كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ج4

2 ـ قُرشيّة أَبِي بَكْر

       

رأينا كيف إنّ أَبَا بَكْر، وعُمرَ حاجّا بأنّ قُرشيّة المرشح هي شرط أساسيّ لقبول العرب به، فهل السبب في أنّ مُحَمَّداً قُرشيٌّ، أو لأنّ قُرَيْشاً كانت تتمتع بنفوذٍ كبيرٍ في الحِجاز؛ في هذا الجزء سنحاول تقديم الإجابة على السّؤال التّالي:«مَنْ أسبغ نفوذه على مَنْ؟».

الأصول

كانت جرهم قد قدمت مكّة مع قبيلة قطوراء من اليمن، واستقرتا فيها، وبالطبع لم تكن هاتان القبيلتان لتخالفان المصدر النّموذجيّ لمنبع القبائل مثلها مثل غيرها في حواضر الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فانطلقتا من اليمن، واستوطنتا في مَكَةَ، وكان من المنطقي بحكم الطبيعة البشرية أن يدخلا في صراعٍ على خلفيّة السعي لحيازة المنافع الاقتصاديّة، فانتقلت السيطرة على مكَّةَ إلى جرهم سنة 207 م، لكنّ جرهمَ لم تبقَ في دعةٍ إذ سَرْعانَ ما وفدت إليها هجرة أخرى من اليمن أيضاً، فوصلت خزاعة إلى مكّة ـ ضمن الهجرة الكبيرة، الَّتِي توجه الأوس والخزرج فيها نحو يثرب ـ، واستقرت في مَكَّةَ بعد قتالٍ معهم، ولم تمضِ أيام كثيرة حَتّى تمكنت هذه المجموعة الَّتِي وصلت للتو من طرد جرهمَ من مكّةَ بالتحالف مع بني بكر بن عبد مناة، فقررت جرهمُ العودة إلى اليمن، ولم تكن قد مكثت فيها أكثر من جيلٍ واحدٍ.[1] ثم آلت الأمور بعد ذلك إلى خزاعة الَّتِي أبعدت حليفتها ـ بني بكر بن عبد مناة ـ. وكانت قُرَيْش جماعات غير متماسكة في بني كنانة حَتّى ذلك الوقت.

 

قُرَيْش

       

لكن قُرَيْشاً المهمشة سَرْعانَ ما استولت على السّيادة في مكّة حين برز بينهم قُصَيّ بن كلاب، والَّذِي قاد تحركاً قرشيّاً مظفراً, فاستولى على السيادة في مكّة مستعيناً بأخ له لأمّه في قُضاعة يُسمى رِزاح بن ربيعة؛ إذ جمع قُصَيّ قُرَيْشاً وبني كِنانة، فاستطاع إخراج خزاعة وبني بكر من مكّة في القرن الخامس الميلادي (ح 440 م). وليس واضحاً كيف حازت قُرَيْش القوة الكافيّة لتحقيق نصرها، وما هي المواقع الَّتِي كانت تحتلّها في مكّة عشيّة هذا الصدام، والَّتِي سمحت لها بإحداث هذا الانقلاب فيها. ولن ينسى القُرشيّون لقُصَيّ قيادته تحركهم للسيطرة على مكّة، فقال رواتهم إنّ تسميّة قُرَيْش تعود إليه، بعد أن كانوا يُسمون من قبل بن النّضر.[2]

 

نهوض مكّة

كانت الصّراعات الداخليّة على سيادة مكّة تجري في نفس الوقت الَّذِي كانت فيه زمن قُصَيّ تتعرض لمتغيرات كبيرة بسبب عوامل تاريخيّة عديدة، وأهمّها تحوّل مكّة إلى مركزٍ كبيرٍ لاستراحة القوافل التّجَارِيّة على طريق الخط التّجَارِيّ ما بين الشّام واليمن؛ بسبب من الحروب المستمرة بين فارس والروم الَّتِي أدت لانهيار مجموعة طرق تجارية.[3] ويمكن أن نفترض أنّ هذه الصّراعات كانت آلامُ ولادةِ حاضرةٍ تجاريّةٍ، والَّتِي سمحت لقُرَيْش بالتحكّم تقريباً بنقطة العبور بين المحيط الهنديّ والبحر المتوسط. وخلافاً لتدمر الَّتِي اكتست بالحلة الإغريقية، احتفظ القُرشيّون بالبساطة العربيّة الأصيلة في سلوكياتهم ومؤسّساتهم، وحصلوا على معرفة واسعة بالرجال والمدن أثناء اتصالاتهم التّجَارِيّة والدبلوماسيّة مع رجال القبائل العربيّة، والمسئولين الرّومان، فحفزت هذه الخبرات في رؤسائهم المواهب العقليّة والحكمة وضبط النفس، وهي صفات نادرة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة،[4] وهي صفات سيتميزون بها هم، ونظراؤهم الثقفيّون بشكلٍ كبيرٍ في العهد الأمويّ.

سمح تصيّر مكّة مركزاً تجارياً للقُرشيّين بالوصول إلى غزة وبيت المقدس، ودمشق، والحبشة عبر البحر الأحمر، حيث كان ميناء جدّة واسطة التّجارة بينها وبين الحبشة.[5] ومن أجل تسهيل مهمة قوافلها التّجَارِيّة ارتبطت قُرَيْش بالإيلاف والعهود مع شيوخ قبائل الجزيرة العربيّة: شيوخ قيس، والْيَمَامَة، وتميم، وأقيال اليمن،[6] وملوك غسّان والحيرة. وتراوحت أساليبها من تقديم الهدايا إلى شيوخ القبائل، إلى الاشتراك مقابل الإيلاف.[7]

بمبادرة من قُصَيّ الَّذِي أدرك ضرورة توفير الراحة للحجّاج ـ التّجار، وتأمين الخدمات الأساسيّة من أجل تسهيل الحجّ والتّجارة، والتخفيف من أعباء تنقلهم لمسافات بعيدة شرع القُرشيّون يقدمون للحجّاج طعاماً وشراباً أيام الحج، فكانوا يدفعون لقُصَيّ خراجاً، ويقوم قُصَيّ بتنظيم عملية إطعام الحجيج في المواسم بمكّة ومنى، وقد استمرت الرّفادَة ساريةَ المفعولِ في العهد الإِسْلاميّ،[8] ومن المفترض أنّ المساهمين في دفع تكاليفها هم التّجار، والأشراف المنتفعون بشكلٍ مباشر من الحركة التّجَارِيّة. وبالتّزامن مع تعقّد الاقتصاد المكّيّ، وتنامي الحاجة لتوفير منتجات للأهالي، ولتوفير الخدمات الضَّرُوْرِيّة للقوافل التّجَارِيّة، والحجّاج نشأت فيها بعض الحرف البسيطة كالحِدادة والنِّجارَة.

علاوة على ذلك أسّس قُصَيّ دار النَّدْوَة الَّتِي كانت قُرَيْش تداول فيها قضاياها وشئونها، وتصيغ فيه خطط معالجة المستجدات من أمورها، ولم يكن مسموحاً بدخولها إلا لِمَنْ تجاوز الأربعين، باستثناء أولاد قُصَيّ.[9]

أَمْرُ الفِيْلِ

       

تساوق صيرورة مكّة مركزاً تجاريّاً تحولها مركزاً للأرباب وآلهة القبائل العربيّة؛ فصارت مكّة مثابةً كبيرةً لآلهة قبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة الوثنيّة. وقد عززت الأحداث اللاّحقة أهميّة مكّة كمكانٍ مقدسٍ، وبالأخصّ بعد فشل غزوة الفِيْل، الَّتِي قدسنت مكّة في عيون سكان الجَزِيْرة العَرَبِيّة.

كانت بيزنطة تتوق إلى السيطرة على جنوب الجَزِيْرة العَرَبِيّة؛ ولهذا طلب جستنيان إمبراطور الدّوْلَة الرومانيّة الشرقيّة من الأحباش احتلال اليمن، من أجل اتخاذها طريقاً للتجارة، والقضاء على تجارة منافسيه الفرس، وكذلك لنشر الدين المَسِيْحِيّ.[10]و بعد احتلالها قام الأحباش ببناء كنيسة بصنعاء تُسمى القُلَّيْسَ، مستخدمين عمالاً يمنين في السّخْرة، وحدّد أبرهة ـ قائد جيش الاحتلال ـ هدفَ بنائها جعلها مَحَجَةً للقبائل العربيّة، وإذا صدق هذا الجزء من الرّواية فإنّ الهدف الَّذِي حدده أبرهة لنفسه كان مستحيل التطبيق في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، لأنه وُجدت فيها جيوب مَسِيْحِيّة ويَهُوْديّة، ولم تتوسع رقعة هذين الدينيْن بسبب من عدم تلبيتهما لحاجات سكان المنطقة الروحيّة.

        ثُمّ إنّ أبرهة قرر التوجّه لغزو مكّة كما تنقل إلينا الرِّوايَات، وتختلف الرِّوايَات في تحديد زمن الحَمْلة، فيقال بأنّها كانت قبل مولد مُحَمَّدٍ بأربعين سنة، وقيل ثلاث وعشرين سنة، ويميل أكثر الرّواة للقول بأنّها تمّت في عام مولد مُحَمَّدٍ،[11] ويبدو أنّ التاريخ الأخير جاء لمنح مولدَ مُحَمَّدٍ هالةً قدسيّة.

كان محرضُ الحَمْلة المباشر قيامَ رجلٌ من النَّسأة [12] مضريّ النسب بالتغوّط فيها. ويحدد غيرهم فيقول إنّ من قام بالاعتداء على المكان المقدّس الَّذِي بناه الأحباش هو نُفَيْل الخثعميّ، إذ جاء بِعَذِرَة فلطخ بها قبلتَه وجمع جيفاً فألقاها فيه.[13] وهناك رواية أخرى تفيد بأنّ فتية من قُرَيْش كانوا في الحبشة للتّجارة، وعند ساحل البحر وبالقرب من أحد أماكن العبادة المَسِيْحِيّة، أوقدوا ناراً لإعداد الطعام، وتركوها، وارتحلوا، فهبت ريحٌ عاصفٌ على النّار فأضرمت مكان العبادة ناراً، فاحترق؛ بينما يقول ابن كثير في تفسيره بأنّ الكنيسة الَّتِي تعرضت للنّار هي كنيسة القُلَّيْس نفسها.[14]

إذاً، كان السبب المباشر لحَمْلته هو اعتداء غامض الأسباب على أحد الأماكن المقدسة المشمولة برعاية الأحباش، وإنْ كان السبب الأصيل لهذه الحَمْلة اقتصاديّاً من أجل السيطرة على الموقع التّجَارِيّ الهام لمكّة.

قاد أبرهة جيشاً يرافقه فيل، وقيل ثلاثة عشر فيلاً. وخرج معه مقاتلون من سكان المنطقة المُحتلة،[15] وعندما وصل قرب مكّة التقى مع عبد المطّلب بن هاشم، ولم يثمر الاجتماع شيئاً؛ فلما رجع عبد المطّلب إلى مكّة، طلب من قُرَيْش مغادرة المدينة، والتحرّز في رءوس الجبال خوفاً من حصول صدام مع القوات الغازية.[16]

لماذا لم يدخل جيش أبرهة المدينة المقدسة؟ ثَمّة احتمالان:

أولاهما، فشل الحملة في الوصول إلى مقصدها أصلاً نتيجةً لبعد المسافة، وعدم توفر إمدادات كافية للجنود، وحسب الرّاوية، كان يرافق جيش الأحباش فِيْل أو ثلاثة عشَر فِيْلاً، وعلينا أن نفترض أن الفِيْل/ الفِيْلة الَّتِي رافقت الجيش من نوع الفِيْل الإفريقي.[17] والفِيْل الإفريقيّ هو الحيوان الأضخم على سطح الأرض، ويصل وزنه إلى ثمانية أطنان، وارتفاعه 3 ـ 4 م (10 ـ 13 قدماً)، وموطنه شبه الصحراء الإفريقيّة، ويقضي الفِيْلُ أغلب وقته في الطعام، ويستهلك يومياً ما يقارب 225 كغ من الأعشاب والخضار. والفِيْل الإفريقي لا يملك غُدَدَ تعرّقٍ؛ ولهذا يتمرغ بالبِرَك والأنْهُر، والوحل الَّذِي يجف عليه يقيه من الشّمْس، وبالتالي إنّ اصطحاب فِيْل أو أكثر هو عبء كبير على الحَمْلة؛ لأنه يتطلّب حمل مواد غذائيّة إضافيّة، كما يحتاج الفِيْل لحوض مائيّ ـ تُرابيّ يقيه من شمس الجَزِيْرة العَرَبِيّة الحارقة. هذه العوامل مجتمعة تسبب نقصاً في المواد الغذائيّة نتيجةً لسوء تقدير القائمين على الحملة، ومشاق الطريق الصّحراويّ، علاوة على تفشي الأمراض فيها نتيجة لنقص الماء الصالح للشرب والتنظيف. وإذا أخذنا عوامل هذا الاحتمال؛ فإنّ الحَمْلة لم تُكمل طريقها، ولم يحدث اللِّقاء بين أبرهة وبين عبد المطلب، وإلّا فلا يمكن أن يتراجع جيش أبرهةَ وهو قاب قوسين أو أدنى من تحقيق هدفه.

الاحتمال الآخر، تشير إليه رواية عن أنّ عُمرَو بن نُفاثة بن عديّ [18] ـ زعيم كنانة ـ وخويلد بن وائلة ـ زعيم هُذَيل ـ ذهبا مع عبد المطلب وعرضوا على أبرهة ثُلْث أموال تهامة ويرجع عن مقصده، بيد أنّ قائد الجيش الزاحف رفض العرض حسب الرّواية؛[19] لكنّ هل فعلاً رفض هذا العرض في حال حدوث هذا اللّقاء؟ الراجح أنّه لم يرفض هذا العرض المغري، وربّما تمكن الثلاثة من الاتفاق على معاهدة محددة يضمن فيها أبرهة امتيازات معينة، وتلقى كذلك تعويضاً عمّا حدث للموقع المقدّس، مع تعهدات بعدم التعرّض للأماكن المقدّسة المَسِيْحِيّة مرة أخرى.

بغضّ النظر عن نهاية هذه الحَمْلة، وسبب فشلها؛ فإنّ حدثها التّاريخيّ أو المُتخيل صار أُسْطُوْرَةً بغرض تعليل بعض جوانب المقدّس المكّيّ، فأكملت العقليّة الرّوائيّة الحدث وفق آليّة إنتاج الأُسْطُوْرَة عندما قالت بأنّ الجيش قد تعرض لهزيمة نكراء على يد القدرة الإلهية، بعدما أرسل اللَّه الطير الأبابيل من البحر، وكان كلُّ طيرٍ يحمل ثلاثة أحجار، حجراً من منقاره وحجرين في رجليه.[20]

ربّما من نافل القول اعتبار الحَمْلة من جملة الأساطير المَرويّة، والَّتِي صنعتها الذهنية القُرشيّة على أساس محاولة حقيقيّة من أبرهة للسيطرة على مكّة وفق أحد الاحتمالين، أو إنّها أُسْطُوْرَة منسوجة، انتشرت في ظروف الجَزِيْرة العَرَبِيّة المواتية لوجود تربة الفكر الأسطوري، وحَتّى لو كانت الحملة قد حدثت بالفعل، وآلت إلى أحد الاحتمالين: التراجع لسبب ما، أو المفاوضات؛ فإنّ الواقعة المُفترضة الَّتِي تحولت إلى أُسْطُوْرَةٍ اكتسبت أهميتها في سياق التّاريخ الخاص لمكّة، وسنأخذ تعريفاً للأُسْطُوْرَة يقول: «تروي الأُسْطُوْرَة تاريخاً مقدّساً، وتخبر عن حدثٍ وقع في الزّمَن الأوّل، زمن «البدايات» العجيب. تذكر كيف خرج واقعٌ ما إلى حيزِ الوجودِ، بفضل أعمال باهرة قامت بها كائنات خارقة عظيمة، سواء كان ذلك الواقع كلّيّاً مثل: الكون، أو جانباً منه، كأن يكون جزيرة أقام فيها النّاس، أو نوعاً من النبات، أو سلوكاً إنسانيّاً، أو مؤسّسة اجتماعيّة».[21]

إذاً، للأُسْطُوْرَةِ وظيفة تفسيريّة، وتقول الرِّوايَات إن هيبة قُرَيْش صارت تعلو عندما فسّر العرب هذه الأُسْطُوْرَة بأنّ اللَّهَ قد قاتل بالنيابة عن أهله.[22] ولعلّ أكثر دقةً أن نرى في هذه الأُسْطُوْرَة تفسيراً لقدسيّة مكّة، لا أنها منحتها القداسة. ومن هنا فحسب تكتسب حادثة الفِيْل هذه الأهميّة في التاريخ العربيّ القبل ـ إِسْلاميّ، والإِسْلاميّ المبكر، لأنّها فسّرت للعرب لماذا صارت قُرَيْشٌ تتمتع بالقداسة الدّينيّة، وفيما بعد أصبحت الأُسْطُوْرَةُ فاعلاً سماويّاً في تدعيم قُرَيْشٍ، ولهذا فالحادثة ـ الأُسْطُوْرَة تحمل قيمةً تاريخيّةً كبيرةً، وحَتّى لو كانت رواية دون واقعٍ تاريخيٍّ فعليٍّ. إن هذه الاعتبارات تجعلنا نرى في حَمْلة الفِيْل إحدى دعائم قوة قُرَيْش المعنويّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة؛ وبالتّالي السؤال «أجرت فعلياً أم لا»، أو «كيف أُنتجت الأُسْطُوْرَة في حال أن الحَمْلة لم تجرِ» لا يهم هنا، بقدر ما يهم كيف وُظفت في سياق التاريخ المكّيّ، ولاحقاً الإِسْلاميّ. كما عليناً أنْ نأخذ بعين الاعتبار أمريْن: أولهما، إنّ نموذج الفِيْل قد يكون سابقاً على قُرَيْش، وكل ما فعلته الذّهنيّة العربيّة أو القُرشيّة تحديداً هي أنّها أعادت إنتاج نموذجٍ سابقٍ، فنحن نجد أنّ الأساطير يُعاد إنتاجها من عصرٍ إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، لا بل إنّ الأُسْطُوْرَة تُعالج بأشكالٍ مختلفة ضمن إطارٍ إقليميٍّ واحدٍ، ولنفس العَصْر، وإنّ كنّا لا نملك المادة الَّتِي تسمح لنا باعتبار أُسْطُوْرَةَ الفِيْلِ إعادةَ إنتاجٍ لما سبق بسبب من احتمال أن تكون الرّواية الإِسْلاميّة أخفت هذه النماذج؛ ثانيهما، إنّ الحَبْك الأسْطُوْرِيَّ الَّذي بحوزتنا الآن، وكما يعكسه القرآن قد يكون إِسْلاميّاً أكثر من كونه نصاً أصليّاً (قُرشيّاً وثنياً)؛ أو على الأقلّ عُدل في العهد الإِسْلاميّ في سياق صراع حاد مع القوى الرافضة لوجود قُرَيْش في موقع القيادة في مختلف العهود الإِسْلاميّة.

 

احتواؤها على المقدس

       

حسب الأساطير العربيّة ـ الإِسْلاميّة فإن طابعَ مكّة المقدس يعود إلى فترة قديمة تعزوها التواريخ الإِسْلاميّة إلى زمن إبراهيمَ، الجدّ المشترك للأديان السماوية الثلاثة، على أنّه من الواضح أنّ قدسيّة مكّة تساوقت مع نهوضها التّجَارِيّ، وتحولها ملتقى تجارياً، ولهذا لم يتأخر قُصَيّ بعد نجاح تحركه للسيطرة على مكّة في استثمار هذه القدسيّة لتقوية المكّيّين، إذ تخبرنا الرِّوايَات بأنّه لم يكن ثَمّة في مكّة في الحرم بيوت، حيث كانت مكّة موقعاً محرماً (تابو)، فكان سكانها يخرجون منها مساءً، ويحرّمون على أنفسهم ممارسة الجنس فيها؛ وحسب رأي قُصَيّ قرر القُرشيّون السَّكَن في الحرم حول الكعبة للاستفادة من حصانة المكان المقدّس. وقد علّل السبب الكامن وراء فكرته بالقول: «لا تستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم فتسودوا العرب أبداً».[23]

تعكس هذه الملاحظة إدراك قُصَيٍّ لتاريخ مكّة الحافل بالصّراعات بين ساكني البلد، والَّذِي كان يفضي إلى جلاء المهزوم على يد المنتصر، وكان قُصَيّ يتوجس من خطر الصّراعات الجانبيّة، وإمكانيّة أن تفضي إلى جلاء المهزوم كما حدث سابقاً، وهو نفسه أسس سلطة قُرَيْش عبر السّلاح، وإذا كان بإمكان السّلاح أن يجلب النّصرَ في الحربِ، إلّا أنّه لا يؤمّن ديمومة السيطرة، فكان عليه أن يتحصّن بالمقدّس من أجل تفادي مصير ساكنيّ مكّة القدماء؛ وهل ثَمّ حصن أمتن من المقدّس لحماية المناطق ذات الخيرات مثل مكّة. وقد شكّلت قدسيةُ مكّةَ معضلةً كبيرةً لِمُحَمَّدٍ، إذ طرح على نفسه التساؤل التالي: «كيف له أن يخترق الحصن المقدس لها»؛ فاتخذ في بداية المرحلة اليثربية قراراً خطيراً يقضي بتجاوز الحاجز المقدّس، وذلك عندما خرق عبد اللَّه بن جحش الشهر الحرام، واستولى على تجارةٍ لمكّة، وأخذ أسرى، فأيّد القرآن مسلك عدم احترام الزّمان المقدس (الأشهر الحرام).[24] وعلى الرغم من أنّ تصرّف ابن جحش أثار تساؤلات من اليثاربة، واستنكاراً حاداً من قُرَيْشٍ، إلّا أنّ مُحَمَّداً مضى بقراره، ولم تعد مكّة تحظى من الحركة الإِسْلاميّة بأي تقديس ما دامت خارجة عن نطاق الإِسْلام، وقد نجحت هذه الاستراتيجيّة في نزع القدسيّة عن مكّةَ، فكانت إزالة القدسيّة عن قُرَيْش الشرط الضَّرُوْرِيّ لتهيئة الإمكانيّة للمسلمين من أجل تقويض أعمدة القوة القُرشيّة المعنويّة (قدسيّة المكان، والّزمان، والنّاس). فيما بعد عندما يستولي مُحَمَّدٌ على مكّة فإنّه سيعيد من جديد قدسنة مدينتَه باسم المقدس الإِسْلاميّ، ويعلن أنّ الاستيلاء عليها هو الخرق الأخير لحرمتها.

كما حدث تطورٌ لافتٌ في سلوك قُرَيْش الطقوسيّ، لا يُعرف بالضبط متى بدأ أقبل الفِيْل أم بعده، ويجب أن تكون هذه السيرورة قد استغرقت وقتاً طويلاً، وليست وليدةَ تاريخٍ محددٍ. ويعزو المؤرخون الإِسْلاميّون هذا التطور إلى قرارٍ مخططٍ، أجمعت عليه نخب قُرَيْش لأنّهم اعتبروا أنفسهم أعلى منزلة من بقية القبائل العربيّة بسبب رجوع نسبهم إلى إبراهيم، وسكناهم أرضاً مقدسةً، ولأنّهم القيّمون على الكعبة؛ ولهذا فقد قرروا ترك الوقوف بعَرَفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرّون أنّها من الطقوس الأساسيّة في الحجّ، ولا يتم الحجّ إلّا بها، كما لم تعد قُرَيْش تخرج من الحرم، بل كانت تقف في طرف الحرم عند أدنى الحل، وأطلقوا على أنفسهم لقب الحُمْس، أي الَّذِين يتشددون في ممارساتهم الدينيّة، وسلكت كنانة وخُزاعة وعامر مسلكهم في الحُمْس لوجود علاقات نسب فيما بينهم.

إضافةً إلى ذلك التزمت قُرَيْش جملة قواعد طقوسيّة أثناء مواسم الحجّ:

1 ـ تحريم طبخ الأقِط على الحُمْسِ، والأقِط جمع أقطان؛ وهو الجبن المصنوع من اللبن الحامض.

2 ـ منع سّلاء السّمْن عليهم وهم حُرم، وسلاء السّمْن، الطبخ به. والاسم السّلاءِ؛ أي السّمْن الخالص.

3 ـ عدم دخولهم بيوت الشعر.

4 ـ عدم الاستظلال إلّا في بيوت الأدم [25] في أثناء فترة الإحرام، ويضيف الأزرقي بأنّهم كانوا أثناء الإحرام لا يدخلون بيتاً من البيوت، بل ينقب أحدهم نقباً في ظهر بيته، فمنه يدخل إلى حجرته ومنه يخرج ولا يدخل من بابه، أو كانوا يتسوّرون من ظهر بيوتهم، وكان يحرّمون المرور تحت عتبة الباب.

أما فيما يتعلق بالقادمين من خارج المكان المقدّس:

1 ـ كان محرّماً عليهم أكل شيءٍ من الطّعام الَّذِي جاءوا به في الحرم إذا جاءوا حُجّاجاً أو عُمّاراً.

2 ـ عدم الطواف حول الكعبة إلّا في ثياب الحُمْس، حيث كان الحُمْس يعطوهم ثياباً، فيعطي الرجالُ الرجالَ، والنساءُ النّساءَ. أما من لم يكن له من الوافدين صديقٌ بمكّة يعيره ثوباً ولا يستطيع استئجاره فكان بين أحد خياريْن:

أ ـ أن يطوف الحاجّ في ثيابه في هذه الحالة، ومن ثم يلقيها إذا فرغ من الطواف، حيث تطرح حول الكعبة، ولا يجوز له ولا لغيره مسّ هذه الثياب أو تحريكها بعد ذلك. وكانوا يسمّون الثياب الملقية اللّقى.

ب ـ أو أنْ يطوف بالكعبة عرياناً؛ أمّا الرجال فيطوّفون عُراة، أمّا النّساء فتضَع إحداهنّ ثيابها كلّها إلا دِرْعاً مُفَرّجاً عليها،[26] وقد وصفت امرأة من العرب هذا المسلك فقالت:

الَيْومَ يَبْدُو بَعْضُه أو كَلُّهُ         و ما بدا منهُ فَلا أُحِلُّه

تختلف الرِّوايَات فيما يتعلق بالطواف عُرْياً، فثَمّة روايات تفيد بأنّ النّاس كانوا يطوفون عراةً، إلّا أنّ المرأة تجعل على فَرْجها خِرْقَةً، ورواية أخرى تقول بأنّ الرجال كانوا يطوفون عُراةً بالنّهار، والنّساء باللَّيل؛ وفي تحديدٍ آخر أنّ المرأة كانت تطوف بالكعبة، وقد أخرجت صدرها. بينا قصر البعض هذا الشرط على حج الصَّرُورة (أول حِجّة) من غير الحُمْس رجلاً كان أم امرأةً.

و تقول إحدى روايات الطبري عن بشر بن معاذ، إنّه كان يوجد حيٌّ من اليمن، إذا قدم حاجاً، أو معتمراً يطوف عارِياً، لأنّه كان يعتقد بحرمة الطواف في ثوب دنس فيه، فكان يطوف عرياناً إذا لم يجد من يعيره مِئزَراً، وتقول هذه الرّواية إنّ الأعراب كانوا يلتزمون هذا المسلك. ويحدد الأزرقيّ عن ابن عباس بأنّ بني عامر كان يتبعون هذا الطقس. على أنّ كل الرِّوايَات تتفق على أنّ من كان يطوف عُرْياً هم من غير الحُمْس ـ قُرَيْش، وأحلافهم ـ.[27] وهذا ما يجعلنا نتساءل هل المكّيّون هم من فرض طقس التّعرّي، أم إنّهم رفضوا الالتزام به، وانسحبوا منه إعلاءً لشأنهم؟

من جهة أخرى دفعت قدسية الموقع الحجاجَ بعد انصرافهم من مكّة إلى أن يأخذوا حجراً من حجارة الحرم، فينحتونه على صورة الكعبة، ثم يتمثلون الحجرَ المنحوت قبلةً ويطوفون ويصلّون له تشبيهاً بأصنام الكعبة. وقد سمحت خصوصيّة مكّة كموقعٍ مقدسٍ لقُرَيْش، ولبقية الحُمْس بأنّ يشرطوا على مَنْ يرغب بالزّواج منهم بأنْ يصبح متحمساً وأن يلتزم بطقوسهم.[28]

يمكن أن نلاحظ أن الأسباب الكامنة وراء هذه القوانين أو السّلوكيات الطقوسيّة هي:

1 ـ قد يكون عدم تناول الطّعام الَّذِي جاء به الحجاج معهم، ونزع الثياب نوعاً من الحماية الصحيّة خوفاً من انتقال الأمراض عبر الأطعمة والألبسة.

2 ـ استراتيجية اقتصاديّة تجبر الحجاجَ على التزود بالطّعام من مكّة مما يصبّ في مصلحة المكّيّين.

3 ـ إنّ نزع الثياب يشير إلى رغبة التخلص من الماضي، وهي تعطي دلالة الولادة من جديد، وعودة إلى لحظة الولادة.

مهما يكن من أمرٍ فإنّ هذه الطقوس مارست تأثيراً نفسيّاً على الحجاجِ ـ التّجار الوافدين.

يبقى أن نشير هنا إلى أنّنا لم نحاولْ في ملاحظاتنا تقديم تفسيرٍ لمنشإ هذه الطقوس أو إجراء مقارنة مع طقوس مشابهة لمجتمعات أخرى، كما لم نسعَ فيها إلى تفسير آلية التّقديس حسب أيَّ منهجٍ مختص (إناسي، تحليلي نفسيّ)؛ لأنّه موضوع مستقل بذاته، ويحتاج إلى بحثٍ معمّق خارج هذا الكتاب وعلى يد غيرنا، واكتفينا بعرض مظاهر القدسيّ في مكّة بهدف تبيان القوة الدينيّة الاستقطابيّة الَّتِي كانت تتمتع بها المدينة، والقوة الاستقطابية لها كموقع مقدس منحتها هذه الاستثنائيّة الخاصة كأقدس مكان في الجَزِيْرة العَرَبِيّة.

على أي حال نسخ مُحَمَّدٌ كلَّ تلك الطقوس، وصارت قُرَيْش تلتزم بجميع طقوس الحجّ أسوة ببقية العرب، فأفاضت من عرفات، وطاف الحجّاج بالثياب الَّتِي معهم من الحلّ، وأكلوا من الطّعام الَّذِي جاءوا به في الحرم أيام الحجّ؛ بعدما جاء القرآن يطالب بالمساواة الطقوسيّة في الحجّ بقوله: ﴿ثُمَّ أّفِيضُوا مِنْ حيثُ أَفَاضَ النّاس﴾،[29] وكذلك: ﴿يا بني آدمَ خّذوا زِينتكُمْ عندَ كُلِّ مَسْجِدِ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنّه لا يُحبُّ المُسْرِفِينَ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾.[30]

المستوى السيا ـ ثقافي في مكّة

كانت الحالة الاجتماعيّة المتطورة لمكّة تتطلب وجود هيئة تنفيذيّة ـ تشريعيّة، وإن دون مستوى هيئة دولتيّة، من أجل ضبط العلاقة التناحريّة بين تكويناتها الاجتماعيّة، والَّتِي كانت السّمَة المميزة لها ولغيرها في ذاك العهد، إذ كان الثَّأْر ـ ككل مكان في الجَزِيْرة العَرَبِيّة ـ يشكّل رادعاً بوجه المعتدي، لكن الحياة الاجتصاديّة صارت أكثر تعقيداً في مكّة بوصفها مدينة، فلم تعد تستطيع المضي قدماً في تطورها على أساس هذه العلاقة القبليّة ـ النّزاعية. فمكّة، المدينة الراسخة اقتصاديّاً والمحطّة الهامة على طريق التّجارة العالميّة آنذاك كانت تحتاج إلى مَنْ يُنظم العلاقة الداخليّة، ويحمي القوافل، والتّجارة العابرة من اعتداءات فروعها القبليّة، ومنع الظلم الَّذِي قد يلحق بالتّجار من قِبَل المكّيّين أنفسهم في أثناء عقد الصفقات التّجَارِيّة، لا سيّما أنّه ظهرت خلافات، وشكاوٍ من التّجار العابرين لها حول مسلك بعض التجار المكّيّين.

كان الوَضْع الداخليّ اجتماعيّاً واقتصاديّاً لا يسمح بنشوء الدّوْلَة بسبب من عدم تبلور الفئات الاجتماعية الموجودة في مكة طبقيّاً، بيد أنّه من جهة أخرى كان لا بدّ من نشوء هذه الهيئة الحامية لحقوق التّجار مكّيّين كانوا أم غير مكّيّين، ومن أجل المحافظة على الاستقرار الداخليّ للمدينة بضبط العلاقة بين قبائل مكّة على غير أساس الثَّأْر، والأشراف على العمليات التّجَارِيّة، ورعاية الحُجاجِ من أجل تأمين ديمومة الاقتصاد المكّيّ التّجَارِيّ؛ ولهذا فقد توصلت النخب المكّيّة إلى حلٍ يجيب على سؤال الضَّرُوْرَة ـ تكوين تلك الهيئة ـ، والَّتِي تأسّست على أساس يشابه فكرة العقد الاجتماعيّ من بعض الوجوه، وسَرْعانَ ما تشكّلت هذه الهيئة، الَّتِي سُميت حلف الفضول، وقد استمد الحلف قوته، ونفوذه من وَعْي ضرورته، واعتراف النخب به؛ وكان قيامه نتيجةً لمبادرة من الزبير بن عبد المطلب، الَّذِي أذهلته حرب الفِجار بين قيس عَيْلان وبني كنانة، وقد سُميت فِجاراً لأنّ المتحاربين خرقوا فيها حرمة الأشهر المقدّسة (الحُرم)، والَّتِي يُقال إنّ مُحَمَّداً ذا الأربعة عشر ربيعاً شارك فيها حيث كان يجمع لأعمامه السِّهامَ. وقد دفعت هذه الحرب المكيين للتفكير بحلٍ يحميهم من تكرارها؛ ثم تحققت الفكرة عندما أشتكى تاجرُ يمني من وقوعُ مَظْلَمة عليه، واستنجد بالقُرشيّين لردّ حقه، لاسيّما أن شكواه كانت في سياق شكاوى متواترة تتعلق ببني سهم وبني جمح، اللذيْن عُرف عنهما البغي والعدوان، وقد تفاقم طغيانهما مما دفع المتحالفين للوقوف بوجههما.

نص ميثاق الحلف على أنّه يتوجب على المتحالفين حماية كل من يتعرض لظلم بمكّة من أهلها أو من جاءها من غير القُرشيّين، حَتّى يردوا إليه حقه، والتآسي في المعاش؛[31] وقد اشترك في الحلف:

1 ـ بنو هاشم، 2 ـ بنو المطّلب، 3ـ أسَد بن عبد العُزَّى، 4 ـ زُهْرة بن كِلاب، 5 ـ تَيْم بن مُرّة.[32]

إن وجه التشابه بين هذه الهيئة ـ حلف الفضول ـ والعقد الاجتماعيّ هو أنّ العقد الاجتماعيّ يعالج المُعضِلة الأساسية التّالية، هي إيجادُ شكلٍ لشركةٍ تُجِيرُ، وتَحْمي، بجميع القوة المشتركة شخصَ كلِّ مشتركٍ وأموالَه، وإطاعةُ كلِّ واحدٍ نَفسه فقط وبقاؤه حُرّاً كما في الماضي مع اتحاده بالمجموع،[33] وهذا ما كان هدف حلف الفضول، والَّذِي منح مكّة استقراراً سِياسِيّاً واجتماعيّاً، مما شكّل العقبة الكأداء أمام مُحَمَّدٍ؛ إذ إنّ الإِسْلام ـ كدينٍ توحيديٍ ـ كان يلبي حاجات مجتمعات مدنيّة، ولم توجد في الحِجاز غير ثلاث مدن (مكّة، والطائف، ويثرب)؛ وبالرّغم من أن مكّة هيئت التربة الفكريّة والاجتماعيّة لنشوء الدَّعْوة الإِسْلاميّة، ولبروز شخصيّة نَبَوِيّة من طراز مُحَمَّدٍ، إلّا أنّها لم تكن تحتاجه آنذاك لا كقائدٍ سِياسِيٍّ يضبط العلاقة الداخليّة، ولا كمُنظّم للعلاقة الخارجيّة ـ التّجَارِيّة، أما الطائف فقد رفضت دعوته عندما حاول التبشير فيها في السنة العاشرة للدعوة، وقد فشل حَتّى في إقناع رجل واحد منهم أو امرأة،[34] وعلى الأقلّ يعود فشله إلى كونه ابن مدينة منافسة، كما أنّ الدعوة الَّتِي كان يبشر بها مُحَمَّدٌ كانت عاجزة عن امتلاك أفئدة البدو، الَّذِين لم يكونوا بحاجة قطّ لهذا القائد التوحيديّ، فأساس كيانها السيا ـ اقتصاديّ قائم على التفكك القبليّ. أما يثرب فقد لعبت الصدفة التاريخيّة دورها في وصولها إليه، والَّتِي لم يكن يتوقعها.

نشأت على أرضيّة التطور السيا ـ اقتصاديّ النّسبيّ (الموقع التّجَارِيّ، والقطبيّة الدينيّة، والكفايات الشخصيّة) في مكّة حالة ثقافيّة، فظهر ذلك بإجادة المكّيّين للكتابة، كما يوضح ذلك بجلاء أنّ مُحَمَّداً لمّا وجد بعض أسرى بدر القرشيين لا يستطيعون دفع الفِدْيَة الماليّة، قررّ أنْ يكون فِداءَهم تعليم فتيان المدينة، فكان على كلِّ أسيرٍ لا يستطيع دفع الفِدْية واجب تعليم عشَرة فتيان، وكان زيد بن ثابت ممّن تعلم،[35] وهذا يدلّ على أن المستوى الثّقافيّ في مكّة كان أرقى منه في المدينة، وهذا كان بدوره يزيد من إعلاء هيبة قُرَيْشٍ في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، ويضيف كذلك عامل شك كبير حول «أُمِّيّة مُحَمَّدٍ» المزعومة.

        إنّ هذه العوامل: الموقع التّجَارِيّ، والنفوذ السِياسِيّ ـ المالي، والهيبة الدينيّة، والمهارات والكفايات الَّتِي كانت تتمتع بها قُرَيْش جعل من السهل على قُرشيّ ترشيح نفسه لموقع الخِلافَة، والدفاع عن حق تعيين قُرشيٍّ في هذا المنصب، وليكون مقبولاً من العرب أكثر من الآخرين. وهذا هو العامل الثّاني في إقرار المجتمعين لأَبِي بَكْر بمنصب الخلافة، وهو يظهر أنّ من أسباب قوة مُحَمَّدٍ المعنويّة استناده إلى قُرشيّته، وليست قوة قُرَيْش نابعة من نُبُوّة مُحَمَّدٍ.

3 ـ السّيْرَة الشّخْصِيّة لأَبِي بَكْر

أَبُو بَكْر

إذا كان النسب القُرشيّ شرطاً ضروريّاً لنجاح المرشّح، إلّا أنّه غير كافٍ، ويحتاج إلى شرط مُكمّل، وهو أن يكون متمتعاً بمؤهلات وكفايات شخصيّة؛ من أجل أن يجمع بيديه عناصر القوة القرشيّة من جهة، ولاستثمار شقاق معسكر الأنصار من جهة ثانية، إضافةً لحضور معنويّ كبير عند المهاجرين واليثاربة على السواء، وفقط ذاك الَّذِي يملك هذه الأفضليات، فإنه يستطيع فرض نفسِه على المجتمع اليثربي وعلى ممثليهم في اجتماع السَّقِيْفَة، وعلى نخب المهاجرين الَّتِي حضرت هذا الاجتماع؛ وقد كان أَبُو بَكْر الشّخصيّة المُثلى الَّتِي كانت تتوفر فيها هذه الشروط، وشخصيّته بالذات هي العامل الثّالث، فمن هو أَبُو بَكْر؟

وُلد أَبُو بَكْر بعد مولد مُحَمَّدٍ بسنتين وأشهر (575 م)، واسمه عبد اللَّه بن أبي عثمان بن عامر، وهو تَّيْميّ، وكان يُلّقب عتيقاً، وثَمّة قولان عن لقبه هذا: الأول، ويقول لعِتقه من النّار؛ والثاني، لِعَتَاقة وجهه ـ أي حُسْنه وجماله، وكنية أبيه أبو قُحافة.[36] أما كنيته ـ أَبُو بَكْر ـ الَّتِي لزمته طوال حياته فلم تقدّم الرِّوايَات تعليلاً لها، وإنْ ذكر بعض المتأخرين استنباطاً أنه كُنِيَ بها لأنه بكر بالإِسْلام قبل غيره.[37]

كانت أسرة تيم بن مرة تتمتع بنفوذٍ واسعٍ، فإليهم ينتسب عبد اللَّه بن جُدْعان أحد زعماء قُرَيْش في الجاهليّة، وصاحب دار النَّدْوَة،[38] حيث عُقد حلف الفضول.

بسبب عدم وجود هيئات دولتيّة، كانت قُرَيْش تنظّم شئونها العامّة وفق مبدأ تقاسم المهام الأساسيّة للمدينة بين أشراف القبائل، فتولّى أَبُو بَكْر مسألة الدّيات[39]؛ وقد أُنيطت به هذه المهمة كونه ضليعاً بالأنساب الَّتِي تساعده على تحديد قيمة الدّيات الواجب دفعها، حسب مكانة المُجنى عليه وما إذا كان محضاً أو لصيقاً أو زنيماً.[40]و قد خدمت خبرته بالأنساب لاحقاً مُحَمَّداً عندما بحث الأخير عمّن ينهض للتصدي للذين يهجونه من قُرَيْشٍ، فتطوع حسان بن ثابت لتنفيذ المهمة، فسأله مُحَمَّدٌ كيف له أن يهجوهم، وتحديداً كيف يمكن له أن يهجوا أبا سفيان بن الحارث وهو ابن عمه، فأجاب حسان: «لأسُلَّنَّك منهم كما تسل الشّعَرة من العجين»؛ عندها طلب مُحَمَّدٌ منه الرجوع إلى أَبِي بَكْر من أجل أنْ يعرّفه على أنساب القوم لكي لا يتورط حسانُ بهجاء من يمتّ بصلةٍ إلى مُحَمَّدٍ، وليطّلع على خصلات الشر عند القُرشيّين، وبالفعل شرع حسان يهجو قُرَيْشاً مستعيناً بإرشادات أَبِي بَكْر، فلمّا وصل قُرَيْشاً الهجاءُ، قالوا: «هذا شِعْرٌ ما غاب عنه ابن أبي قحافة».[41]

زاول أَبُو بَكْر التّجارة، والَّتِي أكسبته سعة الصدر، وبعد النظر، مما جعله صاحب نفوذٍ في قومه، فكانوا يتردّدون على زيارته؛ فتعمّقت فراسته بالرّجال. وقد ربطت بين أَبِي بَكْر، ومُحَمَّدٍ الشاب علاقةٌ وطيدةٌ قبل إعلان الدَّعْوة الإِسْلاميّة، فكان أَبُو بَكْر يكثر من التردّد إلى منزل مُحَمَّدٍ،[42] وتعكس عائشة بنت أَبِي بَكْر الآية فتقول إنّ مُحَمَّداً هو مِنْ كان يتردّد على أبيها في بُكرة وعشيّة، ويبدو أنّ وتيرة زيارات مُحَمَّدٍ أَبَا بَكْر زادت بشكلٍ ملحوظ قبيل البدء بالدعوة.[43]وثَمّة روايات تفيد بأنّ أَبَا بَكْر لعب دور الوسيط بين مُحَمَّدٍ الشاب وبين خديجةَ حَتّى زوجه إياها. وسيزوجه فيما بعد عائشة ـ ابنته ـ الَّتِي ستكون زوجة مُحَمَّدٍ الأثيرة.

تتواتر الرِّوايَات عن أن أَبَا بَكْر أوّل من أسلم، بل حَتّى يُقال إنّ أَبَا بَكْر آمن بنبوّة مُحَمَّدٍ زمن بَحيرا الرّاهب، حيث يستند هذا التفصيل إلى رواية بينة الضعف، وتقول هذه الرواية إنه كان مع أبي طالب عندما سافر إلى الشّام؛[44] وصنعة الرواية جليةٌ، فهي تجافي المعقوليّة والمنطق بسبب من صغر سن أَبِي بَكْر وهو أصغر سناً من مُحَمَّدٍ، ويبدو أنّ هذه الرواية تشير إلى حوادث تالية، فربما كان أَبُو بَكْر رفيق مُحَمَّدٍ في رحلات لاحقة إلى الشّام. ولهذا عندما ارتفعت بعض الأصوات المحتجّة على مبايعته خليفةً، قال: «أَلسْتُ أحقَ النّاس بها؟ ـ يعني الخِلافَة ـ أَلسْتُ أولُ من أسلم؟».[45] وإليه يعود فضل إِسْلام أبرز رجال الحركة الإِسْلاميّة، فقد أسلم بدعوته:

«1 ـ عثمان بن عفان، 2 ـ الزُّبَير بن العوَّام، 3 ـ عبد الرحمن بن عوف، 4 ـ سعد بن أبي وقاص، 5 ـ طلحة بن عبيد اللَّه».

و في الحقيقة نلاحظ أنه لعب دوراً مهماً في حقل الدعوة، وربما كان أبرز من تمكن من جذب الأنصار للحركة الإِسْلاميّة في أوانها المبكر، فخديجة ـ زوج مُحَمَّدٍ ـ لم تستطع غير استقطاب بناتها، ومُحَمَّدٌ نفسه لم يستطع أن يكسب سوى عليّ بن أبي طالبٍ الَّذِي كان أثناءها صبيّاً، ومولاه زيد بن حارثة، في حين استطاع أَبُو بَكْر كسب المذكورين؛[46] وهم شخصيات لها ثقلها في مكّة.

بذل أَبُو بَكْر ماله في سبيل إنجاح دعوة الإِسْلام، وكان قد أنفق جل ماله في عتق المُستضعَفين الَّذِين أسلموا، وللمساعدة على انتشار الإِسْلام؛ فاعتق سبعة أشخاص، منهم بلال.[47] وعندما بلغ عدد المسلمين ثمانية وثلاثين رجلاً ألحّ أَبُو بَكْر على مُحَمَّدٍ من أجل إشهار الدعوة، واستجاب مُحَمَّدٌ لرأيه بعد إلحاحه، فقام أَبُو بَكْر في النّاس خطيباً، ودعا إلى المعتقد الجديد، مما عرّضه في أثناء ذلك إلى ضربٍ مبَرّحٍ، ولم ينجُ من الموت الأكيد إلّا عندما قام بنو تيم بتخليصه من أيدي ضاربيه.[48]

        لما روى مُحَمَّدٌ للقُرشيّين تفاصيل رحلة الإسراء، رفض القُرشيّون تصديقه، وتساءلوا بمنطقهم الشكاك، كيف له الذهاب إلى القدس في ليلةٍ واحدةٍ، والرحلة تستغرق شهرين ذهاباً وإياباً. وعلى إثْر هذه الرواية تراجع كثيرٌ مِمَن أعلن إِسْلامه، وذهب البعض إلى أَبِي بَكْر وأخبره رواية مُحَمَّدٍ، لكنّه في البدء شكك في صدقهم، ثُمّ لما أكّدوا له ذلك، وقالوا له إنّ مُحَمَّداً في المسجد يحدّث به النّاس، رد على مخبريه بأنّه يصدق روايته، وأردف أنّه يصدق ما هو أكثر من ذلك، يصدق علاقته بالسماء وتلقيه الوحي، ولهذا سماه مُحَمَّدٌ الصّديقَ، ومما لاشك فيه أنّ موقف أَبِي بَكْر المؤيّد للرّواية عزّز موقف مُحَمَّدٍ، وكان له دور في حفظ الإِسْلام يومئذٍ.[49]

        كان أَبُو بَكْر واعياً لمتطلبات الدعوة التكتيكيّة والاستراتيجيّة؛ ولهذا حين انتقدَ عُمَرُ بن الخطّابِ صلحَ الحُدَيبيَة (6 ﻫ/ 628 م)، وأفْصَحَ عن رأيه النّقديّ إلى أَبِي بَكْر، طلب منه الأخير الالتزام بقرار مُحَمَّدٍ، ثم ذهب عُمُرُ إلى مُحَمَّدٍ يطالبه بإيضاحات حول هذا الصّلْح، فبرّر مُحَمَّدٌ قراره بجوابٍ غامضٍ: «أنا عبد اللَّه ورسوله، لن أخالف أمرَه، ولن يُضيِّعني».[50] ويتضح من جواب مُحَمَّدٍ أنّه لم يكن متأكداً من أن عُمرَ قادرٌ على إدراك المتطلبات التكتيكيّة لحركة أخذت طابعاً سِياسِيّاً محضاً وأنّه كان عليه مراعاة موازين القوى، إذ كفّ الإِسْلامُ عن أن يكون مجرد حركة تبشريّة غير معنية بالتحالفات والاتفاقات مع القوى القبليّة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة.

        أَبُو بَكْر الَّذِي ارتبط مع مُحَمَّدٍ الشاب، بقي الرفيقُ الملازم أبداً لصديقه، ونبيّه من الكهولة إلى الشّيْخوخة، وفي جميع الأوقات مرها وحلوها لا ريب إنّه لعب دوراً غير واضح المعالم بعد في توجيه مُحَمَّدٍ الشاب هذه الوجهة إلى جانب خديجةَ، وتشي مساعدته لمُحَمَّدٍ في زواجه منها عن ذلك، وربما كان ثَمّة مثلث مكّون من خديجة، ونوفل، وأَبُو بَكْر دفع مُحَمَّداً لبدء دعوته؛ وأَبُو بَكْر هو الوحيد الَّذِي بقي حياً بعد مرحلة التّأسيس الأوّلى، واستمرّ يلعب هذا الدور غير العلني في الدعوة الإِسْلاميّة. ويبدو أنّ تأثير أَبِي بَكْر كان منحصراً في الجانب السِياسِيّ للدّعَوة، وليس في الجانب اللاهوتي، بما ينسجم مع عقليّة تاجر ذكي، واسع الأفق، ذي خبرة بالرجال، والأنساب. وهو الشّخصيّة الَّتِي يحتاجها كل قائد سِياسِيّ، دعْ عن نبيٍّ ناهضٍ بمهمة تتطلب الصبر والأناة، علاوة على المهارة في التعامل مع المعطيات القائمة في مختلف الأماكن الَّتِي تحركت فيها الحركة الإِسْلاميّة، والتكيّف مع المحيط السيا ـ اجتماعيّ.

لا شك إن هذا الدور كان واضحاً للمسلمين ـ مهاجرين، وأنصار ـ، والَّذِي سيمهد له طريق الخِلافَة، أو بالأصح كانت القيادة تحتاج لهذا الطراز من الرجال المُحَنّكين. وقد رأينا كيف إنّ النّاس تركوا عمرَ، الَّذِي وقف يؤكد عدم صحّة وفاة مُحَمَّدٍ، ويَمّموا وجوههم شطر أَبِي بَكْر، مما يدل على الموقع المركزي الَّذِي كان يحتله في وجدان النّاس؛ والرجوع إلى تفاصيل اجتماع السَّقِيْفَة، والنّقاش الَّذِي دار فيها يساعدنا على إدراك قوة السُّلْطة المعنويّة الَّتي كان يتمتع بها أَبُو بَكْر، إذ على الرغم من طابع الاجتماع الحادّ، إلاّ أنّه بقي في إطار سلمي، وحافظ المتناقشون على سلوك متزن، ولم يندفعوا إلى صدام، وهذا يعني إنه لم يفقدوا اتجاه النقاش، وإذ كان اسمه أكثر الأسماء حضوراً، فإن الانضباط يدل على مبلغ التقدير الَّذِي كان يكنّه الحاضرون إليه. ثم إنّنا لاحظنا أنه لم يتم ترشيح شخصيّة أخرى منافسة له بعد أن تبين للحاضرين اليثاربة صعوبة الاتفاق على سَعْد بن عُبَادة، خلا مرةً واحدةً ذُكر فيها اسم علي بن أبي طالبٍ كمرشحٍ من قِبل أنصاريّ في الاجتماع،[51] ولا يمكن اعتبار هذه الإشارة صحيحة أبداً؛ لأنّ الطبري لا يذكر ولا اسماً واحداً ممن طالب بعلي، على خلاف المتبع عنده، وعند المؤرخين الآخرين، وتؤكّد العزلة الَّتِي عاشها عليٌّ في مرحلة حكم أَبِي بَكْر حقنا في نفي هذه الإشارة.

        القراءة الوحيدة لغياب اسم مرشح آخر هي إنّ المجتمعين لم يكونوا معنيين بهم. بل إنه لم توجه الدّعْوةَ لعليٍّ للمشاركة؛ وغياب عليٍّ والعباس عن الاجتماع يدل على إدراكهما لضعف موقفهما وموقعهما، ويبدو أنّ علياً آثر البقاء بعيداً، مثلما رفض من قبل اقتراح العباس الَّذِي طلب منه التوجه لِمُحَمَّدٍ قُبيل وفاته بسويعات من أجل تحديد مرشح بعينه.

4 ـ مساندة عُمَر بن الخطّابِ

        كان عُمَر بن الخطّابِ من أبرز شخصيّات المهاجرين النّافذة، والَّتِي حضرت الاجتماع وأصرت على تنصيب أَبِي بَكْر، ولعبت دوراً حاسماً في فرضه على المجتمعين، فكيف تأتت عوامل القوة هذه لعمر؟ وهل كان نافذاً بسبب السّمَة القُرشيّة وحدها؟ أم بسبب شخصيّته بالذات، وفعّاليته البارزة في المجتمع الإِسْلاميّ؟ للإجابة على ذلك علينا النظر في سيرته، فمن هو عمر؟

عُمَر بن الخطّابِ بن نُفَيل بن عبد العُزَّى. وينتسب من جهة أمه إلى مخزوم، البطن الغني والنافذ في قُرَيْش إلى جانب بيت أميّة، ولعل ميله للتحدي جاءه من أمه المخزوميّة، الأسرة المعروفة بالتّكَبُر. تقول الرِّوايَات إنّ ولادةَ عُمرَ كانت بعد الفِيْل بثلاثَ عَشْرَةَ سنة لكنّ حدث الفِيْلِ غير مُؤرّخٍ على وجه الضبط كما لاحظنا، ومن هنا فإنّ تاريخ مولده غير معروف لنا بدقة.

كان عُمرُ من أشراف قُرَيْشٍ، وكان منوطاً به إحدى مسئوليات الإدارة العامة في مكّة، فقد أوكلت إليه السِّفارة في الجاهليّة، فكانت قُرَيْش تبعثه سفيراً (رسولاً) في حالات التوتر بينها، وبين القبائل؛ ولهذا طلب منه مُحَمَّدٌ قُبَيل توقيع صلح الحُدَيبيَة الذهاب إلى مكّةَ ليفاوض القُرشيّين؛ لكنّ عثمانَ ذهب بدلاً منه، لتوفّر حماية قومه بني أميّة.

على الرّغم مِن أنّه شغل منصباً يتطلب الكِفاية الدبلوماسيّة، إلّا أنّه كان يفتقد للدهاء السِياسِيّ، الَّذِي كان يتوجب توفره بمن يحتله. ومن المؤكد أنّه شغل هذه المنصب بوصفه من آل عديٍّ، وحيث كانت السفارة لهم في إطار تقاسم المهام بين قبائل قُرَيْش. ولعل المنصب كان شكليّاً، إذ كان التّجار القرشيّون يؤمّنون طرق الموصلات بعلاقاتهم الجيدة مع القبائلِ البدويّة، ومع الّتجار في بلاد الشّامِ واليمنِ، وعلى أساس هذه العلاقة تحددت بقية الروابط مع هذه القبائل.

أسلم عُمَرُ في السّنة السّادسة للدعوة الإِسْلاميّة وهو ابن ستّ وعشرين أو سبع وعشرين سنة حسب الرّوايات الإِسْلاميّة، ولم يكن عدد المسلمين ـ نساءً ورجالاً ـ يتجاوز الستة والخمسين حسب أعلى الأرقام.[52] ولا تتفق الرِّوايَات على كيفيّة إِسْلامه، وتحيط بها الغموض ككلِّ روايات إِسْلام رجال الإِسْلام الأوائل.

ربما تنجلي دوافع إِسْلامه إذا علمنا أنّ زيدَ بنَ عَمْرٍو بنَ نُفَيل ـ ابن عمّ عُمَرَ ـ كان من الأحناف، وتذكره الرِّوايَات على أنّه أوّل من ندّد بالأوثان ونهى عن تقديسها، وكان الخطّاب ـ أبو عمر ـ يمارس ضغوطاً على زيد حَتّى أجبره على الخروج إلى أعلى مكّة، فالتجأ إلى جبل حِراءَ مقابل مكّة، ثمّ طلب الخطّاب من شباب قُرَيْش منعه ـ أي زيد بن عَمْرٍو ـ من دخول مكّة، فكان إذا دخلها سراً أعلموه، فيقوم بطرده، وثَمّة روايات تتحدث عن جولات كان يقوم بها زيد أوصلته إلى الموصل والجزيرة، ويبدو أنّه تعرّف على الديانتيْن: اليَهُوْديّة والمسيحيّة، وقد مات زيدٌ في ظروف غامضة أثناء هذه الجولات.[53] ولربما لعب دوراً ما في دفع مُحَمَّداً الشاب قدماً نحو التوحيد، إذ تخبرنا الرِّوايَات عن أنّه التقى مُحَمَّداً قبل النّبوّة، وفي اللِّقاء أعطى زيدٌ مثلاً توحيديّاً لمُحَمَّدٍ الشّاب عندما رفض أنْ يأكل من لحم ذبيحة ذُبحت للأصنام كانت مع مُحَمَّدٍ، فقرر الشّابُ على إثْر ذلك عدم أكل ما ذُبح للأصنام؛ وبذلك يكون زيدٌ قد دفع مُحَمَّداً أكثر باتجاهاته التوحيديّة.[54]

كان عُمَرُ يتذكّر بمرارة قَسْوة والده،[55] ومن المفترض أنّ هذه القَسْوة أكسبته حساسيّة خاصة تجاه التّسلّط والظّلْم ـ بحدود وَعْي تلك الحقبة ـ، وصرامة مفرطة في تشددها، ويبدو أنّ إِسْلام عمرَ جاء من هذه الحساسيّة؛ فتعاطف مع الحركة الإِسْلاميّة المُضطهَدة، ومن جانب آخر كان إِسْلامه إعلان تمرّد على الأب القاسي، الَّذِي ظلم ابن العمّ الحنيفيّ. في إِسْلامه جابه عمر والده، وكأنّه أراد ردّ مَظلْمَة زيدٍ عبر إِسْلامه وبرجوعه إلى عقيدة المظلوم.

هذا الاستطراد التحليلي ضروري لفهم شدة عُمَرَ، ويساعد على مقاربة أكثر دقة لشخصيّته، ويفسّر لنا كيف يتجلى فيه تناقض مثير للانتباه بين حساسيته وخشيته من أن يُظلم النّاس من جانب، والتشدّد في تطبيق العقوبات، وعدوانية ملحوظة تجاه المرأة من جانبٍ آخر؛ ثمّ منعه قُرَيْشاً عندما تقلّد مقاليد السُّلْطَة من الخروج للمناطق المُحتلة، إلّا بإذنٍ خاصٍ منه، كي لا يشكّلون طبقةً متسلّطةً، وكذلك إصراره على ألاّ يكون للهاشميّين دور في قيادة المجتمع سِياسِيّاً، إذ كان يرى أنّه يكفيهم موقعهم المعنويّ كونهم من آل النَّبِيِّ. إنّ خصوصيّة عُمَرَ هذه جعلتنا نتقبل ما ترويه المصادر عن أنّه رفض للوهلة الأولى تصديق حقيقة موت النَّبيِّ، والأساس الَّذِي بنينا عليه قناعتنا هو معطيات مستمدة من التحليل النفسي، وربما في عملٍ لاحق يبحث في حياة الصحابة ـ نأمل إنجازه ـ سنتوسع بهذه النقطة.

 


[1]ابن هشام: 1/ 112 ـ 114؛ الأزرقي: 1/ 92 ـ 96؛ تاريخ الإِسْلام: 1/ 41.

[2]ابن سعد: 1/ 68، 71؛ ابن هشام: 1/ 117 ـ 118؛ تاريخ الإِسْلام: 1/ 41.

[3]حروب دولة الرّسُول، 8، 11.

[4]H. A. R. Gibb , op.cit. , p 17.

[5]تاريخ الإِسْلام: 1/ 54.

[6]الأقْيال، وقُيُوْل، وأقْوال مفرد قَيْل: ملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم والمرأة قيلة.

[7]حروب دولة الرّسُول، 10.

[8]الأزرقي: 1/ 110، 195؛ قُرَيْشٌ: من القبيلة، 21، 23.

[9]الأزرقي: 1/ 109.

[10]تاريخ الإِسْلام: 1/ 29؛ بروكلمان، 16.

[11]البغوي، الفِيْل: 1.

[12]النَّسأة: الَّذِين كان منوطاً بهم مهمة النسيء، وقد مر الكلام عنهم.

[13]ابن سعد: 1/ 91.

[14]تفسير القرطبي، ابن كثير، والبغوي، الفِيْل:1.

[15]سيرة ابن إسحاق، محمد بن إسحاق بن يسار،CD.

[16]الكامل: 1/ 442 ـ 444؛ ابن هشام:1/ 43، 45.

[17]Loxodonta africana

[18]ابن هشام: يَعْمَر.

[19]ابن هشام: 1/ 50؛ تاريخ الطبري: 1/ 442؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 62.

[20]الكامل: 1/ 445.

[21]ملامح من الأُسْطُوْرَةِ، ص 11.

[22]الكامل: 1/ 447.

[23]قُرَيْشٌ: من القبيلة، 21، 24.

[24]البقرة/ 217.

[25]بيوت الأدم: الأخبية الَّتِي تصنع من الجلد. والأخبية: ج الخِباء: خيمة من صوف تكون على عمودين أو ثلاثة.

[26]الدِّرْع: قميص تلبسه المرأة في بيتها؛ المفرج: المشقوق من قدام أو خلف، وهو مذكر، أمّا دِرْع الحديد (الأداة الحربية) فهو مؤنث. تفصح هذه المفردة (الدرع) عن علاقة كينونة ـ حسب مصطلح إريش فروم ـ مع المرأة، فالقميص المنزلي المذكر يعبر عن التقاء المؤنث والمذكر، عن الامتزاج، لا عن نزعة تملك للأنثى؛ وهذا يتطابق مع تفسير الآية القرآنية: ﴿هنّ لبَاسٌ لكمْ، وأنتم لباسٌ لهُنَّ﴾. في حين يبين تأنيث الدرع الحديدي الحاجة للمرأة بوصفها حاميةً، وأماً.

[27]الأزرقي: 1/ 174 ـ 175، 177 ـ 178، 181 ـ 182؛ الكامل: 1/ 452؛ تفسير كثير، والقرطبي، وتفسير الطبري: البقرة، 199؛ القرطبي، تفسير الطبري، والبغوي: الأعراف 31؛ ابن إسحاق؛ ابن هشام: 1/ 199 ـ 203

[28]بلوغ الأرب: 1/ 243، 245.

[29]البقرة/ 199.

[30]الأعراف/ 31، 32.

[31]إضافة ابن سعد.

[32]ابن هشام: 1/ 133 ـ 134؛ الكامل: 2/ 41؛ ابن سعد: 1/ 128 ـ 129؛ عيون الأثر: 1/ 59 ـ 60؛ مُروُج الذّهَبِ: 2/ 273 ـ 274؛ شرح نهج: 3/ 463، 471 ـ 473.

[33]العَقْدُ الاجتماعيّ أو مَبادئُ الحُقوق السياسِيَّة، جان جَاك رُوسُّو، ت عادل زُعَيْتِر، دار المعارف، مصر، 1954، ص 43 ـ 44.

[34]ابن سعد: 1/ 211 ـ 212.

[35]ابن سعد: 2/ 22.

[36]تاريخ الخلفاء، 43؛ تاريخ الطبري: 2/ 350.

[37]الصّدّيق أَبُو بَكْر، محمد حسين هيكل، دار المعارف، القاهرة، ط 11، 1990 م، ص 28.

[38]تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 326.

[39]ما يُسمى الأَشْنَاق، مفرد الشّنق: الدية، والمغارم.

[40]تاريخ الخلفاء، 48؛ أُسد الغابة: 3/ 205؛ قُرَيْشٌ: من القبيلة، 71، 166.

[41]أُسد الغابة: 1/ 549؛ د حسان: 1/ 398.

[42]تاريخ الخلفاء، 52؛ رضا، 9.

[43]ابن سعد: 3/ 172، 8/ 78.

[44]تاريخ الخلفاء/ 51، عيون الأثر: 1/ 54 ـ 55.

[45]أُسد الغابة: 3/ 209.

[46]ابن هشام: 1/ 250 ـ 251؛ أَبُو بَكْر الصّدّيق: أوّل الخلفاء الراشدين، محمّد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 ﻫ/ 1983 م، ص 10؛ دثّريني يا خديجة ـ دراسة تحليلية لشخصية خديجة بنت خويلد، د. سلوى بالحاج صالح ـ العايب، دار الطليعة، بيروت، آذار (مارس)، 1999 م، ص 89 ـ 90.

[47]الكامل: 2/ 421؛ تاريخ الخلفاء، 56 ـ 57

[48]سيرة ابن كثير؛ رضا، 11 ـ 12.

[49]ابن هشام: 1/ 398 ـ 399؛ الكامل: 2/ 56؛ أُسد الغابة: 3/ 205؛ الصّدّيق/ 34.

[50]ابن هشام: 2/ 316 ـ 317؛ تاريخ الطبري: 2/ 122.

[51]تاريخ الطبري: 2/ 233.

[52]تاريخ الخلفاء/ 133؛ ابن سعد: 3/ 269 ـ 270.

[53]أُسد الغابة: 2/ 158؛ عيون الأثر: 1/ 80 ـ 81؛ ابن إسحاق.

[54]أُسد الغابة: 2/ 157؛ ابن سعد: 3/ 380؛ رسالة الغفران، أبو العَلاءِ المَعَرِّي، دار صادر، بيروت، د. ت.، ص 356؛ ابن إسحاق باختلاف بالتفاصيل.

[55]ابن سعد: 3/ 266 ـ 267.

 

روابط ذات صلة: http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/1857-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D9%90%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A9%D9%8E-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%8E%D8%AF%D8%A9%D9%8E-%D8%AD3.html?highlight=WyJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMiLCJcdTA2NDVcdTA2MzNcdTA2NDRcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDZcdTA2NGEiLCJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMgXHUwNjQ1XHUwNjMzXHUwNjQ0XHUwNjQ1XHUwNjI3XHUwNjQ2XHUwNjRhIl0=
http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/1779-%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%83-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%AC2.html?highlight=WyJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMiLCJcdTA2NDVcdTA2MzNcdTA2NDRcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDZcdTA2NGEiLCJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMgXHUwNjQ1XHUwNjMzXHUwNjQ0XHUwNjQ1XHUwNjI3XHUwNjQ2XHUwNjRhIl0=http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/1679-%D9%85%D9%90%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8E%D9%88%D9%92%D9%84%D9%8E%D8%A9%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%90%D8%B3%D9%92%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%90%D9%8A%D9%91%D9%8E%D8%A9%D9%90-%D9%85%D9%90%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%8E%D9%83%D9%8E%D8%A9%D9%8E-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%90-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%8E%D8%AF%D8%A9%D9%8E%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%89.html?highlight=WyJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMiLCJcdTA2NDVcdTA2MzNcdTA2NDRcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDZcdTA2NGEiLCJcdTA2NDVcdTA2MjdcdTA2NDRcdTA2NDMgXHUwNjQ1XHUwNjMzXHUwNjQ0XHUwNjQ1XHUwNjI3XHUwNjQ2XHUwNjRhIl0=

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته