فلسفة الأخلاق، عن شئون السِّيَاسِيّة وعمليات الفتح لدى مؤسِّسي الدّوْلَة الإِسْلاميّة، ولا يمكن أن نحاكم أحداث نشوء الدّوْلَة الإِسْلاميّة، ولا نشوء أية دولة وفق قوانين الأخلاق المجردة، بل من منظور الحركة التاريخيّة؛ وما نلاحظه أنّ أَبَا بَكْر وغيره لم يفكروا بفلسفة تصرفاتهم أخلاقياً، بل تحركوا وفق الاعتبارات الاستراتيجيّة، وبمعايير الفوائد العمليّة، هذا بغض النظر عن موازينها الأخلاقيّة، وربما من الأصح أنْ نقول خلافاً لكلِّ معيارٍ أخلاقيٍّ، إذ كانت المسألة المُلِحّة في هذا الطور هي مسألة بسط سلطة الحركة الإِسْلاميّة على أوسع رقعة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وإخضاع القبائل البدويّة لحركة الإِسْلام. وإذا كانت ثَمّة قواعد أخلاقيّة تحكم النخب السِّيَاسِيّة، فهي قواعد خاصة بقضايا الحَرْب والسِّيَاسِيّة، لا القواعد الَّتِي يجب أنْ يتحلّى بها الفرد العادي في المجتمع المستقر، الَّذِي ينعم بالسلام، ولا القواعد الخاصة بالقيادة في أوقات السّلْم الاجْتِمَاعيّ. إنّ تاريخ نشوء الدول، والانقلابات الثوريّة منذ العصور القديمة حَتَّى العَصْر الحديث قائمٌ على العنف والإبادة، ويترافق دائماً مع سيل الدماء البشريّة؛ ولم يسجل التّارِيْخُ أنّ دولةً تأسَّست على أساس طوعيٍّ، لا عنفيٍّ، بل إنّ أبسط تعديل سيَاسِيّ لخريطة الدّوْلَة، أو تغيير النخبة الحاكمة يكلف ثمناً بشرياً فادحاً. إنّ الدّوْلَة الجديدة لا تُبنى بالعرقِ والحجارةِ، بل بالدمِ والجماجمِ، ومن غير المحتمل أنْ يقدم التاريخ لنا نموذج دولةٍ نشأت على غير هذه الأسس، وعندما ننظر إلى التاريخ من منظورٍ أخلاقيٍّ، فإنّنا سنجد حقيقةً مفجعةً للقلب، وهي أنّ البشريّة لم تكن إنسانيةً قَطٌّ، ولم تصبح إنسانيةً بعد، ومن المستبعد أنْ تصيرَ إنسانيّةً في الأفق المنظور على الأقلّ.

أمّ زِمْل تقود جيوب المقاومة

       

بقيت بعض جيوب المقاومة، إذ اجتمع فُلاّل غطفانَ، وطيِّىءٍ، وسُلَيْمٍ، وهَوَازنَ إلى أم زِمْل (سَلْمى [21] بنت مالك) بنت أمّ قِرْفة بنت ربيعة، وكانت أمّ زِمْل قد سُبيت من قِبَل المسلمين، فصارت في حوزة عائشةَ، الَّتِي أعتقتها لاحقاً، فرجعت إلى قومها، ثُمّ شاركت في التّحرك المناوئ للإِسْلام، فقادت فلول مَعْرَكَة بُزَاخَة؛ ولهذا سار خالدٌ إليها، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وانتهت المَعْرَكَة بانتصار قواتِ خالدٍ بعد أن قُتلت هي، ويبدو أنّها كانت تتمتع بهيبةٍ كبيرةٍ وَسْط أتباعها، إذ تقول الرِّوايَات بأنّه قُتل مئة رجل من أتباعها دفاعاً عنها،[22] ولعل تأثيرها، وسلطتها المعنويّة كانتا ناتجتيْن عن حقدٍ شديد على الحركة الإِسْلاميّة، والَّذِي يعود لما جرى مع أمها أم قرفة (فاطمة بنت ربيعة بن بدر)، الَّتِي كانت قد أُسرت في حياة مُحَمَّدٍ على يدِ سريّةٍ إِسْلاميّةٍ، كان يقودها زيدُ بن حارثة، وقد انتهت أم قرفة ـ وهي عجوز كبيرة ـ نهاية مفجعة عندما قام قيس بن المُحسِّر بربط رجليها بحبلٍ وربطها بين بعيريْن ثم زجرهما فقطّعاها،[23] ومن المفترض أنّ ذلك تمّ بأمرِ زيدِ بن حارثة ـ قائد السّريّة. كان واضحاً أنّ قتلها جاء انتقاماً لما جرى مع ابن حارثة، الَّذِي كان قد قاد سريّةً سابقةً على قومها، فتعرّضَ أثناءها لجُرْحٍ مميتٍ، وكانت أم قرفة هي من تحرّض على القتال في الموقعة الأولى، الَّتِي أُصيب بها ابن حارثة،[24] ولم نسمع تنديداً بهذه الفعلة النكراء من قِبل مُحَمَّدٍ أو حَتَّى مواساة للبنت المفجوعة بنهاية أمها المثيرة لأشد مشاعر الألم على الأم، والمقت الحاد على المسلمين.

 

بنو تميم وتحرك سَجَّاح بنت الحارث بن سُوَيد

       

كانت قد تشكّلت علاقات بين مُحَمَّدٍ، وزعماء بني تميمٍ، وعلى أساسها اعترف مُحَمَّدٌ بزعامتهم على قبائلهم، وقد اعتبرتهم كتبُ التاريخ الإِسْلاميّ لاحقاً عمالاً على قومهم بأمرٍ من مُحَمَّدٍ؛ لكنّهم لم يكونوا عمالاً لأنّهم كانوا زعماءَ قومهم قبل مد روابط الاتصال بحركة الإِسْلامِ. وبعد موت مُحَمَّدٍ، فإن بعضاً من هؤلاء «العمال» قرر الالتحاق بالحركة الإِسْلاميّة وفق اعتبارات داخليّة خالصة، ليس فيها شبهة خضوعٍ، والبعض الآخر رفض الخضوع لها وفق اعتبارات داخلية مغايرة.

لما تُوفّي مُحَمَّدٌ اختلفت مواقف أولئك الزعماء من حركة الإِسْلام، وبالتحديد الموقف من الزَّكاة؛ وكان الاختلاف مؤسَّساً على التوزيع السيا ـ قبليّ، والَّذِي كان على الشكل التالي:

1ـ الزِّبْرِقان بن بدر: المُعين على الرِّباب وعوف والأبناء، فطلب منهم البقاء على الإِسْلام، وأعلمهم بأن طيِّئاً أبقت على علاقتها بالإِسْلام، وأدت الزَّكاة لأَبِي بَكْر. ثم إنّه أرسل صدقات الرباب وعوف والأبناء، وتشير الدلائل إلى أنّه أراد بذلك إحراج قيس بن عاصم الَّذِي كان على علاقة سيئة معه، بالرَّغْمِ مِنْ علو بعض أصوات المعارضة لذلك من قومه.[25]

2ـ قيس بن عاصم: على مُقَاعِس والبُطُون. وكان ينتظر قرار الزبرقان ليخالفه.[26] فلمّا طال انتظار قيس، قرر أن يقسم أموال الزّكاة عليهما. هذا إذا كان قد تمكن من جمعها أصلاً كما تروي الرِّوايَات.

3 ـ صفوان بن صفوان: على بني عمروـ قبيلة من تميم، وحين وصل إليه خبرُ وفاة مُحَمَّدٍ أرسل إلى أَبِي بَكْر بصدقات قومه مثلما فعل الزبرقان.

4 ـ سَبْرَة بن عمرو: على خَضَّم ـ قبيلة من بني تميم ـ.

5 ـ وكيع بن مالك: على بني مالك.

6 ـ مَالك بن نُوَيْرَةَ: على قومه بني يربوع.

       

كان ثَمّة توترٌ شديدٌ بين قبائلَ بني تميمٍ، كما عكسته مواقف زعمائهم المختلفة حيال المدينة، عندما كان يتصرف أحدهم عكس تصرف الآخر، وقد كان الخلاف على الشكل التالي:

عَوْف والأبناء في مواجهة البُطون؛ الرّباب ضد مقاعس؛ خَضّم ضد بني مالك؛ بَهْدى ضد بني يربوع.

و قد ازداد الوَضْع السِّيَاسِيِّ سوءاً عندما جاءتهم سجاح بنت الحارث التميميّة، والَّتِي كانت تقيم في أخوالها من بني تغلِب من الجزيرة، وكانت تقود مجموعات من مختلف بطون ربيعة، ومعها: الهُذَيل بن عمران في بني تغِلب، الَّذِي تتحدث الرِّوايَات عن أنّه كان يعتنق المسيحيّة، وتبعها كل من: عَقَّة بن هلال في النّمِر، وزياد بن فلان في إياد، والسَّليل بن قيس في شَيْبان. فلما وصلت بني تميم تصاعدت حدة التّوتّرِ والقلقِ الداخليّين.[27]

فمَنْ هي سجاح الَّتِي جاءت إلى بني تميم، وزجت نفسها في صراعات الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ولماذا اختارت بني تميم للبدء بمغامرتها.

 

سَجاح بنت الحارث بن سويد بن عُقْفان (أم صادر)

       

يعود نسب سجاح إلى بني يربوعٍ، وهو بطن من بني تميمٍ، وأخوالها من بني تغلبٍ، وكانت متزوجة فيهم، وبعد وفاة مُحَمَّدٍ أعلنت النّبوّة بالجزيرة في بني تغلب، فاستجاب لها الهُذيل ـ أحد زعماء بني تغلب، وترك المسيحيّة. وكان لسجاح مُؤَذّنٌ يؤذّن لها، ويقول: «أشهدُ أنّ سجاحَ نَبِيّة اللَّهِ».[28] هذا ما تقوله المصادر الإِسْلاميّة عنها، ولا يوجد ما يفيد عن حياتها قبل هذه المرحلة، وكيف تحركت، ومتى بالضبط أعلنت النّبّوة. ومن المعتقد أنها كانت تعتنق المسيحيّة،[29] ولا توجد تفاصيل عن عقيدتها، وربما كانت هذه العقيدة تقوم على معتقدات القبيلة المسيحيّة الَّتِي عاشت في كَنَفِها، مع بعض الشرائع في القضايا العمليّة. كما يمكن أن تكون محاولةً لاستبدال معتقدات تغلب الَّتِي تؤمن بطبيعة واحدة للمسيح بمعتقدات تميم النّسطوريّة،[30] وقد تكون مزيجاً من المسيحيّة والوَثَنِيِّة تشكّل جرّاء التداخل الاجْتِمَاعيّ بين قبائل المنطقة، والَّتِي تتعرّض لتأثيراتٍ ثقافيّةٍ من فارسَ، ومن المسيحيّين الهاربين من بيزنطةَ، إضافةً للعوامل المحليّة.

عندما وصلت سجاح أرض تميمٍ، عقدت اتفاقَ سلامٍ مع مَالك بن نُوَيْرَةَ، ووكيع، ولعلّ الاتفاق تمّ مع ابن نُوَيْرَة كونه ينتسب إلى بني يربوعٍ، والَّذين تنتسب إليهم سَجاح أيضاً؛ فقرّر هؤلاء الثلاثة (سَجاح، ومَالك، ووكيع) تجنب الصّراع مع قيس بن عاصم لما رأوه متردداً، آملين بأنْ ينضم إليهم. وحسب تعليمات سجاح قرروا مهاجمة الرباب؛ وبالفعل حدثت مصادمات بينهما، فزاد هذا من حدة الشّقاقِ بين بطون بني تميمٍ.

ثُمّ إنّ مالكاً ووكيعاً قررا إبطال التحالف مع النَّبِيّة من أجل تحقيق السّلْم الداخليّ، ويبدو أنّهما آثرا فكّ التحالف معها وفق اعتبارات عدة؛ فأولاً، لم تظهر سجاح عزيمةً قويةً في منازلة أعدائها، وضعف عزيمتها ناتج غالباً عن قلّة عدد قواتها، ومن الممكن أنّها كانت ترغب بالتحالف مع بني تميمٍ، ولم تكن ترغب بالمجابهة معهم، أي إنّها بدورها كانت تخشى الفتنة على قومها؛ ثانياً، لا شك إنّ زعماءَ بني تميمٍ كانوا يدركون أنّ أيَّ صراعٍ داخليٍّ محتملٍ سيدمر حياتهم القبلية المشتركة، بل حَتَّى من الممكن أنّ أفرادَ بني تميمٍ لم يكونوا يؤيدون الصّراع، والتطاحن الداخليّ، لاسيما بغياب العناصر الحافزة على الاقتتال. وإذ أنهى مالك ووكيع التحالف معها، فإنّهما وافقا على السماح لها بالعبور عبر أراضيهما وحسب؛[31] فغادرت سَجاح أرضَ تميمٍ، واتجهت صوب مُسَيْلِمة.

 

قتل مَالك بن نُوَيْرَةَ بالبُطاح

       

بعد دَحْره قوات طُلَيْحَة وانتهائه من عمليات التنكيل بالأعداء، قرّر خَالدٌ التوجه صوب مَالك بن نُوَيْرَةَ؛ فرفض مقاتلو الأنصار المسير معه بدعوى أنّهم لم يتلقوا كتاباً من أَبِي بَكْر بهذا الشأن، وكان الأنصار يستندون إلى قرارٍ سابق للخليفة، وذلك عندما بعث خالداً إثر عدي إلى طيّىء، وطلب منه ألّا يتوجه إلى ساحة قتالٍ أخرى حَتَّى يتلقى أوامر من المدينة؛ فكان ردُّ خالدٍ على الأنصار، بأنّه عليه انتهاز الفُرصْة المناسبة للسيطرة على قبائلَ تميمٍ الرافضة للخضوع إليهم، والتّأخّر عن اغتنام الفرصة قد يضيعها؛ وهو بذلك كان يستند إلى حقِّ القائد الميدانيّ في المبادرة تجاه وَضْعية ديناميكيّة تتطلب سرعة الحركة؛ فعلى القائد أنْ يدخل المَعْرَكَة الَّتِي يكون فيها النصر أكيداً، وحَتَّى لو كان الحاكم يحظر عليه ذلك؛[32] ولهذا قرّر خالد المسير بمن معه من المهاجرين، وإزاء ذلك لم يملك الأنصار إلّا اللحاق به بعد أن تشاورا فيما بينهم، وخافوا مغبة أنْ يُصاب الجيشُ بمصيبة يمكن أنْ تضعهم موضع الاتهام من قبل المهاجرين، أو حرمانهم من الغنائم في حال الانتصار.[33]

        في غضون ذلك كانت قبيلة مالكٍ ـ بني يربوعٍ ـ منقسمة على نفسها بصدد الانصياع للمدينة، فمنهم مَنْ كان مع إعطاء الزَّكاة، ومنهم ضد ذلك؛ وهذا ما أقلق مالكاً، وأضعف موقفه، لا سيّما بعد إعلان حليفه الوحيد في بني تميم ـ وكيع بن مالك ـ خضوعه للمدينة، وتقديمه أموال الزّكاة إلى خالد عندما اقترب منه، وقد علّل وكيعٌ لخالدٍ السبب الَّذِي جعله يناوئ سلطة الإِسْلام بأنّه كان يرغب بتصفية حسابات سابقة، وإنَّ الظروفَ السِّيَاسِيّة كانت ملائمة. كما أنّ قيس بن عاصم أعلن استسلامه، عندما اقترب منه العلاء بن الحضرميّ، وأخرج الصدقة؛[34] ويبدو أنّ علاءً كان قائداً في جيش خالدٍ، إذ لا يوجد ذكرٍ في المصادر لجيشٍ بقيادته في هذه المرحلة. بهذا بقي ابن نُوَيْرَةَ الوحيد، الَّذِي لم يعترف بسلطة المدينة في بني تميمٍ، مع مَنْ اجتمع إليه بالبُطاح.

وصل خالد إليهم، وعسكر بأرضهم، فقرّر مالكٌ عدم مجابهة قواتِ خالدٍ، وطلب من مقاتلي قبيلته التفرّق بالدّيار، وعدم خوض القتال حقناً للدماء، كانت رغبته في التّوصّل إلى اتفاقِ سلامٍ واضحةً من قراره هذا. ثُمّ إنّ إحدى السّرايا الَّتِي بعثها خالدٌ لتجوب المنطقة ألقت القبض على مَالك بن نُوَيْرَةَ، وهو في بستان له، ومعه امرأته، وجماعة من بني عمه، فأخذتهم السّرية بما فيهم زوجُ ابن نُوَيْرَةَ الَّتِي كانت بها مسحة جمال.[35] ويبدو أنّه كان منوطاً بالسرية القبض على ابن نُوَيْرَةَ؛ لأنّها لم تجده خارج بستانه، بل توجهت إليه رأساً، كما لم تلقِ القبض على غيرهم.

        أمر خالدٌ بقتل الأسرى، فاحتَجَّ شيخٌ منهم بأن أَبَا بَكْر قد نهى عن قتل منْ صلّى إلى القبلة، لكن خالداً أنكر صلاتهم؛ فتدخل أبو قَتَادَة مؤكداً لخالد صلاتهم، وأخبره أنّهم صلوا سوّيةً بُعيد أسرهم؛ لكنَّ خالداً أمضى قراره بقتل الأسرى بحجة أنّهم منعوا الزَّكاة، وهذا مبرر كافٍ لقتلهم. ولما جاء دور مالك ليُضرب عنقه، سأل خالداً، كيف يقتله وهو مسلم يصلّي، فأجابه خالد بأنّه لو كان مسلماً لما منع الزَّكاة، ولا أمر قومه بمنعها؛ وفي هذه اللَّحظة التفت مالكٌ إلى امرأته وقال: «يا خالد بهذه تقتلني»،[36] وتقول إحدى الرِّوايَات إنّ خالداً، وبعد أنْ قُطعَ رأس ابن نُوَيْرَةَ، أمر بأنْ يُوضع الرّأس المقطوع، ويجعل مع حجريْن من أجل أن يطبخ على الثلاثة دراً [37] فأكل منها خالد تلك اللَّيْلَة ليرهب بذلك الأعراب الرافضين.[38]

و الرِّوايَة الأخرى تفيد بأنّ خالداً كان قد قرّر الانتظار، بعدما حدث الخلاف بصدد الأسرى هل هم على الإِسْلام أم لا، فحبسه عند ضرار بن الأزور، وكانت اللّيْلَةُ باردةً، فأمر خالد منادياً، فنادى: «أدفئوا أسراكم»، وهي في لغة كنانة القتل؛ فظنّ القوم أنّه أراد قتلهم، فقتلهم ضرار وكان كنانيّاً ولم يكن خالد يُرِد إلّا الدفء؛ فلما سمع خالدٌ الصراخ والجلبة على الميت ونعيّه، قال: «إذا أراد اللَّه أمراً أصابه».[39]

لم يمنع هذا الخطأ ـ حسب الرِّوايَة الثّانية ـ خالداً من التزوج من امرأة ابن نُوَيْرَةَ المقتول للتو، وهذا أمر تتفق جميع الرّوايات على حدوثه، وعلى الرَّغْمِ مِنْ أن التقاليد العَرَبِيّة كانت ترفض هذا المسلك في الحَرْبِ، وترى فيه أمراً يلحق العار بمرتكبه.

في الحقيقة نحن لا نستطيع أن نفسّر تصرّف خالدٍ مع ابن نُوَيْرَةَ بدواعٍ عسكريّة، فالكائن البشريّ يملك في لاشعوره طاقةً تدميريّةً هائلةً، وهي مشحونة بشدة، ومتجذرة بعمقٍ، في مسلكه اليوميّ يفصح الكائن البشريّ عن هذه النّزْعة في عباراتٍ عفويّةٍ، والتي تبدو وكأنّها مجردُ كلامٍ عابرٍ، نطق به اللّسان في لحظة تذمر وغضب، والقتل الَّذِي يرتكبه بعض المجرمين في حالات معينة، تُعتبر أسبابها تافهةً جداً عند كلِّ ذي عقلٍ متوازنٍ، يجب أنْ ننظر إليه على أنّه حالةٌ أفلتت بها هذه الرغبة التدميريّة من السّيطرة، وخالدٌ في البُطاحِ كان ينظر إلى ابن نُوَيْرَةَ كعائقٍ أمامه من أجل الحصول على الأنثى الَّتِي رغب بها، أي إنّ ابن نُوَيْرَةَ كان بالنسبة لخالدٍ كابحاً لرغبته في الامتلاك. وإذ حاكمنا تصرفه هنا وفي ساحات أخرى بشكلٍ مجردٍ فإننا نجد أن بواعث تصرفاته تعود إلى نفس الدوافع الَّتِي حركت الفجاءَة السُّلميّ، إذ لا يوجد فرقٌ أخلاقيٌّ بينهما في هذه الحالة؛ كلاهما كان يحوز على نزعة قتلٍ وتدميرٍ هائلةٍ، وكلاهما سعيا لإشباع هذه الغرائز، لكنّ الفارقَ الوحيدَ إنّ خالداً كان يتحرك في إطار مشروع بناءِ دولةٍ، وقد قيض لمشروع الدّوْلَة الإِسْلاميّة أنْ ينجح، في حين أنّ الفجاءة لم يكن يتحرك في إطار مشروعيّة سياسيّة تجعل ما فعله أمراً قانونيّاً، لا يثير الاستهجان، ولو كانت تحركاته تمت لصالح حركة الإسْلام لكان موقعه في التاريخ الإِسْلاميّ مختلفاً؛ كذلك الأمر بالنسبة لخالد بن الوليد، لو أنّ مشروع بناء الدّوْلَة فشل، لما سُجل اسمه في سجل الأبطال، والعظماء، ولنُظر إليه اليومَ كما ينُظر إلى الفجاءَة السُّلميّ. وقد علقّ طه حسين على مقتل ابنِ نُوَيْرَةَ، قائلاً: «تبين هذه القصة ميل خالدٍ للعنف والقتل، وتظهر حبه للتزوّج؛ كما تظهر لنا خُلْقاً ثالثاً لم يكن مقصوراً على خالدٍ، وإنما كان خُلْقاً معروفاً في عشيرته من بني مخزوم وهو العُجب والخُيلاء».[40]

أغضبت هذه المجزرة أبا قَتَادَة الَّذِي عاهد اللَّه ألّا يشهد مع خالدٍ حرباً أبداً بعد ذلك اليوم.[41] ولربما كان يدرك أن غاية الحَرْب هي تقويض العدوِّ، ومن الحق قتل حُماتِها ما داموا حاملين سلاحاً، فإذا ما وضعوا السلاح وسَلّموا أنفسهم كفوا عن كونهم أعداءً أو أداةً للعدوِّ، وأصبح لا يكون لأحدٍ حَقٌّ في نَزْع حياتهم؛[42] فرجع إلى المدينة، وقد كلّم شخصيات المدينة بشأن ما جرى، وأراد أنْ يدخل على أَبِي بَكْر ليشكو إليه خالداً، فأبى أَبُو بَكْر لقاءه غضباً عليه لأنّه ترك الجيش من غير إذن من أميره.[43] كان رفض أَبِي بَكْر لقاءه نابعاً من ضرورة الانضباط العسكريّ، ورغبته بمنع أفراد الجيش من التصرف على هواهم، إذ إنّ رفضه استقبال أبي قَتَادَة كان يعني رفضه للفوضى وتأكيده على أهميّة الالتزام بطاعة القادة الميدانيين، وبغض النظر عن الانتهاك الَّذِي أُرتكب من قِبلهم، وما إذا كان هذا يعجب أفراد الجيش أم لا.

لما آب خَالِدٌ بن الوَليدِ من البُطاحِ كان يلف عمامةً على رأسه، وقد غرز فيها أسْهُماً؛ فلقيه عُمرُ بن الخطّاب، فأنتزع الأسهم، وحطَّمها، ثم قال: «أرِئاء! قتلتَ امرأً مسلماً، ثم نزوت على امرأته! واللَّه لأرجمنّك بأحجارك». ثم إنّ خالداً اجتمع بأَبِي بَكْر، وأعتذر منه، فقبل منه الخَلِيْفَة عذره،[44] وبرر عفوه للناسِ بـ: «أنّه تأوّل فأخطأ».

لم يكن تبرير أَبِي بَكْر لما فعله خالدٌ ينحصر في ضرورة مناصرة القائد الميداني وحسب، بل توجب على الخَلِيْفَة تجاوز هذه الجريمة بسبب من المهمات الصعبة الَّتِي ما زالت تنتظر الحركة الإِسْلاميّة؛ ولأنّه كان يدرك أهمية عدم تعريض خالد لهزة معنويّة، أو إضعاف روحه القتاليّة في مَعْرَكَة شرسة لاحقاً، مما كان سيؤثر على سير العمليات العسكريّة. وعندما ألحّ عُمَرُ على أَبِي بَكْر من أجل عزل خالد، وأضاف :«إنّ في سيفه رَهَقَاً»،[45] فإن الخَلِيْفَة بقي رافضاً لمعاقبته، وأكتفي بدفع دية ابن نُوَيْرَةَ، وبذلك يعترف الخَلِيْفَة بالطبيعة الجرمية لسلوك خالد، لكنّه لم يكن ليتخلى عن «سيفٍ سلّه اللَّه على الكافرين» على حد تعبيره، وهو بذلك يقتدي بنَبِيّه الَّذِي تجاوز عن خالد بعد حادثة بني جذيمة.[46]

لقد بقي أَبُو بَكْر يستحضر من ذاكرته ما نسيه الآخرون، ليبرر موقفه المتساهل من خالدٍ، فقال بأنّه سمع مُحَمَّداً يقول عنه: «نِعم عبد اللَّهِ وأخو العشيرة خَالِد بن الوَليدِ، سيفٌ من سُيُوف اللَّه سلّه على الكفّار والمنافقين».[47] ويقول ابن سعد بأنّ ما دفع أَبَا بَكْر لذكر هذا الحديث النَبَوِيّ هو أنّ خَالِد بن الوَليدِ توجه للقضاء على تمرد في بني سُليمٍ، وهناك جمع منهم رجالاً في حضائر ثمّ أحرقهم بالنّار، فجاء عُمَرُ إلى أَبِي بَكْر، فقال له: «انْزِعْ رجلاً عذّب بعذاب اللَّه»، فقال له أَبُو بَكْر: «لا أشيم سَيفاً سَلّهُ اللَّه على الكفّار».[48] ولن يكون هذا التعليق الإيجابي الوحيد بحقِّ خالدٍ؛ ففي سنة (12 ﻫ) عندما دخل خالد أمْغِيْشيَا ـ في العراق ـ وكان أهلها قد جلوا عنها، وتفرّقوا، أمر خالد بهدم البلدة، وكانت حسب قول الرواة مِصْراً (مدينةً) كالحيرة، فلما وصلت الأنباءُ أَبَا بَكْر قال: «أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد!».[49]

لم يكن مستغرباً ألّا نسمع أصواتاً منددة بخالدٍ، ولا من قِبل أيِّة شخصيّة صحابيّة، وذلك، لأنّ هذه الاستراتيجيّة كانت بموافقة الخَلِيْفَة، وكانت السبيل الوحيد لتحقيق انتصارات تالية، إذ لما توصلت نخبة المدينة إلى خيارِ الحَرْبِ أدركت ما يعنيه هذا الخيار، وكان إرهاب العدو وسيلةً ضروريّةً من أجل تحقيق نجاحات استراتيجيّة في الميدان؛ وفي الحَرْبِ لا يُحسب حسابُ الحياة الفردية للمدنيين، وبالأخص حياة مدنيي العدو؛ ومن جهة أخرى كان السبب الثاني لغياب الأصوات المعارضة، هو إنّ الحَرْبَ ضد أيّ عدوٍ تغيّب الجوانب العقلانيّة في الّتْفكير، وتشلّ المشاعر الإنسانيّة بما لها من دور كبيرٍ تلعبه في تغذية الجوانب اللاعقلانيّة في الإنسان، وإثارة غرائز العنف البدائيّة فيه، وليس في العَصْر السالف، بل حتى في عصرنا الحالي، الَّذِي ندعي أنّنا ارتقينا قمماً حضاريةً عاليةً ما زالت البشريّة تبرهن على قوة الشرّ الكامنة فيها، وعلى الرغم من تراث عشرات القرون من الحضارة، والثقافة «الإنسانيّة».

الاستثناء الوحيد كان يشكّله عُمرُ بشخصيّته المثيرة والرقيقة، الَّذِي كان يعرف بأنّ خالداً قد أرسل قادة أشهروا السيف ضد الحركة الإِسْلاميّة (مثل: عُيَيْنة بن حِصْنِ الفَزَاري، والفجاءة) ولم يقتلهم، بل ترك أمر عقوبتهم للخليفة، أما بالنسبة لابن نُوَيْرَةَ، فقد كان الغرض واضحاً من قتله إياه، لا سيّما أنّ ابن نُوَيْرَةَ لم يشهر السلاح، وطلب من مقاتلي بني يربوع عدم التّأهب؛ ولن ينسى لخالد فعلته، وغيرها من الخروقات الكثيرة الَّتِي اقترفها في حروبه، فما أنْ يتسلّم مقاليد السُّلْطَة عقب وفاة أَبِي بَكْر، حَتَّى يكتب إلى أبي عُبَيْدة بن الجّراح بنقل قيادة الجند إليه، وقال بعد هذا الكتاب: «لا يلي لي عملاً أبداً».[50]

        في غضون ذلك كان مُسَيْلِمة يوطد سُلْطَته في بني حنيفة، كما أنّه تلقى تأييداً من نَهار الرَّجال بن عُنْفُوَة. وكان نَهار قد هاجر إلى مُحَمَّدٍ، وإطّلعَ على فحوى العقيدة الإِسْلاميّة، فبعثه مُحَمَّدٌ من أجل أن يحاول نشر الإِسْلامِ في الْيَمَامَةِ، وليحاول سحب البساط من مُسَيْلِمة، لكنّه بدل من ذلك انضم إليه، وأيده؛ فاعتبرت قيادة المدينة انضمام نهار إلى مُسَيْلِمة أمراً أكثر فتنة من نشاط مُسَيْلِمة نفسه.[51]

مُسَيْلِمة

تقول بعض الرِّوايَات إن مُسَيْلِمة بن حبيب [52] شرع بنشاطه في السّنَة التاسعة هجرية، ونحن نعتقد أنّه برز خطره في تلك السّنَة، على اعتبار أنّ نشاط أيِّة حركةٍ لا يؤتي أُكله في غضون أشهر، والاعتقاد بأنّه بدأ دعوته في السّنة التاسعة يعود إلى نقص شديد في المعلومات من جهة، والتشويه اللاحق لسيرته من جهة أخرى؛ علاوة على أمر هام هو أنّه ظهر تعارضه مع الحركة الإِسْلاميّة جلياً في هذه الفترة بالذات، وبالتالي برز لسطح الأحداث في عيون المؤرخين الإِسْلاميّين في هذه المرحلة؛ ومما يرجح قِدَم نشاط مُسَيْلِمة الدينيّ هو أنّ أعداء مُحَمَّدٍ القُرَشيّين أكدوا بأنّه يتلقى الوحي من رجل من الْيَمَامَةِ اسمه الرحمان، وإنْ كانت المعطيات التاريخيّة العامة لا تسمح لنا بالقول بأنّ مُسَيْلِمة كان له نشاط ضد مُحَمَّدٍ خلال فترة الدعوة المكّيّة،[53] وفي الفترة اليثربيّة قبل السّنَة التاسعة للهجرة.

ملامح شريعة مُسَيْلِمةَ

إنّ المعلومات المتوفرة عن عقيدة مُسَيْلِمةَ قليلةٌ للغاية، وقد تعرضت لتحريفٍ واضح، وكل ما نملك عن عقيدته أنّه حرم ممارسة الجِنْس لِمَن عنده ولد ذكر، والاستثناء الوحيد لذلك، هو حاجة الرجل لإنجاب ولد ذكر في حال وفاة ولده،[54] ونجد في خطبه أفكاراً من المسيحية بأكثر مما نجد في أحاديث مُحَمَّدٍ،[55] وبكلمات ف. بارتولد فإنّ مُسَيْلِمةَ كان يقف أكثر0 قرباً إلى المسيحيّة، وإلى الإِسْلام المبكر من مُحَمَّدٍ نفسه في نهاية حياته؛[56] بينا يرى جيب أنّ حركة مُسَيْلِمة تأثرت بالنسطورية Nestorian. على أنّ ثَمّة رأياً يعتبره من أئمة حركة الأحناف خارج الحِجَاز.[57]

        يعود التَّبَايُن في تقييم عقيدة مُسَيْلِمة إلى أنّ المصادر التاريخيّة لا توفر لنا أيّة معطيات دقيقة بصدد عقيدته تسمح لنا بتحديد طبيعتها، وما هي مصادرها الفكريّة، والفرض الأكثر معقوليّة هو أنهّا تستند في بعض ممارستها للمسيحيّة، ويبدو أنّ تأثّرها بالمسيحيّة عائدٌ إلى عامليْن: الأول ثقافيّ، هو سعة انتشار المسيحيّة بين بني حنيفة؛ والثاني، الوَضْع الاجتماسيّ في الْيَمَامَةِ الَّذِي سمح للمسيحيّة بترك هذا الأثر البَيّن. وبالنسبة لمنعه ممارسة الجِنْس إلا للإنجاب فإنّ من غير المعقول أنْ يتم فرض هذا القيد الشديد بصدد الجِنْس على جميع اتباعه، مما كان سيبعد عنه الناس، فهذا المسلك لا يقدر على الالتزام به إلّا قلةٌ متميزةٌ جداً، تتمتع بقدرة تصعيد (Sublimation) غريزة الجِنْسِ، وتحويلها نحو حالة الاتحاد مع المطلق، متسامية نحو السماء عوضاً عن الأرض؛ ولهذا فثمة احتمالان: إما أنّ مُسَيْلِمة حثّ أتباعه على عدم ممارسة الجِنْس، والمسألة لا تتعدى كونها سُنَّةً ـ حسب المصطلح الإِسْلاميّ ـ تحثّ شريعة مُسَيْلِمة على التمسك بها إنْ أمكن، أو إنّ هذا المسلك غير مفروض إلّا على شريحة خاصة.

لاشك إنّ الوضع الاجْتِمَاعيّ سمح للمسيحيّة بترك بصماتها على مجتمع الْيَمَامَةِ، إذ كان تطور الإنتاج فيها على درجة كبيرة، وقد بلغ حداً أنهم كانّوا يستعينون بالعبيد في أعمال الزراعة، وكما استعانوا بالموالي من العجم والمجوس، ويعود السبب إلى كثرة إنتاجها الزّراعيّ من الحبوب، والَّذِي اشتهرت بجودته، والَّذِي سمح به وفرة المياه فيها؛[58] وهذا ما جعل بنيتها السِّيَاسِيّة معقدةً بالمقارنة مع بقيّة مجتمعات الجَزِيْرة العَرَبِيّة، كما سمح لها بأنْ تكون قبيلةً قويةً، وموحدةً سِيَاسِيّاً تحت قيادة مُسَيْلِمة، ويلاحظ غياب الصراعات الداخليّة فيها، باستثناء جماعة صغيرة بقيادة ثمامة بن أثال الَّذِي تحالف مع المدينة، ولم تكن ذات أهمية تذكر.[59]

بلورت هذه العوامل الاجتماسيّة مجتمع الْيَمَامَةِ طبقيّاً، وخلق مؤسَّسة تحاذي آلةَ الدّوْلَة، وهذه المؤسَّسة كانت شرط كل المجتمعات الطّبقيّة في طور التّبلور، وقد كانت هذه هيئةً متفردةً في شمال الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ولم تكن المؤسَّسة السِّيَاسِيّة للمدينة في شخص الحركة الإِسْلاميّة تدانيها تطوراً؛ لأنّ الوَضْعية التاريخيّة لليمامةَ كانت أكثر تقدماً، لكن مصير الْيَمَامَةِ سيكون نفس المصير اللاّحق للدولتيْن العظمييْن آنذاك (فارس، وبيزنطة) حيث حققت قوة خارجة من الصحراء انتصارات ساحقة على الكيانات المجاورة الأكثر تطوراً، والتاريخ القديم محكوم بهذا القانون، إذ الأقل حضارةً يدمر الأكثر حضارةً، وقد أخذت هذه القانونيّة التاريخيّة مسارات مختلفة، وفيما يتعلّق بالحركة الإِسْلاميّة الصاعدة أفضى هذا المسار إلى هيمنة الفاتحين العرب، وهم الأدنى في سِلّم التطور، ثم تبعتها سيرورة استيعاب ثقافات البلدان المَغزوة ونشوء حضارة تفاعليّة، جعلت المنطقة لقرونٍ مركزَ الحضارة العالميّة، هي الحضارة الإِسْلاميّة، وهي ليست عَرَبِيّة بالمفهوم القوميّ، وإنْ كان العربُ شاركوا فيها مثل جميع القوميات، وكذلك جميع الأديان، والاعتبار الَّذِي جعلنا نقول عنها إِسْلاميّة هو الإطار العام الَّذِي تحركت فيه القوميات، والأديان وحسب.

إنّ التمايز الواضح في تركيب مجتمع الْيَمَامَةِ من عوامل صعوبة التبشير فيه بالإِسْلام، وسيواجه المسلمون قبيلةً موحدةً، ومتماسكةً، خلافاً للقبائل الَّتِي اصطدموا بها سابقاً. وهو المجتمع الوحيد، الَّذِي كان متماسكاً ككلٍّ في مواجهة حركة الإِسْلام، وقد كلفت السّيطرة على الْيَمَامَةِ ثمناً باهظاً جداً كما سنرى فيما بعد.

الصدام مع الحركة الإِسْلاميّة

قلنا إنّ نشاطَ مُسَيْلِمةَ الدينيّ لا بدّ أنْ يكون سابقاً للسّنَة التاسعة للهجرة، وهذه الرّؤْية مستندة إلى نصٍّ قرآنيٍّ،[60] فالقرآن هو مصدرنا الوثيق فيما يخص السيرة النَبَوِيّة. أمّا بالنسبة للصدام بين الإِسْلامِ ومُسَيْلِمةَ فلم تصلنا أيُّة روايةٍ تفيد عن حدوث صدامٍ بين حركة مُسَيْلِمة وحركة الإِسْلام أبان فترة الدعوة المكّيّة، وكذلك في مرحلة المدينة، وأوّل رواية تتحدث عن الصّدام الأول بينهما كانت في السّنَة التاسعة للهجرة، حيث تفيد بعض الرِّوايَات أنّ مُسَيْلِمةَ كان ضمن أعضاء وفدِ بني حنيفةَ الَّذِي زار مُحَمَّداً في هذه السّنَة، وأنّ لقاء الوفد جرى بمحضر أصحاب مُحَمَّدٍ، وكان مع مُحَمَّدٍ عَسِيبٌ من سعَف النَّخل،[61] وفي أثناء اللقاء تحدث مُسَيْلِمةُ، فردّ مُحَمَّدٌ عليه: «لو سألتني هذا العَسِيْب الَّذِي في يدي ما أعطيتك»، وأنّه لما عاد إلى الْيَمَامَةِ أعلن النّبُوّةَ.[62]

لم نعرف مضمون الحوار الَّذِي دار بين الرجليْن، أو بين وفد بني حنيفة، ورجالات الحركة الإِسْلاميّة، لكن توجد إشارة غامضة إلى محاولة تفاوض، إذ قال مُسَيْلِمة: «إنْ شئتَ خلينا لك الأمر، وبايعناك على أنّه لنا بعدك»، فقال مُحَمَّدٌ: «لا ولا نعمة عين، ولكن اللَّه قاتلك».[63] ومن المرجح أن مُسَيْلِمة طلب من مُحَمَّدٍ حقوقاً محددةً، تضمن لبني حنيفةَ التساوي، أو الاعتراف بمساواة مجتمع الْيَمَامَةِ مع حركة الإِسْلام؛ وهذا ما توضحه بجلاء الرّسالة الَّتِي بعث بها إلى مُحَمَّدٍ في السنة العاشرة للهجرة؛ الَّتِي جاء فيها:

«من مُسَيْلِمَةَ رسولِ اللَّهِ، إلى مُحَمَّدٍ رسولِ اللَّهِ: سلامٌ عليك؛ أما بعد، فإنّي قد أُشركتُ في الأمر معك، وإنّ لنا نصفَ الأرض، ولقريشٍ نصف الأرض، ولكنَّ قريشاً قوم يَعْتدون».

و قد كتب مُحَمَّدٌ الردَّ التّالي:

«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من مُحَمَّدٍ رسول اللَّه إلى مُسَيْلِمة الكذّاب: السّلام على مَنِ اتّبع الهُدى. أما بعد، فإنّ الأرض للَّهِ يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين».[64]

كان هذا هو الصّدام الأوّل بين الحركة الإِسْلاميّة من جهة، وبين مُسَيْلِمة وبني حنيفةَ من جهة أخرى، وليس واضحاً الغاية من وفادة بني حنيفة، فربما كان الوفد يرغب بتنظيم علاقة تحالف معينة مع الحركة الإِسْلاميّة في المدينة، أو أنّ اللّقاء كان استمراراً لاتصالات سابقة، كما يُوحي بذلك ما يروى عن اتصالات سبقت الاستيلاء على مكّة بين مُحَمَّدٍ، وهوذة بن علي، زعيم بني حنيفةَ الكبير، الَّذِي وافق حسب المصادر على دعوة مُحَمَّدٍ للإِسْلام، مقابل شروط، وإنّ مُحَمَّداً رفض، وقال لما وصله قرار هوذة، لو أنّه طلب منه بلحة لما قبل، وتضيف هذه الرِّوايَة بأنّ مُسَيْلِمة شرع بدعوته بعد وفاة هوذةَ.[65]

فهل كان مُحَمَّدٌ يسعى للتوحيد السيا ـ أيديولوجيّ معهم، لكنْ تحت قيادته، وكان ردُّ بني حنيفةَ منسجماً مع قوتهم، وتماسك جبهتهم الداخليّة، مما أفشل المفاوضات؟ يتبين من كلام مُسَيْلِمةَ لقومه رغبة محمّدٍ في إلحاق بني حنيفةَ، إذ يتساءل:«يا بني حنيفة أريد أن تخبروني بماذا صارت قريش أحقّ بالنّبوّة والإمامة منكم؟ واللَّه ما هم بأكثر منكم وأنجد، وإنّ بلادكم لأوسع من بلادهم، وأموالكم أكثر من أموالهم».[66]

من الصعب التكهّن بطبيعة الاتصالات والغاية منها بالنسبة لكلِّ طرفٍ مادمنا لا نملك نصوص الحوارات، أو محاضر الجلسات، والواضح أنّ العلاقة بين الطرفيْن وصلت إلى حافة الهاوية عندما حضر وفد بني حنيفةَ إلى المدينةَ، ولاحظ عن كثب التركيب الداخليّ فيها، والمختلف عمّا يملك، والإدارة السِّيَاسِيّة المختلفة بطبيعة الحال، وربما استقرّ في ذهن هذه البعثة قرارٌ بتشكيل نظام سِيَاسِيٍّ خاصٍ، شعوراً منهم بحاجة الْيَمَامَةِ لسُلْطَة تدير مسألة الدفاع عن بلادهم في مواجهة الأخطار المتوقعة عليها من قبل هذه الحركة، بالأخص بعد رؤيتهم لنظام المدينة السِّيَاسِيّ والقائم على أيديولوجيّة مستمدة نسغها من السّماءِ، وتتبلور فيها نزعات التوسع بعد الاستيلاء على مكّة.

ما جعل الصراعَ حتمياً بين الْيَمَامَةِ والحركة الإِسْلاميّة هو وضع الْيَمَامَةِ الَّذِي لا نظير له في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، إذ كانت تركيبتها الاجتماسيّة من أنضج التّكوينات في الجَزِيْرة العَرَبِيّة آنذاك، وأشدها استعصاءً على الخضوع للإِسْلام بسبب من هذا التطور. كان رفضها للإِسْلام نابعاً من ظروف مغايرة تماماً لرفض القبائل البدويّة، الَّتِي رفضت هي الأخرى الإِسْلام ولكن بسبب من تخلّف تركيبتها الاجْتِمَاعيّة؛ وقد واجه أَبُو بَكْر وقادة الحركة الإِسْلاميّة هذا الواقع، ولم يكن ثمّة وسيلةً متاحةً لإقناع بني حنيفةَ إلا السيف بعدما زادت انتصارات الجيوش الإِسْلاميّة قادة الإِسْلام قناعةً بأن الأنَبِيّاء المسلحين قد احتلوا وانتصروا بينما فشل الأنَبِيّاء غير المسلحين؛[67] وفي هذه المرحلة البنائيّة لم يكن ممكناً توسل الإقناع، والانتظار حَتَّى يدخل الإِسْلام إلى قلوب القبائل العَرَبِيّة، إذ إن الانتظار كان يمكن أن يسبب نكسةً في نمو جنين دولة الإِسْلام، وكان يمكن أنْ تضيع كلُّ النجاحات المتحققة حَتَّى الآن، وعندما اتخذ قادة الحركة الإِسْلاميّة قرار الحَرْب فإنّهم قرروا المواجهة، وفرض العقيدة بالقوة، إذ كان فرض العقيدة ينسجم مع منطق تاريخ المكان والزمان، ومن ضرورات الحفاظ على صعود نجم يثربَ كمركزٍ للإِسْلامِ؛ مع مراعاة أنّ عاملاً اقتصادياً لعب دوره في تسريع المواجهة، وذلك لأنّ الطريق الَّذِي يبدأ في البَحْرَيْن، وعُمان، وينتهي في مكّة كان من السهل قطعه على أيدي بني حنيفةَ في الْيَمَامَةِ. وكان ثمامة بن أثال ـ أحد قادة بني حنيفة ـ يعترض تجارتها في الْيَمَامَةِ. وفيما بعد، عندما دخلت مكّة تحت راية الإِسْلام، مُنعت تجارتها من العبور عبر أراضي بني حنيفة بقيادة مُسَيْلِمة.[68] فوضع القُرَشيّون مسألة غزو بني حنيفة على رأس قائمة أولويات حركة الإِسْلام.

من الملاحظ أنّ مُسَيْلِمةَ كان يستعدّ للدفاع عن مجتمعه، ولم يسعَ أبداً للتوسّع، وهذا فرق كبير بين حركته، وحركة الإِسْلام، إذ كانت الحركة الإِسْلاميّة في المدينة تواجه أزمات داخليّة تفرض عليها خوض الحروب، كما كانت حاضرتها ـ المدينة ـ تعيش في طور النّمو، وكان النّمو مؤلماً لأنّه كان يشترط التوسّع الجغرافيّ، وبهذا اقتضت استراتيجيّة قادة المدينة المضي قدماً لمحاربة مُسَيْلِمة، واقتضت استراتيجية مُسَيْلِمة الاستعداد للدفاع عن تكوين الْيَمَامَةِ الَّذِي كان ناجزاً، ولم تكن ثَمّة صراعات داخليّة تهدد وجود الْيَمَامَةِ، وتفرض على زعمائها التوجه للحروب من أجل حرف اتجاه الأزمة. هكذا فرض الواقع على قادة المدينة مصادمة مُسَيْلِمة وفق ما تمليه عليهم ضرورات نشأة دولتهم، وخوفهم من موت الهيئة الناهضة، بينا فرض على مُسَيْلِمَةَ الدفاع عن قبيلته من منطق الحفاظ على تكوينها الناجز، وإذ وازنا بين الضرورتيْن فإنّ ضرورة حركة الإِسْلامِ كانت أشدُّ إلحاحاً؛ لأنّها ضرورة المستقبل، ولهذا قيض لها أن تنتصر على ضرورة مُسيْلِمَةَ، لأنّها كانت تجسد الحاضر الذاوي ماضياً.

لكنْ، وقبل أنْ ننتقل إلى الصّدام المسلح بين الحركة الإِسْلاميّة وحركة مُسَيْلِمةَ لنرَ ما جرى بين مُسَيْلِمة وسجاحَ، الَّتِي توجهت إليه.

لقاء مُسَيْلِمة وسجاحَ

بعدما لم يثمر تحالفها القصير مع مَالك بن نُوَيْرَةَ عن شيءٍ، ولم تجد حلفاء لها في بني تميم، قررت سجاحُ التوجه صوب الْيَمَامَةِ، وعندما وصلتها عقدت اجتماعاً مع مُسَيْلِمة؛ فماذا تقول المصادر التاريخيّة عن هذا الاجتماع؟

تقول هذه المصادر إنّ الاجتماعَ تمّ بطلبٍ من مُسَيْلِمةَ، الَّذِي كان راغباً في السّلْم بسبب صراعه مع ثمامة بن أثال؛ وفي الاجتماع عرض على سجاحَ تقاسم الأرضِ، واشتكى من رغبة قريش في الهيمنة على الجَزِيْرة العَرَبِيّة، قائلاً لها: «لنا نصف الأرض؛ وكان لقريش نصفها لو عدلَتْ، وقد ردّ اللَّه عليك الّنصف الَّذِي رَدَّت قريش؛ فَحَباك به، وكان لها لو قبلتْ».[69]

و تضيف بأنّ مُسَيْلِمةَ عرض في الاجتماع على سجاحَ الزواج، من أجل توحيد قومهما، فوافقت عليه،[70] وطالبته بصداقٍ، فكان صداقها رفع صلاتيْن من الخمس، الَّتِي جاء بها مُحَمَّدِ بنِ عبد اللَّه، وهما: «صلاة العشاء الآخرة وصلاة الفجر».[71] وتضيف المصادر التاريخيّة بأنّ مُسَيْلِمة وافق على تقديم نّصف غلاّت الْيَمَامَةِ لسجاحَ مقابل الاعتراف به نَبِيّاً. ورجعت سجاحُ على إثْر ذلك إلى الجزيرة ولم تشارك عملياً في أيِّ تحركٍ مناوئٍ لحركة الإِسْلام أو داعمٍ له، فبقيت في بني تغلب ـ أخوالها ـ حَتَّى انتقلت قيادة الدّوْلَة الإِسْلاميّة إلى مُعَاوِيَة بن أبي سفيان بعد اغتيال عليّ بن أبي طالبٍ، فتوجهت إلى الكوفة بأمر من مُعَاوِيَة الَّذِي أمر بانتقال عقفانَ ـ عشيرتها ـ وأسلمت حينئذ، وثمّة أقوال بأنّها انتقلت إلى البصرةَ، وهناك ماتت، وقيل إنّ أخبارها انقطعت لاحقاً مع توسّع الدّوْلَة الإِسْلاميّة.[72]

نحن نجد في هذه الرِّوايَة جملة تناقضات؛ أولاً، الرِّوايَة لا تستقيم مع شريعة مُسَيْلِمة الدينيّة الَّتِي كان يبشّر بها، والاختلاق الفاضح لم ينتبه إلى هذا الأمر، فكيف لِمَنْ حَظَرَ الجِنْس على أتباعه أنْ يتزوّج؛ ثانياً، لم تقدّم الرِّوايَة إيضاحاً عن سبب مغادرة سجاحَ بيت الزوجيّة بُعيد ذلك، كما لم نرَ أية مشاركة لقواتها مع قوات مُسَيْلِمة في محاربة قوات المسلمين؛ ثالثاً، كيف لمُسَيْلِمةَ أنْ يرفع عن سجاحَ صلاتيْن مُحَمَّديتيْن، في حين أنّها وأتباعها لم يقرّوا بالإِسْلام، وبنبوّة مُحَمَّدٍ، والَّذِي رافعهما لم يقرّ بدوره بالإِسْلامِ ولا بنبوّة مُحَمَّدٍ أيضاً.

        إنّ قِصّةَ مسيرة سجاحَ غير منسجمة كليّاً، فالمصادر المولعة بالتفاصيل لا تذكر عدد قواتها، وكلُّ ما فيها يدعو للشك في أنّها جاءت أصلاً لتقاتل من أجل نشر «عقيدتها» أو حَتَّى لتحصل على منافع اقتصاديّة، وإلّا لماذا لم تتجه صوب أَبِي بَكْر؟ تحاول الرِّوايَة أن تقدمَ تفسيراً فتقول إنّها كانت ترغب بذلك لكن مَالك بن نُوَيْرَةَ ردّها عن هدفها هذا، ودفعها نحو بني تميم،[73] لكنّ ذلك لا يفسّر لماذا أحجمت عن مواجهة حركة الإِسْلام فيما بعد، ولماذا لم تشارك مُسَيْلِمَةَ ـ زوجها! ـ في دفاعه، كما أنّها لم تمضِ قدماً من قبل في الصّراع مع بني تميم. ثُمّ كيف لمُسَيْلِمةَ أنْ يقبل مقاسمتها نصف غلاّت الْيَمَامَةِ وهي بدون قوات تستطيع بواسطتها فرض «إرادتها» عليه، وحَتَّى لو كانت تقود جيشاً، فهل كان يمكن أن يكون أكثر عدداً من جيش مُسَيْلِمة، وهل يمكن أن يخشى مُسَيْلِمة منها ومن جيشها المزعوم، وقد كان عدد قواته كبيراً، ومجتمعه مستقراً، ولم يكن مُسَيْلِمة ليطلب منها الصلح بسبب شخص منشق ـ ثمامة بن أثال ـ لا يشكّل عليه أيَّ تهديدٍ، وكان أوّلى به أن يتقي شرَّ المسلمين لا شرَّ نَبِيّة مزعومة قد لا يزيد عدد مرافقيها على بضع عشرات.

إنّ سجاح فشلت في التدخل في شئون بني تميم، الَّذِين كانوا أقل قوةً من بني حنيفةَ، ورأينا كيف استسلموا تِباعاً لجيوش المسلمين؛ فكيف لها أنّ ترعبَ مُسَيْلِمةَ بقوةٍ لا يعتد بها، وبنو حنيفة كانوا قوةً لا يستهان بها أبداً، وسنرى فيما بعد أن المَعْرَكَة الَّتِي أدت لمقتل مُسَيْلِمة كلّفت الحركة الإِسْلاميّة ثمناً باهظاً بالأرواح. وكلُّ ما نستطيع أنْ نفترضه أنّ سجاحَ أرادت تحقيق مكاسب بعينها وحسب دون التورط في صراع دامٍ بين مختلف الأطراف في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وأنّها لم تكن تخطط لمحاربة أَبِي بَكْر، ولا حَتَّى مُسَيْلِمة. ومع ذلك ثمة أسئلة من قبيل: ما هو سبب اختيارها مُسَيْلِمة، وهل يكفي وجود عوامل ثقافيّة مشتركة، وهو سعة انتشار المسيحيّة في بني حنيفة وبني تغلب لتفسير هذا الخيار هل كانت تسعى لعقد تحالف ما لم يذكره المؤرخون ـ ربما بسبب عدم وجود شهود على الاجتماع بينها وبين مُسَيْلِمة ـ. في الحقيقة لا نملك أيّةَ إجابةٍ، وكلُّ ما يمكننا تقديمه هو مجرد فرضيات، قد لا تجد نفيها أو إثباتها أبداً، ويستطيع القارئ أنْ يعملَ خياله ليقدم تفسيراته الخاصة. أما السّر الحقيقيّ فقد بقي مطوياً عند سجاحَ وحسب، ولم يسعَ أحدٌ من الرّواة لنقل رواياتها للأحداث؛ ولعلها آثرت التواري عن الأنظار خوفاً من المسلمين أو شعوراً منها بالعار لتركها مُسَيْلِمة في حال كان ثمة اتفاق بينهما على التناصر، وبذلك بقي أسباب تحركها غامضاً.

إنّ التاريخ الإِسْلاميّ في روايته لما جرى بين مُسَيْلِمة وسجاح لم يتجاهل الانسجامَ الداخليَّ لبناء الرِّوايَات، بل سعى لتشويه صورة مُسَيْلِمة بنسج قصصٍ تشنيعيّة حوله، ورسم صورة كوميديّة له، وهو يقوم بإغراء نبيّته، فرُوي عن لسانه شعراً بعدما تيقن من إثارته شهوة سجاح:

ألا قُومي إلى النَّيْـكِ             فقَد هُيّـي لكِ المَضْجَعْ

و إنْ شئتِ ففي البَيْتِ           و إنْ شئتِ فَفي المَخدَعْ [74]

و تضيف الرِّوايَات تَشْنيعات أخرى، فتروي مثلاً أنّه قيل لمُسَيْلِمةَ: «بَرِّك على مولودي بني حنيفةَ»، فقال: «و ما التبريك؟»، فقِيل له: «كان أهلُ الحِجَاز إذا ولد المولد فيهم أتْوا به مُحَمَّداً فحنَّكه [75] ومسح رأسه»؛ فلم يُؤتَ مُسَيْلِمةُ بصبيّ فحنّكه ومسح رأسه إلّا قرع ولَثِغ واستبان ذلك بعد مقتله.[76]

       

المَعْرَكَة النّهائيّة مع مُسَيْلِمةَ

       

كان أَبُو بَكْر قد أرسل جيشاً إلى مُسَيْلِمة بقيادة عِكْرِمَةَ بن أَبي جهْل، وأتبعه شُرَحْبيلَ بن حَسَنَة، فجرى صدامٌ بين قوات عِكْرِمَةَ، ومُسَيْلِمةَ، منيت فيها قوات المسلمين بهزيمة؛ إلّا أنّ المصادر لا تتحدث عن قوات ضخمة، أو عن مَعْرَكَةٍ كبيرة، ويتضح من ذلك أنّها كانت بالنسبة لأَبِي بَكْر مجردَ محاولةٍ منه لتقدير حجم قوات مُسَيْلِمةَ، ومبلغ استعداداتها الدفاعيّة، ولإشعاره بجدية قرار الحَرْبِ؛ إذ كان أَبُو بَكْر يدرك صعوبة المَعْرَكَةِ مع بني حنيفةَ، وبعد هذه المَعْرَكَة الخاسرة أمر أَبُو بَكْر عِكْرِمَةَ بالمضي نحو عُمان ومَهْرَة من أجل التدخل في صراعٍ داخليٍّ فيهما. وأصدر أمره لشرحبيل بانتظار خالدٍ، لكنّه لم يلبث أنْ خرق تعليمات خليفته، واصطدم بقوات مُسَيْلِمةَ، ومني بدوره بهزيمة.[77] ولعل ما دفع شرحبيل لخوض المَعْرَكَة مع مُسَيْلِمة طمعه بالغنائم.

        كان من الطبيعي أن يكون خَالِد بن الوَليدِ قائدَ القواتِ المتوجهة صوب مُسَيْلِمةَ، وإذا أخذنا السّمَات الواجب توفرها بِمَنْ ينهض لقيادة مواجهة داميّة فلن نجدَ مَنْ هو أفضل مِنْ خَالِد بن الوَليدِ يقوم بهذه المهمة، فشخصيّة خالدٍ الميالة للعنف تحقق الشرط الأساسي لمواجهة قوات متماسكة، ومصرّة على الدفاع عن نفسِها، ولهذا وجّهه أَبُو بَكْر بعد الانتهاء من ابن نُوَيْرَةَ؛ وكانت الأوامر تقضي بعدم الاستهتار بقوة الأعداء، الَّذِين وصفهم الخَلِيْفَة «بأنّهم قومٌ أشداء البأس، أقوياء العزيمة، مختلفون عن جميع مَن قاتل خالد من قبل»، وطلب منه دعوتهم للإِسْلام قبل الدخول في المَعْرَكَة.[78]

وصل خالدٌ الْيَمَامَةَ وكان عليه مواجهة أربعين ألف مقاتل كانوا موزعين في قُرى وأنحاء الْيَمَامَةِ، وهذا رقم مبالغ فيه، وعلينا ألّا نأخذ به، لكن بنفس الوقت لا يجوز التقليل من حجم قوات بني حنيفة؛ وقد انضم لقوات المسلمين ثمامة بن أثال ـ أحد أشراف بني حنيفة وعدو مُسَيْلِمة ـ يقود مجموعة من قومه.[79] ولا يوجد ما يشير إلى عدد هذه المجموعة التقريبي.

 

أسْرُ مَجَّاعةَ

تقول المصادر إنّ مَجَّاعة بن مُرارَة خرج عشيّة وصول خالدٍ في سريّة يطلب ثأراً له في بني عامر، وأثناء عودتهم، وبينا كانوا نياماً داهمتهم سريّة من سرايا المسلمين الَّتِي كانت تجوب المنطقة؛ فوقع بالأسر مع ثلاثة وعشرون رجلاً من بني حنيفة.

إنّ هذا التفصيل الَّذِي يتحدث عن أَسْرِ مَجَّاعةَ يحتاج لتعديل؛ أولاً، لا تشير الرِّوايَات إنْ كان مَجَّاعة قد أخذ بثأره أم لا؛ ثانياً، كان بنو حنيفة يتوجسون خشيّةً من قدوم قوات المسلمين، فكيف لمَجَّاعة أن يترك منطقته طلباً لثأرٍ في حين أنّ خطراً يستدعي مواجهته؛ ولهذا يجب أنْ يكون خروج مَجَّاعة للاستطلاع وعندها وقع في الأسر.

دعا خالدٌ بمَجَّاعة ومَن أُخذ معه، فسألهم عن موقفهم من مُسَيْلِمة، فأجابوه بأنّ من الطبيعي أنْ يكون لبني حنيفةَ نَبِيّ، مثلما لقريش نَبِيّ، فقتل جميع الأسرى إلّا مَجَّاعةَ، ويُقال إنّه استثنى رجلاً من القتل يٌقال له سارية بن عامر لم يقرّ بنبوّة مُسَيْلِمةَ. ومن المرجح أنّ خالداً لم يسأل المجموعة عن حقيقة إيمانها وهذا ما يدل عليه قول مَجَّاعة لخالدٍ: «رأيتك عجلت على هؤلاء القوم بالقتل، وأنا خائف على نفسي»، وكان سبب إبقاء خالدٍ على مَجَّاعة، وعدم قتله هو جعله رهينةً لموقعه في قومه كما يخبرنا الطبري،[80] فأمر بتكبيله، ودفعه إلى أم تميم امرأته ـ زوج مالكٍ المقتولِ.

 

مَعْرَكَة حديقة الموت [81](أو عَقْرَباءَ)

عسكر مُسَيْلِمة بقواته في منطقة عَقْرَبَاءَ استعداداً لمواجهة قوات المسلمين، فجرى الاقتتال بين الطرفيْن فيها في ربيع الأول، 12 ﻫ/ أيار (مايو) ـ حزيران (يونيو) 633 م مع ملاحظة أنّ هناك خلافاً في تاريخ المَعْرَكَة، فمنهم من يقول إنّها جرت سنة 11 ﻫ، ومنهم في 12 ﻫ، أو إنّها بدأت نهاية سنة 11 ﻫ، وانتهت مطلع 12 ﻫ.[82]

في اليوم الأوّل للمعْرَكَةِ اقتتل الجيشان قتالاً شديداً، بين كرٍّ وفرٍّ، أما في اليوم الثاني لها فقد كثّف بنو حنيفةَ هجومهم، مما أجبر المسلمين على التراجع، وترك معسكرهم بما يحتويه من مضارب، وآلات، ودواب، وغيرها.[83] وفرّ خالد من فُسْطاطه،[84] فدخله مقاتلو بني حنيفة، وفيه مَجَّاعة ـ الأسير ـ عند أم تميم، فكاد رجلٌ من المقاتلين أنْ يقتلها لولا أنّ مَجَّاعةَ أعلن حمايته لها، وأضاف بأنّ على المقاتلين أن يقاتلوا الرجال.

هذا الهجوم الكاسح لبني حنيفة لم يحسم المَعْرَكَةَ، الَّتِي بقيت سِجَالاً مرة على المسلمين ومرة على الحنفيين، مما دفع خالداً للطلب من مقاتليه التمايز، فامتاز الحضريون عن البدويّين، والأرجح حسب رواية أخرى أنّ التمايز تمّ بمبادرة من المقاتلين أنفسهم بعد أن جَبَّن المهاجرون والأنصار البدو، وجَبَّنهم الأعراب.[85]

بيد أنّ خالداً لاحظ تكافؤ القوتين، فحاول أن يسلك درب الدبلوماسيّة في المَعْرَكَة، فدعا مُسَيْلِمةَ لحوارٍ، لا يوجد شيئاً عن مضمونه إلا هذه الجملة: «فعرض عليه ـ أيْ علي مُسَيْلِمةَ ـ أشياءَ مما يشتهي مُسَيْلِمة، ورفض مُسَيْلِمةُ هذا العرضَ»؛[86] أو عرض «عليه النصف والرجوع إلى الحقِّ»، نصف ماذا؟ ومتى بالضبط كان العرض؟ لعله كان قبل المَعْرَكَة، لا يوجد تفصيل الحوار. على أيّ حالٍ توصّل خالدٌ إلى قناعة بأنّ المَعْرَكَة لن تنتهي إلا بقتل مُسَيْلِمةَ.

في النهاية مالت كفة الميزان لصالح المسلمين، فحذّر مُحَكّم بن الطُّفيل، والَّذِي كان يلقب بمُحَكّم الْيَمَامَةِ قومه من الاستسلام، وطالبهم بالتفاني في القتال خوفاً على نسائهم من السبي. ثمّ اضطر مُسَيْلِمةَ للجوء مع قواته إلى حديقة ـ سُميت حديقة الموت فيما بعد ـ. وقد أظهر الأنصار إقداماً عالياً، عندما تقدم عبّاد بن بشير الأنصاريّ إلى باب الحديقة، وطلب من الأنصار تحطيم أغماد السيوف، واقتحام الحديقة، وقد فعلوا ذلك، واقتحموا وهم مئة وعشرون رجلاً، فقاتلوا ولم يبقَ منهم على قيد الحياة إلّا أربعة مقاتلين.[87] وقد تمكّن المسلمون من اقتحام الحديقة. وهناك قُتل مُسَيْلِمةُ على يدِ وَحْشيٍّ، ورجلٍ من الأنصار؛ فأمّا وَحْشيّ فطعنه بحربته، وأمّا الأنصاريُّ فضربه بسيفه، وقد علّق وَحْشيّ لاحقاً: «ربّك أعلم أيّنا قتله!». لما عرف مقاتلو بني حنيفة بمقتل نَبِيّهم، تراجعوا وبهذا انتهت المَعْرَكَة بهزيمتهم.[88]

كانت نتائج المَعْرَكَةِ فاجعةً، حيث بلغ قتلى المسلمين (1200) رجلٍ، وكان قتلى بني حنيفة سبعة آلاف.[89] ويُقال إنّ قتلى بني حنيفة بلغوا سبعة آلاف في الميدان، وسبعة آلاف في حديقة الموت، وسبعة آلاف أخرى عندما تعقبتهم قوات المسلمين،[90] وعلينا أنّ لا نقبل هذا الرقم على عِلاَّتِه بسبب من ولع الرواة الإسلاميين بالرقم سبعة؛ ثم إنّ المَعْرَكَة كان سجالاً، وكان القتال متكافئاً بشكلٍ كبيرٍ، وتغيّر اتجاه المَعْرَكَة في مرحلتها الأخيرة لا يسمح بتقبل هذا الرّقم، ولنفرض بأنّ قتلى بني حنيفة ضعف قتلى المسلمين؛ فيجب ألا يزيد عدد قتلاهم على (2400) رجلٍ.

مما لاشك فيه أنّ القوات الَّتِي دخلت إلى الحديقة قد انسحبت بعد مقتل مُسَيْلِمة، ولا يمكن أن تكون قد بقيت مُحَاصَرة إلى النّهاية وإلّا لشهدنا مجزرة رهيبة من كلى الجانَبيْن. فكيف لمقاتلٍ حُصِرَ في مكانٍ وهو يعرف أنّ الموت سيتخطّفه أنْ يقف مكتوف اليدين ينتظره؟ إنّ أيَّ مقاتلٍ وُضع في هذه الوَضْعية سيتحول إلى ذئبٍ مفترسٍ، ولم يكن خالدٌ ليضع مقاتليه أمام محنة مواجهة ذئاب لا أمل لها بالحياة إلا بالإسْتذْآبِ عليهم. إنّ أبسط أبجدية علم الحَرْب تقول: «إذا طوقت جيشاً، فاترك له مخرجاً، ولا تضغط على العدوِ اليائس بقسوةٍ مفرطةٍ»؛[91] فعلى القائد الميداني ألّا يضع مقاتليْ العدو بين خياريْن: الموت، أو القتال المستميت للنجاة.

مهما يكن من أمر فإنّ عدد القتلى كان كبيراً بالنسبة للمسلمين، ولغير المسلمين قياساً بعدد سكان الجزيرة العَرَبِيّة وقتها، ولهذا لما بلغ المدينة أرقامُ القتلى قامت النائحات فيها عليهم، وارتفعت أصوات تطالب بقتل جماعي لبني حنيفةَ، وقيل إنّ رسائل بهذا المعنى أُرسلت إلى خالدٍ.[92]

       

الاستسلام لخالد

       

تقول الرِّوايَات إنّه بعد مقتل مُسَيْلِمة طلب خالدٌ من مَجَّاعةَ التعرّف على مُسَيْلِمةَ، وبعد أنْ دلّه عليه اقترح على خالدٍ عقد اتفاق مصالحة بينهما، وقال له إنّه لم يواجه كلَّ جنودِ بني حنيفةَ، ونتيجة لمهارة مَجَّاعة التفاوضية الَّذِي أوْهَمَ خالداً بأنّ في الحصون مقاتلين آخرين، عندما قام بصف النساء على حيطان الحصون، وألبسهنّ السلاح، قبل خالد مصالحته ممثلاً عن قومه. وكان شروط الصلح: على الذّهَب، والفِضّة، والسّلاح، ونصف السبّي، وقيل ربعه ونصف الذّهَب والفِضّة، وحائط (بستان) من كلّ قرية؛ ومزرعة، على أن يُسْلموا.[93]، وطلب من بني حَنِيفةَ إعلان بَيْعة البَراءة أمامه جماعيّاً ممَّا كانوا عليه. ثُمّ عَلَمَ خالدٌ بالخدعة، فاستدعى مَجَّاعة، وسأله عن ذلك؛ فبرّر خداعه بقوله: «إنّهم أهلي وعشيرتي، وخشيت عليهم الفناء، وأرجو أنْ يكونوا بعد هذا اليوم أعواناً لك على من ناوأك». فخطب خالدٌ إلى مَجَّاعة ابنته، والَّذِي سيوافق على مضض. وما هي إلا قليلاً حَتَّى يصل كتابٌ من أَبِي بَكْر إلى خالدٍ، يأمره بقتل كل محتلم من بني حنيفة في حال حقق النّصْر عليهم، لكنّ وصول الكتاب كان بعد إبرام الصلح، فلم ينقضه خالدٌ.[94]

هذا ما ترويه المصادر في تناقضٍ جليٍّ مع واقعة اقتحام فسطاط خالد، فلم يكن الأسير ليبقى في مَأْسَرِه بعدما جاءت فرصة حريته، ورَأْينا أنّ مَجَّاعة جاء خالداً ممثلاً عن قومه بعد أنْ هدأ غبار المَعْرَكَة من أجل التفاوض على شروط ملائمة للصلح. وربّما تقديراً من بني حنيفةَ إلى أن مَجَّاعة قد خبر عن قرب عقليّة القائد. ومن جهة ثانية إذا افترضنا صحة كتاب أَبِي بَكْر، فالمؤكد أنّ ما منع خالداً من نقض الصلح، أو ممارسة عنفه المعتاد مع مَجَّاعةَ الَّذِي «خدعه» حسب المصادر التاريخيّة هو إدراكه أنّ قوات المسلمين قد أنهكتها الحَرْب، وطالت غيبة المقاتلين عن ديارهم، مما أضعف من روحهم المعنويّة، لا سيّما أنّ هذا الاتفاقَ منحهم متعة النّصْر، وهم لهذا يرغبون بالرجوع منتصرين، وليس النّصْر بمؤكد في حال تجدد القتال.[95] ثُمّ إنّ المسلمين لم يتمكنوا من إبادة مقاتلي بني حنيفة، وهذا يعنى أنّ المواجهة ستكون داميةً جداً إذا استهدف خالد إبادة المقاتلين، لأن الأربعين ألف مقاتل الَّتِي تتحدث عنهم الرِّوايَات كانوا موزعين في أرضي بني حنيفةَ، ولم يشتركوا كلهم في مَعْرَكَة عَقْرَبَاءَ. وثَمّة سبب آخر وهو أنّ القتال كان في أرض العدو، والاستمرار به يتطلب توفير إمدادات لوجستيكيّة للمقاتلين، ناهيك عن أنّ خوض حرب طويلة الأمد يتطلب استبدال دائم للمقاتلين؛ وعلى أساس هذه الاعتبارات فإنّنا نعتقد أنّ خدعةَ مَجَّاعة رواية مصنوعة للتقليل من شأن خَالِد بن الوَليدِ الَّذِي لن يستسيغ طعم الخداع من قوي، دعْ عنك أن يخدع من عدو مهزوم.

أما إنْ يكون زواجه من بنت مَجَّاعة قد منعه من نقض الاتفاق كما ألمح الأنصار بشكلٍ مبطن؛ فإنّ ذلك عامل ثانويّ لا يمكن أنْ نعتبره مؤثراً على منتصرٍ، لا يتورع على قتل ابن نُوَيْرَةَ، من أجل الفوز بزوج المقتول. وبالعكس سبب هذا الزواج مشاكل لخالد، حيث كان يحتفي بأعمام هذه المرأة، ويقضي حوائجهم، فغضب لذلك المسلمون، وقد عبّر حسانُ بن ثابت عن هذا الامتعاض بقوله:

أتَرْضَى بأنّا لا تَجِفُ دماؤُنَـا              و هذا عَرُوسٌ بالْيَمَامَـَةِ خَالـِدُ

يَبِيت يُناغي عرْسَهِ في فِراشِهِ            و هامٌ لَنَا مَطْرُوحَةٌ وسَوَاعـِدُ

إذا نحن جئنَا صدَّ عنَّا بوجْهِهِ            و تُثْنَى لأعْمَامِ العَرُوسِ الوسائدُ [96]

كما أنّه تلقى نقداً حاداً من أَبِي بَكْر، الَّذِي أغضبه هذا الزّواج، وقد سأل عُمَرَ بنَ الخطّابِ عن رأيه، فأجابه عُمَرُ: «إنّا واللَّه لا يزال يأتينا من خالدٍ في كلّ حين ما تضيق به الصدور»؛ فكتب الخَلِيْفَة إليه: «لعَمرِي يا ابنَ أمّ خالد، إنك لفارغ تنكح النّساءَ، وبفناء بيتك دَمُ ألف ومئتا رجل من المسلمين لم يجْفف بعد!»، وكتب له ـ حسب نص الواقدي ـ بأنّ فعله يشابه فعلته بمَالك بن نُوَيْرَةَ. ولم يزد الخَلِيْفَة على تعنيفه، ويبدو أنّ الخَلِيْفَة أراد أن يسكّن من ثائرة الثائرين، فلمّا نظر خالد في الكتاب، قال: «هذا عمل الأعَيْسر ـ يعني عمر بن الخطّاب، وكان أعسر: أي يعمل بشماله»؛[97] وبالرَّغْمِ مِنْ كل ذلك فلن يتخلى خالدٌ عن متعته في التزوج في ساحات الوغى، فبعد مَعْرَكَة دُومَة الجَنْدَل (12 ﻫ) اشترى ابنة الجوديّ بن ربيعة ـ أحد زعماء دُومةَ ـ وكانت جميلة ليتزوجها في الميدان.[98]

       

السيطرة على البَحْرَيْنِ

       

كانت البَحْرَيْنُ تخضع للنفوذ الفارسيّ، وكان فيها قبائل عَرَبِيّة مقيمة في باديتها من عبد القيس، وبكر بن وائل، وتميمٍ، إضافةً لجماعة من التّجار الَّذِي قدموا من الهند وفارس، وقد تَزَاوَجَ هؤلاء مع أهالي المنطقة فصار أبناؤهم يُسمّون الأبناء. وكان المنذر بن ساوى العبديّ زعيم العرب باسم الفرس.

في السنة الثّامنة هجريّة بعث مُحَمَّدٌ العَلاَءَ بن الحَضْرَميّ إلى المنذر بن ساوى، وإلى سيبخت مَرْزُبان هَجَر [99] من أجل دعوتهما للإِسْلام كما تقول المصادر التاريخيّة، فوافق المنذرُ على الإقرار بالإِسْلام، فأقام العلاءُ بالبَحْرَيْن أميراً لِمُحَمَّدٍ من أجل جمع مال الزّكاةِ، لكن سَرْعُان ما عزله مُحَمَّد بسبب شكوى بحقه فبعث أبان بن سعد عاملاً عليها. ثُمّ إنّ المنذرَ مات بُعيد رحيلِ مُحَمَّدٍ، فأدت وفاته في البَحْرَيْنِ إلى حركة رفض العلاقة مع الحركة الإِسْلاميّة؛ وعندها طلب أَبُو بَكْر من العلاءِ الذهاب مرة أخرى.[100]

لا نعرف الكثير عن الوَضْع في البَحْرَيْن آنذاك، لكنّه من الواضح أنَّ القبائل العَرَبِيّة فيها كانت تشعر بثقل وجود الفرس في بلادهم، وهذا ما دفع المنذر لإقامة علاقة مع حركة جديدة، وربّما كان في ذهنه السّيطرة كليّاً على البلاد مستعيناً بدعم مُحَمَّدٍ، في حين أنّ المصادر نفسها لا تحدثنا عن نجاح العلاءِ في إقامة علاقة مع مرزبان هَجَر، ومن هنا نجد أنّ المصالح المتنافرة بين الفرس والعرب في البَحْرَيْن مكّنت الحركة الإِسْلاميّة من التغلغل في المنطقة مع ملاحظة أنّ القبائل العَرَبِيّة لم تكن تشترك في مصلحة واحدة، وعلى أساس هذه الاعتبارات فإنّنا لا نستطيع قبول أنْ يكون المنذر قد أعلن إِسْلامه، إذ دأب المؤرخون الإِسْلاميّون على اعتبار كلَّ من أقام علاقةِ تحالفٍ أو أنشأ اتصالاً مع مُحَمَّدٍ مؤمناً برسالته، وفي الواقع تكشف لنا حروب الرَّدة أنّ العلاقة الَّتِي كان يقيمها زعماء القبائل مع مُحَمَّدٍ كانت مدفوعةً بهواجس داخليّة، وأنّ الَّذِين ناوئوا الإِسْلام في كلِّ مجتمعٍ إنّما ناوئوا خصومهم في إطار الصّراع الداخليّ، فظهر وكأنّ الصّراعَ صراعٌ بين المسلمين والوثنيين في صفوف القبائل.

في حالة البَحْرَيْنِ نلاحظ أنّ الجارود بن المُعَلَّى استطاع إقناع عبد القيس بإعلان الولاء لحركة الإِسْلام بعد وفاة المنذرِ، في حين أنّ بكرَ بن وائل حافظت على موقفها الرّافض للخضوع للإِسْلام. ويعود سبب الموقف المتباين من الإِسْلام إلى أنّ عداءً مستحكماً بين بكر بن وائل، وعبد القيس لعب دوراً في دفع البكريين لتبني موقفهم المعادي للإِسْلام؛ إذ لما قررت قبائل عبد القيس البقاء على ولائها للإِسْلام، قابلت بكرُ بن وائل هذا الموقف بنقيضه، وقررت البحث عن شرعيّة دَوْلَتية لهم، فتوصلوا إلى قرارٍ يقضي بإرجاع الملك إلى آل النعمان بن المنذر؛ ولهذا قاموا بدعوة المنذر بن النعمان ـ الملقب بالغَرور ـ لتسلم الملك.[101]

أمّا لماذا اختارت عبد القيس مناصرة الإِسْلام، وبنو بكر معاداته فلا نستطيع إلّا أنّ نقدم فرضيةً، وهي إنّ القيسيين كانوا أضعف من نواحٍ اقتصاديّةٍ، وكانوا مهمشين في تلك البلاد؛ ولهذا كانوا يرغبون بتغيير اللوحة السيا ـ اقتصاديّة، فاضطروا للمراهنة على تلقي دعمٍ من القوة الجديدة، في حين كان البكريون على علاقة جيدة بالفرس ونوابهم في البلاد ويملكون وَضْعيّة اقتصاديّة أفضل تستدعي منهم الحفاظ على ما هو قائم؛ ولهذا فقد طلبوا من فارس الدعم، والَّتِي كانت على ما يبدو تستضيف المنذرَ، فزوّدتهم بمئة من الخيل، وسبعة آلاف مقاتلٍ بين فارس وراجل.[102]

نشبت المَعْرَكَة بين بني بكر، وبني عبد القيس، الَّذِين حاربوا تحت قيادة الجارود بن المعلّى في أربعة آلاف من عبد القيس وأحلافهم، بينا كانت قوات بني بكر بن وائل بقيادة الحُطم ـ شريح بن ضُبَيعة ـ، ومؤلفة من تسعة آلاف من الفرس، وثلاثة آلاف من العرب، فحاقت الهزيمة بعبد القيس، فأُجبروا على اللجوء لحصن لهم بمنطقة هَجَرَ يُقال له جُواثاء؛[103] فضربت بنو بكر حصاراً شديداً عليهم، ومنعوا عنهم الطعام.

لمّا بلغت أَبَا بَكْر الأخبار هبّ لنجدة عبد القيس، فبعث العَلاَءَ بن الحَضْرَميّ لمساندتهم مع ألفيْ مقاتلٍ من المهاجرين والأنصار، وطلب منه أنْ يستنهض كلَّ قبيلةٍ يمر بها أثناء مسيره.[104] ولعلّ ما دفع أَبَا بَكْر لاختيار العلاء، كونه كان في البَحْرَيْن، ومن المفترض أنّه فهم طبيعة مجتمعات المنطقة، وإطّلع على ماهيّة العلاقة السِّيَاسِيّة بين القبيلتيْن المتصارعتيْن.

في طريقه نحو البَحْرَيْنِ، ولما بلغَ الْيَمَامَةَ، التقى بثُمامة بن أثال الحنفي ـ حليف المسلمين؛ فطلب منه المناصرة، لكنّ ثُمامة لم يقدم التزاماً قبل أنْ يستشير قومه، الَّذِين خرجوا لتوهم من حرب طاحنة مع قوات خالد؛ وعندما دعا ثمامة قومه للمشاركة في مهمة العلاء، رفضوا ذلك بسبب الخسائر الجسيمة الَّتِي لحقت بهم في الأرواح، والأموال أثناء محاربة قوات خالد؛ ولهذا سار ثمامة مع العَلاَءِ بن الحَضْرَميّ في مجموعة صغيرة من بني عمه وحسب، وفقط قدم بنو سعد ـ من بطون تميم ـ القرى، والإنزال، والعلف. ورافق العلاء أشراف بني سعد حَتَّى تخوم مناطق بني تميم.[105]

وصلت قوات العلاء إلى البَحْرَيْن، وتمكّنت من فك الحصار، بعدما شنّت هجوماً ليليّاً مفاجئاً، مما جعل البكريين، الَّذِي كانوا يضربون الحصار على القيسيين بين فكي كماشة؛ وبعد ذلك انضمت عبد القيس لقوات العلاءِ فصار عددهم أكثر من ستة آلاف مقاتل. وعلى إثْر ذلك انسحبت قوات الفرس وبني بكر إلى موضع يُقال له الرّدْم، بينما تابعت القوات الإِسْلاميّة المسير إلى دَارِين ـ ميناء في البَحْرَيْن ـ، وهناك قتلوا جميع الذكور البالغين، واستولوا على جميع ما فيها من النّساءِ، والذريّة، والأموال.[106]

اتجه العلاءُ بعد ذلك إلى الرّدْم حيث تمركزت قوات الأعداء المنسحبة، وهناك حقق نصراً آخر عليهم مما دفع بتلك القوات للتشتت، فانسحبت بنو بكر باتجاه الصحراء، ولجأ المنذر بن النعمان إلى آل جفنة بالشّام ومنهم من يقول إنّه قُتل، أو التحق بمُسَيْلِمةَ، والقول الأخير غيرُ ممكنٍ لأنّ مُسَيْلِمةَ كان قد قُتل من قبل في مَعْرَكَة عَقْرَبَاءَ، أما الفرس، فمنهم من رجع إلى فارس، ومنهم من استأمن إلى العلاءِ، ومنهم من لجأ إلى المناطق الَّتِي لم يشملها نفوذ الإِسْلام، ثُمّ إنّ العلاء بقى أميراً على البَحْرَيْن. لكن المسلمين لن يتمكّنوا من السيطرة على كامل البَحْرَيْن إلا في عهد عُمَرَ بن الخطّابِ، إذ ستبقى مناطق منها عصيةً على الفتح[107] حَتَّى خلافة عمرَ.[108]

عندنا رواية ثانية جاءت عند الطبري، وبالطبع عند ابن الأثير الَّذِي أخذ كثيراً منه، وتقول هذه الرِّوايَة إنّ قوات العَلاَءِ بن الحَضْرَميّ وصلت إلى هَجَر، فنزلها العلاءُ، ثُمّ اجتمع إليه المسلمون، واحتشد أعداء الإِسْلام بقيادة الحُطم، وهناك خندق الطرفان، وكانا يتراوحان القتال ويرجعان إلى خندقيهما، وبقيا على هذه الحالة شهراً، ثم قام المسلمون فجاءةً بشنّ هجومٍ حاسمٍ، مستغلين حالة سمر وسكر كانت تعم مقاتلي العدو. في الواقع تتسم هذه الرِّوايَة باللامعقولية، وهذا سمَة تفاصيل الاستيلاء على البَحْرَيْنِ، والمليئة بالغموض، والأساطير عند الطبري، ولهذا أخذنا رواية الواقدي كروايةٍ دقيقةٍ، ومتماسكة في بنائها، والجدير بالذكر أنّ بقية الرِّوايَة عند الطبري تتابع النسج الأسطوريّ، فتقول إنّ العلاءَ تحرك نحو دَارِين لملاحقة الفلاّل، ولما واجهه البحر، قام العلاء باجتيازه مع قواته كما لو كان على أرض يابسة.[109]

آن الأوان لنرى ما جرى في المناطق الأخرى في الجَزِيْرة العَرَبِيّة. وكانت ساحات سهلة بالنسبة للجيوش الإِسْلاميّة الَّتِي تمرّست في ساحات أشد ضراوةً، وما هي إلّا يسيراً حَتَّى تتمكن الحركة الإِسْلاميّة من بسط نفوذها عليها، والفضل الرئيس يعود إلى الصّراعات الداخليّة فيها.

 


[1]الحجرات: 14.

[2]مسند أحمد: 8481، 9306، 17876؛ لسان العرب،بدا.

[3]سنن ابن ماجه، (م ح ش): 2358، 3126؛ لسان العرب، بدا.

[4]القوم اللَّقاح: القوم الَّذِين لا يخضعون للسُلْطة بحكم ضعف التطور الاجتماسيّ وغياب مؤسَّسات الدَّوْلَة، وجذر الكلمة يعود للكلمة السّريانيّة لَقْحو ( )، والَّتِي تعني ما وراء المدينة. ولمزيد من النقاش حول هذه النقطة يمكن الرجوع لدراسة المفكر الراحل هادي العلوي «حول اللّقاحيّة» المنشورة في كتابه «فصول من تاريخ الإِسْلامِ السِّيَاسِيِّ»، وكذلك لدراسته المُعنونة «من اللَّقاحيّة إلى الشورى»، والمنشورة في كتابه «محطات في التّاريخ والتراث».

[5]الكامل: 2/ 344.

[6]تاريخ الطبري: 2/ 262؛ الكامل: 2/ 343.

[7]كتابُ الرَّدة، 99 ـ 100.

[8]كتابُ الرَّدة، 101، 103، 108.

[9]وات، 134.

[10]تاريخ الطبري: 2/ 260؛ الكامل: 2/ 346ـ 347؛ البداية والنّهايَة.

[11]كتابُ الرَّدة،126 ـ 128، 130 ـ 131؛ الكامل: 2/ 347.

[12]لَهِجَ بالأمر لهَجَاً، ولهْوَج، وألهَجَ: أولع به واعتاده.

[13]كتابُ الرَّدة، 134.

[14]كتابُ الرَّدة، 136.

[15]تملك الأعداد دلالات رمزية، وقيماً سحريّة في الأحلام والأساطير، والأدب الشعبي، والعدد سبعة هو الأكثر حضوراً في الأساطير الإِسْلامية، وقد مرّ معنا إنّ سبعين رجلاً حضر اجتماع العقبة الثانية، وإنّ أبا بكر أعتق سبعة رجالٍ، وإنّ المسلمين أسروا سبعين قرشيّاً في معركة بدر، وفي هذا القسم كان أتباع العَنْسيّ يبلغون سبعمئة مقاتلٍ، وقد أُلقي القبض على سبعين مقاتلاً منهم غداة مقتل العَنْسيّ. أما في القرآن فثمة سبع سمواتٍ (المؤمنون، 17؛ فصّلت، 12، الطلاق، 12، الملك، 3؛ نوح، 15). وسيتكرر هذا الرقم مراراً.

[16]الفصيل: ولد الناقة أو البقرة إذا ما فُطم وفصل عن أمه، وهذا لقب استخفاف واستهزاء بأَبِي بَكْر، لأن البكر هو الفصيل، وقد ردّ حسان على ذلك، د حسان (1/ 334).

[17]كتابُ الرَّدة، 136، 140 ـ 141، 144 ـ 146، 152؛ الطبري: 2/ 263 ـ 264؛ الكامل: 2/ 347 ـ 348؛ أُسد الغابة: 2/ 485.

[18]تاريخ الطبري: 2/ 264؛ كتابُ الرَّدة/ 153 ـ 154، 156؛ الكامل: 2/ 348؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 70 ـ 71.

[19]الكامل: 2/ 350.

[20]الطبري: 2/ 265؛ الكامل: 2/ 349 ـ 350.

[21]سلمة، ابن كثير.

[22]الكامل: 2/ 350؛ خلدون، م 2، ج 2/ 72؛ البداية والنّهايَة.

[23]ابن سعد: 2/ 90.

[24]الصّدّيق، 124 ـ 125.

[25]كتابُ الرَّدة، 106، 108.

[26]الكامل: 2/ 353.

[27]الكامل: 2/ 354.

[28]كتابُ الرَّدة، 170؛ فُتُوح البُلدَان، 108؛ الصّدّيق، 128.

[29]البداية والنّهايَة.

[30]وات، 211 ـ 212.

[31]تاريخ الطبري: 2/ 268 ـ 269؛ الكامل: 2/ 354 ـ 355؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 72.

[32]Sun Tzu, op.cit., (X , 23).

[33]كتابُ الرَّدة، 157؛ الكامل: 2/ 346، 357 ـ 358.

[34]تاريخ الطبري: 2/ 272؛ الكامل: 2/ 354، 357؛ كتابُ الرَّدة، 158.

[35]كتابُ الرَّدة، 160؛ تاريخ الطبري: 2/ 272 ـ 273.

[36]كتابُ الرَّدة، 161 ـ 163.

[37]الدّرُ: اللبَن، الرائد.

[38]البداية والنّهايَة.

[39]الكامل: 2/ 358؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 73 ـ 74.

[40]الشيخان، 72.

[41]تاريخ الطبري: 2/ 273؛ كتابُ الرَّدة، 162 ـ 163؛ الكامل: 2/ 358.

[42]العَقْدُ الاجتماعيّ، 39.

[43]الشيخان، 71.

[44]الطبري: 2/ 274؛ الكامل: 2/ 359.

[45]الرَهَق: غِشْيان المحارم من شرب الخمر ونحوه، وفيه رَهق أي حدة، وخِفّة.

[46]تاريخ الطبري: 2/ 273؛ الكامل: 2/ 359؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 74.

[47]تاريخ الخلفاء، 111.

[48]ابن سعد: 7/ 396؛ والحَضائِر ج الحُضيْرة، وهي موضع التمر.

[49]تاريخ الطبري: 2/ 315.

[50]الكامل: 2/ 426.

[51]الكامل: 2/ 361.

[52]ثُمامة بن كبير بن حبيب عند البلاذري.

[53]الفرقان: 60، تفسير القرطبي، والطبري، والبغوي، البيضاوي؛ وات، 203؛ كليموفيتش، 17.

[54]تاريخ الطبري: 2/ 270؛ الكامل: 2/ 355.

[55]بروكلمان، 85.

[56]كليموفيتش، 40.

[57]كليموفيتش، 18.

[58]قُرَيْشٌ: من القبيلة، 104، 193.

[59]شوفاني، 114.

[60]الفرقان: 60.

[61]العَسيْب: قضيب من النخل نزع عنه ورقه، والسّعَف: أغصان النخل، الرائد.

[62]تاريخ الطبري: 2/ 199؛ الكامل: 2/ 298؛ ابن سعد: 1/ 317.

[63]فُتُوح البُلدَان، 97.

[64]ابن هشام: 2/ 600 ـ 601؛ تاريخ الطبري: 2/ 203 ـ 204؛ الكامل: 2/ 300.

[65]عيون الأثر: 2/ 338.

[66]كتابُ الرَّدة، 164 ـ 165.

[67]الأمير، 82.

[68]شوفاني، 94.

[69]تاريخ الطبري: 2/ 270؛ الكامل: 2/ 355؛ تاريخ خلدون، م 2، ج 2/ 73؛ البداية والنّهايَة.

[70]بينما يخبرنا الواقدي أنّ سجاحَ هي الَّتِي عرضت على مُسَيْلِمة الزواج.

[71]كتابُ الرَّدة/ 170 ـ 171؛ تاريخ الطبري: 2/ 270 ـ 271.

[72]الكامل: 2/ 357؛ تاريخ الطبري: 2/ 271؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 2/ 73.

[73]الكامل: 2/ 354.

[74]تاريخ الطبري: 2/ 271؛ الكامل: 2/ 356. وتروى هذه الأبيات بألفاظ مختلفة في المصادر؛ مثلاً: كتابُ الرَّدة، ص 172. ونعتذر للقارئ على إيراد هذا الشاهد؛ لوجود مفردة في البيت الأول لها وقعٌ خشنٌ جداً على الأذن المعاصرة؛ وكدنا نحذف هذا الشاهد.

[75]حَنّكَ الولدّ: دلك حنكه على أثر ولادته، الرائد.

[76]تاريخ الطبري: 2/ 277.

[77]الكامل: 2/ 360 ـ 361.

[78]كتابُ الرَّدة، 173.

[79]كتابُ الرَّدة، 180 ـ 181.

[80]كتابُ الرَّدة، 182 ـ 183؛ تاريخ الطبري: 2/ 278؛ الكامل: 2/ 362.

[81]الحديقة: بستان ذو شجر يحيط به حاجز.

[82]البداية والنّهايَة؛ الكامل: 2/ 362؛ شوفاني، 16.

[83]كتابُ الرَّدة، 192، 196.

[84]الفُسطاط: البيت من شعر.

[85]تاريخ الطبري: 2/ 281؛ الكامل: 2/ 363؛ البداية والنّهايَة.

[86]الكامل: 2/ 364.

[87]كتابُ الرَّدة، 204.

[88]تاريخ الطبري: 2/ 279 ـ 280؛ كتابُ الرَّدة، 206؛ الكامل: 2/ 365. والجدير بالذكر أنّ قتل مُسَيْلِمةَ نُسب إلى: خِدَاشُ بن بُشَيْر (من بني عامر)، وعبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة (الخزرج)، وأبي دجانة، وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم (بني النجار)، ووَحْشيّ، وحَتَّى إلى مُعَاوِيَة بن أبي سفيان حسب الرِّوايَات الأموية (فُتُوح البُلدَان، 98 ـ 99)، وفي الرِّوايَات رجل من الأنصار دون تحديد له، وهذا في إطار التنافس بين الرّواة من جهة؛ وربما بسبب أنّ القاتلَ هو وَحْشيٌّ، بما يحمله من ذكرى مؤلمة للتاريخ الإِسْلاميّ.

[89]تاريخ الطبري: 2/ 383.

[90]الصّدّيق، 155.

[91]Sun Tzu, op.cit., (VII , 36).

[92]كتابُ الرَّدة، 213.

[93]تاريخ الطبري: 2/ 283؛ الكامل: 2/ 365؛ فُتُوح البُلدَان، 100.

[94]كتابُ الرَّدة، 215؛ تاريخ الطبري: 2/ 284.

[95]الكامل: 2/ 365؛ البداية والنّهايَة.

[96]كتابُ الرَّدة، 219 ـ 220؛ د حسان: 1/ 459. يناغي: يغازل، هام: ج هامة، وهي وسط الرأس، وفي د حسان،«و تُلْقى لأَعمامِ العَروسِ الوسائد».

[97]تاريخ الطبري: 2/ 284؛ كتابُ الرَّدة، 221 ـ 222؛ شرح نهج: 1/ 60؛ الصّدّيق، 140 ـ 141.

[98]تاريخ الطبري: 2/ 325؛ رضا: 137.

[99]المَرْزُبان: عند الفرس الرئيس.

[100]ابن سعد: 4/ 360 ـ 361؛ فُتُوح البُلدَان، 89، 92؛ البداية والنّهايَة؛ الصّدّيق، 161.

[101]تاريخ الطبري: 2/ 286؛ كتابُ الرَّدة، 224؛ الكامل: 2/ 368، فُتُوح البُلدَان، 94.

[102]كتابُ الرَّدة، 224 ـ 225. نحن نشكك بدقة رقم جنود الدعم، وعلى الأقلّ بسبب رقم سبعة.

[103]تُكتب الكلمة بصيغ مختلفة: جُواثا، جؤاثى.

[104]كتابُ الرَّدة، 230 ـ 232، 234 ـ 235؛ ابن سعد: 4/ 361؛ الكامل: 2/ 368.

[105]كتابُ الرَّدة، 236، 239، 240.

[106]كتابُ الرَّدة، 244 ـ 246.

[107]السابور، دَارِين، الزارة.

[108]كتابُ الرَّدة، 248 ـ 251؛ فُتُوح البُلدَان، 95؛ معجم البلدان، البَحْرَيْن.

[109]تاريخ الطبري: 2/ 290 ـ 291؛ الكامل: 2/ 370 ـ 371.

رابط ذات صلة:

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج6

http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/2175-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%90%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A9%D9%8E-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%8E%D8%AF%D8%A9%D9%8E-%D8%AC6.html

 

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته