مالك مسلماني: ميلاد الدولة الإسلامية.. مِن الاستيلاء على مَكَةَ إلى نهاية حروبِ الرَّدةَ- ح3
الرَّحِيْل وردود الفعلِ
إصدار الأمر لأسَامةَ بنِ زَيْدٍ بقيادة حَمْلَة عسكرية
بعد حوالي الثلاثة أشهر من رجوعه من حجّه أمر مُحَمَّدٌ في (26 صفر، 11 ﻫ) بتجهيز حَمْلَةٍ إلى الشَّام، وهي آخر حَمْلَة عسكريّة يأمر بها، وغداة إصداره القرار عيّن أسَامةَ بن زَيْدٍ قائداً لها، وليس واضحاً الجهة المقصودة من هذه الحَمْلَة، وكل ما يُقال إنّ مُحَمَّداً طلب من أسامةَ التوجه صوب أُبْنَى، وهي منطقة تقع على حدود بلاد الشَّام المتاخمة للجزيرَة العربيّة؛ فتجهز المقاتلون، وتقول الرّوايَات بأن المهاجرين الأولين اشتركوا في هذه الحَمْلَة تحت قيادة أسَامةَ بنِ زَيْدٍ، وإنّ من بينهم أَبَا بَكْر، وعمرَ بن الخطّابِ، وأبا عُبيدة بن الجرّاح، وسعدَ بن أبي وقّاص.[1] وإنْ كنّا لا نرى بأنّ هذا التّفْصِيْل يملك أيّة واقعيّةٍ تاريخيّةٍ، ومن الواضح أنه أُضيف في العهد العباسيّ، في إطار الصّراع على شرعيّة المطالبة بالخِلافَة، وهذا الحَبْكُ القَصصيُّ يخدم الدّعاوى الشّيعيّة، ولا يستبعد أنّ العباسيين وظفوه خدمةً لهم، وسنرى لاحقاً السبب الَّذِي يدعونا لرفض هذا الجزء من رواية تجهيز حَمْلَة أسامة.
بينا كان المقاتلون يستعدون للحَمْلَة، بدأ المرض يلف مُحَمَّداً بقبضته، ومن الأرجح أنّه كان داء الملاريا، الَّذِي كان من أمراض المدينة المألوفة؛[2] فتباطأت وتيرة استعدادات المقاتلين، لكنّ مُحَمَّداً أصرّ على تنفيذ المهمة، وتقول الرّوايَات إنّه خرج إلى المقاتلين، عاصباً رأسه وهو لم يزل مريضاً، وحثّهم على الإسراع؛ وبالفعل غَذّ المقاتلون الخُطى للحَمْلَة، وخرج أسامة يقود جزءاً من القوات فعسكر بالجُرْفَ، وهي منطقة تقع على مشارف المدينة، وتبعد حوالي الفَرْسَخ (نحو ثمانية كيلومترات) عنها، وتتابع المقاتلون على المعسكر؛ في غضون ذلك كانت وطأة المرض تشتدّ على مُحَمَّدٍ، فقرر المقاتلون الانتظار إلامَ يئول الأمر.
في هذه الأجواء المشحونة بالقلق خرج مُحَمَّدٌ إلى المسجدِ من أجل إلقاء كلمةٍ؛ فأشاد في كلمته بأَبِي بَكْر بشكلٍ خاصٍ، وأشهرها قوله، الَّذِي ستحفظه الذاكرة أبداً: «فإني لو كنت متّخِذاً من العباد خليلاً لاتَّخذت أَبَا بَكْراً خليلاً، ولكن صحبة وإخاءُ إيمان حَتّى يجمع اللَّه بيننا عنده». ثمّ إنّه أمر بأن يصلّي أَبُو بَكْر بالنّاس؛ وأصرّ على ذلك، وسيُعتبر هذا القرار عند أهلِ السُّنّة إشارةً إلى أنّ أَبَا بَكْر هو أفضل الصّحابة على الإطلاق، وأحقّهم بالخِلافَة، وأولاهم بالإمامة.[3]
من الواجب أن نشير إلى أنّ طلب مُحَمَّدٍ من أَبِي بَكْر إمامة الناس بالصلاة لم تكن لوحدها ما دعتنا في بداية هذا الفصل لرفض أن يكون أَبُو بَكْر وغيره من كبار الصحابة مشاركين في الحَمْلَة، بل الأسس الَّتِي بنينا عليها وجهة نظرنا متعلقة بشخْصيّة أَبِي بَكْر ودوره في الحركة الإسلاميّة، وحيث لا يمكن أن يُبعد عن المدينة في فترة حرجة جداً، فترة مرض مُحَمَّدٍ.
العبَّاس وعليّ ـ مسألة الخِلافَة
في يوم الاثنين ـ يوم رحيل مُحَمَّدٍ ـ خرج عليُّ بن أبي طالبٍ من لدن مُحَمَّدٍ، فسُئل عن حال نبيّ الإِسْلامِ، فأجاب بأنّه على ما يرام، لكنّ العباس قال له بأنّه يعرف علامات الموت في وجوه بني عبد المطلب، وأقترح عليه الذهاب إلى مُحَمَّدٍ لتعيين الخليفة، أو على الأقلّ لمعرفته.
لكن علياً رفض الطلب، وقال: «إني واللَّه لا أفعل، واللَّه لئن مُنعناه لا يؤتيناه أحدٌ بعده». وتقول رواية ثانية إنّ رجلاً جاء لعليّ، وطلب منه الذهاب لمُحَمَّدٍ من أجل معرفة الخليفة، فكان جواب علي على ذاك النحو، وإن هذا الرجل اقترح على علي مبايعته.[4]
لا شك إنّ نفي صحة الرّواية، القائلة بأنّ العباس طلب من علي سؤال مُحَمَّدٍ عن الخِلافَة أمر منطقي، ومبني على الاعتبار أنّها مصنوعة من أجل الرد على ادعاءات الشيعة بأحقيّة علي؛[5] ونحن نرى أنّها جاءت تحديداً في إطار الصراع العباسيّ ـ الهاشميّ، بعد استيلاء العباسييّن على الخِلافَة، إذ تجعل الرّواية العباس صاحب المبادرة، وعلياً المتواني عن حقه، وكونه أحجم عن اقتراح عمّه، فمن حقِّ أحفاد عمّه ـ العباسيين ـ استلام زمام الأمور. ولم يجدْ الشيعة بداً من الردّ على هذه الرّواية براويةٍ توضيحيّة، فتقول رواية شيعيّة إنّ العباس اقترح على عليٍّ مبايعته أثناء جهاز مُحَمَّدٍ المتوفى، حيث سيكون المُبَايْع عمَّ النَّبِيِّ والمُبَايَع له ابن عمه، فمن يجرؤ على رفض ذلك، لكنّ عليّاً رفض ذلك، وتساءل: «أو يطمع يا عم فيها طامع غيري».[6]
لكنْ هذه الاعتبارات لا تلغي المضمون العام للرّواية فلم يكن الهاشميون ليقفوا مكتوفي الأيدي، ومُحَمَّدٌ يحتضر دون أن يحاولوا ترتيب مسألة الخِلافَة، أو على الأقل معرفة لِمَنْ تُنقل السّلْطَة، أمّا من ناحية التّفْصِيْل الرّوائي فإنّنا نوافق على رفضه، آخذين بعين الاعتبار أن الظرف الموضوعي لتلك اللّحظة؛ فعليّ لم يكن ليطلب من مُحَمَّدٍ ما هو خارج عن حدود سلطته على المجتمع الإسلاميّ آنذاك، وقد اختبر بتجربةٍ سابقةٍ صعوبة تجاوز المعايير الاجتماعية بُعيد الاستيلاء على مكة عندما طلب هو أو العباس ـ حسب اختلاف الرّوايَات ـ مفتاحَ الكعبة، ورُفض الطلبُ؛ ومن هذه التجربة كان يدرك أنّ فرصةَ بني هاشم في استلام زمام السلطة عقب وفاة مُحَمَّدٍ ضئيلةٌ. ومما لا شك فيه أنّ الصراع العصبيّ كان يحرك ومنذ هذه اللّحظة الشّخصيّات الفاعلة في المدينة وقد تجسدت في الرّوايَات العديدة والمتعارضة المضمون عن تعيين عليٍّ أو أَبِي بَكْر، وعن اقتراح العباس. وفي الحقيقة فإننا لا نجد من مجمل السّيرة العامّة لِمُحَمَّدٍ ما يوحي بأنّه كان يرغب باستخلاف هذا أو ذاك من الصحابة، وأقصى ما نجده هو إشادة بشخصيّاتٍ محددةٍ، مثل أَبِي بَكْر، وعمرَ بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وعبيدةَ بنِ الجرّاح، ولا تبلغ درجة تعيين خليفة له، كما أنّ عليّاً نفسه لم يكن يثق بإمكانية تعيينه من قِبل مُحَمَّدٍ خليفةً.
لقد أصبحت أيام مُحَمَّدٍ الأخيرة مادةً روائيةً سعى المؤرّخون الإسلاميّون إلى توظيفها، كلٌّ حسب رؤيته المذهبيّة، ولهذا فنحن نجد تفاصيل متعارضة تماماً بما يتعلق بقضيّة الكتاب الَّذِي أراد مُحَمَّدٌ كتابته، وهو على فراش المرض، ولم يتمكن من كتابته قطّ؛ إذ تقول الرّوايَات بأنّ مُحَمَّداً، وقبيل وفاته بأربعة أيام، وكانت صحته قد ازدادت تدهوراً، طلب مِمَن حواليه مادة ليكتب عليها، وعلل طلبه «أكتب كتاباً لا تضلّوا بعدي أبداً»؛ فأحدث الطلب بين المجتمعين خلافاً عن غايته، وأعادوا على مُحَمَّدٍ السؤال، وثمة من علّق بـ: «أنّ النَّبِيّ يَهْجرُ»،[7] فسألوه مجدداً عن طلبه، حينئذٍ غضب مُحَمَّدٌ إحساساً منه بالإهانة، فقال: «دعوني فما أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه»،[8] ويُنسب القول بأن النَّبِيّ يهجر لعمر بن الخطّابِ.[9] ونحن نلاحظ أن ابن سعد يورد ثلاث روايات عن هذه اللحظة الحسّاسة ترجع لابن عباس، وواحدة لأنصاريّ، ومن حقنا أن نفتقد فيها الصدق التّاريخيّ، فإمّا أنّ ابن عباس أراد نزع الشرعيّة عن أَبِي بَكْر، وقد أيده الرّاوي الأنصاريّ بسبب من تذمره من انتقال زمام القيادة إلى مهاجريٍّ، وإمّا أنّ رواتها متقربون من الدّوْلَة العباسيّة أيْ أنها مصنوعة في فترة متأخرة عن الحدث الفعلي.
من جهة أخرى نجد روايات أخرى تفيد بأنّ مُحَمَّداً أراد الكتاب من أجل أنْ يوصي بالخِلافة إلى أَبِي بَكْر، إذ «يأبى اللَّه والمؤمنون إلا أَبَا بَكْر» حسب ما تنسبه إليه هذه الرّوايَات، وفي رواية أخرى دعا مُحَمَّدٌ عبد الرّحمن بن أَبِي بَكْر، وطلب منه كتفاً من أجل أن يكتب لأَبِي بَكْر كتاباً لا يُخْتَلَفَ عليه، ووصل الأمر في إحدى الرّوايَات أن طلب من عائشةَ دعوة عبد الرّحمن بن بكر، ثم عدل عن رأيه، وقال لها: «معَاذ اللَّه أنْ يختلف المؤمنون في أَبِي بَكْر»،[10] ومن الملاحظ أنّ هذه الرّوايَات عند ابن سعد تعود كلّها إلى عائشةَ، وبالتالي إمّا أنّ عائشة قد قامت بالرد على روايات ابن عباس، وإمّا أنّ بعضاً من رواة السُّنَّة صنعوا الرّواية رداً على الرّوايات الَّتِي صنعها العباسيّون؛ ومجمل الرّوايات المتعارضة تجعلنا نرفض احتمال أنْ يكون مُحَمَّدٌ قد أراد أن يكتب اسم خليفته.
الساعات الأخيرة
لَمّا كان يومُ الاثنين من شهر ربيع الأول 11 ﻫ/ حزيران (يونيو) 632 م،[11] والمسلمون يصلّون صباحاً، اتجه مُحَمَّدٌ نحو الباب، فرفع الستر، وفتح الباب، فوقف ينظر منه، فحدث اضطرابٌ بين المصلين، فأشار إليهم أنْ تابعوا الصلاة، ثم تبسّم سروراً وهو يتأمّل هيئة أتباعه المصلين. كان مُحَمَّدٌ يشع وهجه الأكثر تألقاً ككلِّ نجمٍ يوشك على الانطفاء، وقد وصف أنس بن مالك هذه الإشراقة بقوله: «و ما رأيت النَّبِيّ أحسنَ هيئة من في تلك الساعة». ثم رجع، وانصرف الناسُ وهم يعتقدون أنّ مُحَمَّداً قد برئ من مرضه.
حوالي الظّهْر من ذلك اليوم، خبت شعلة لطالما أنارت الطريق لحركة الإسلام، لقد خمدت روحُ مَنْ قاد صُنَّاع فجرٍ جديدٍ لبلاد العرب، في ذلك اليوم غادر نبيُّ الإسلام العالم الأرضي عن عمرٍ يتجاوز الستين: ستون سنة، ثلاث وستون سنة، خمس وستون ـ حسب مختلف الرّوايَات.[12]
أَبُو بَكْر يتحرك لطمأنة النّاس
بالرّغم من أنّ مُحَمَّداً عاش أيامه الأخيرة وهو يحتضر إلّا أنّ البعض لم يكن مستعداً بعد للتعامل مع حقبة ما بعد وفاته، وقد ظهر ذلك جلياً عندما وقف النّاس يراقبون بقلقٍ عمرَ بن الخطّابِ الَّذِي رفض تصديق موت مُحَمَّدٍ.
كان عمرُ بنُ الخطّابِ قد دخل على مُحَمَّدٍ مع المُغيرة بن شُعْبة، وشاهد جسدَ مُحَمَّدٍ بلا حراكٍ، فظنّ أن ذلك غَيْبُوْبَةً، فقال: «وَا غَشْيَا! ما أشدّ غَشْيَ رسول اللَّه»، لكنّ المغيرة أكّد له بأنّ مُحَمَّداً قد مات، فرفض عمر قولَه، واتهمه بالنفاق.
كان إصرار عُمرَ على أنّ مُحَمَّداً حيٌّ شديداً، فخرج إلى النّاس شارحاً لهم بأنّ مُحَمَّداً غائبٌ ليس إلّا، وأنّه سيرجع كما رجع موسى بن عمران، وأنذر القائلين بموته: «واللَّه ليرجعنّ رسولُ اللَّهِ كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّه مات»؛ وكانت وجهة نظره مستندة إلى تفسيره الخاص للآية القرآنية: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الْرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾،[13] وكان يظن ـ حسب فهمه لها ـ بأنّ مُحَمَّداً سيبقى في أمَّته حَتّى يشهد عليها بآخر أعمالها كما فسر ذلك لاحقاً.[14]
وصل نبأ موتِ مُحَمَّدٍ أَبَا بَكْر، وكان موقف نخبة المهاجرين كالتالي: عُمَرُ يخطب بالنّاس ويقول إنّ مُحَمَّداً لم يمت، وعثمان ملتزم بالصمت، وعليّ بعيد عن دائرة الفعل، ولا يوجد من يتحرك لطمأنة الناس إنْ من نخب المهاجرين أو من نخب الأنصار.
اتجه أَبُو بَكْر إلى بيت عائشة حيث مات فيه مُحَمَّدٌ، ومُحَمَّد مُسجّى، فعاينه، ثم خرج وعمر يبسط على المجتمعين رؤيته، فطلب من عُمرَ الإنصات، لكنَّ عمرَ بقي يتابع حديثه، وعند ذلك توجه أَبُو بَكْر إلى المحتشدين يريد خطابهم، فلمّا شاهدوه اتّجهوا إليه، وتركوا عمرَ، فقال:
«أيّها النّاس، إنّه مَنْ كان يعبد مُحَمَّداً فإنّ مُحَمَّداً قد مات، ومَنْ كان يعبد اللَّه فإنّ اللَّه حيٌّ لا يموت». ثم أضاف لحديثه نصيْن قرآنييْن: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الَّرسُلُ، أفإنْ مَاتَ أو قُتِلَ انقَلَبْتُمْ على أَعْقَابِكم، ومَنْ يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شيئاً، وسيجزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾،[15] و: ﴿ومَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلدَ أَفإنْ متَّ فَهُم الخَالِدُونَ، كُلُّ نُفْسٍ ذائقةُ المُوْتِ﴾.[16] وتضيف رواية أخرى الجزء التالي للخطاب:
«إنّ اللَّهَ قال لنبيّه: ﴿إنّك ميّتٌ وإنّهم ميِّتون، ثُمَّ إنّكم يومَ القيامةِ عِندَ ربِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾،[17] ثم تابع:﴿وما مُحَمَّد إلّا رسُولٌ..﴾ إلى آخر الآية 144 من سورة آل عمران. وتابع كلمته، قائلاً: «فمن كان يعبدُ مُحَمَّداً فقد مات إلهه الَّذِي يعبُده، ومَنْ كان يعبد اللَّه لا شريك له، فإنّ اللَّه حيٌّ لا يموت».[18]
كان وقع كلمات أَبِي بَكْر شديداً على النّاس، وأكثر ما أثار دهشتهم كما تتحدث الرّوايَات هو أنّ الآيات الَّتِي استشهد بها أَبُو بَكْر كانت غيرَ معروفةٍ لهم، وفي الحقيقة فإنّ ذلك لا يدعو للاستغراب لأنّ من كان بعيداً عن دائرة مُحَمَّدٍ، وغير مشاركٍ في صنع قرارات الحركة الإِسْلاميّة المصيريّة أولى به ألّا يعرفها إذا كانت شخصيّة مقرّبة من مُحَمَّدٍ، وفاعلة في المجتمع كعمرَ بنِ الخطّابِ على غير علم بها، وقد علّق عمرُ على النّصوص الَّتِي استشهد بها أَبُو بَكْر بأنّه لما سمع بها أقرّ بحقيقة وفاة مُحَمَّدٍ، ووقع على الأرض لا تحمله رِجْلاه؛ ولم يكن عمرُ وحيداً بل إنّ جماعةً من أصحاب مُحَمَّدٍ أكدت جهلها بهاتيْن الآيتيْن، وقالوا إنهم لم يكونوا يعلموا بهما حَتّى قرأهما أَبُو بَكْر.[19] ولعل الشكوك كانت تساورهم لبعض الوقت بأنّ أبا بكر هو من ألفهما.
اجتماع السَّقِيْفة
الأنصار يسارعون لمناقشة قضيّة فراغ السُّلْطَة
صارت المدينة بعد وفاة مُحَمَّدٍ بلا زعيمٍ يشرف على إدارة شئونها، وكان الأنصار هم أوّل من شعر بضرورة إملاء الفراغ الناشئ عن رَحِيْله، كانت هذه المسألة شديدة الخطورة بالنّسبة إليهم، بحكم أنّها تتعلق كلياً بمدينتهم، والشخصيّة التي ستشغل موقع السُّلْطَة هي التي ستقود المدينة، ومصيرهم سيكون مرتبطاً بشكلٍ كبيرٍ بها، ولهذا كان الأنصار هم أوّل مَنْ تحرك لمناقشة قضية فراغ السُّلْطَة، وجثمانُ مُحَمَّدٍ ما زال مسجىً.
لم تكن قد مضت سوى سُوَيْعات على موت مُحَمَّدٍ حَتَّى جاءت جموع الأنصار تَتْرَى إلى سقيفة بني ساعدة؛ وبنو ساعدة ينتمون للخزرج، وكانت سقيفتهم مكاناً يجتمعون فيه حين تستدعي الظروف تداول الرأي فيما بينهم، وهي بمنزلة دار الندوة التي كانت لقريش في مكَّة. كان الاجتماع يهدف لمناقشة الحدث الخطير في حياة يثرب، واتخاذ قرارٍ سريعٍ بصدد كيفيّة التعامل مع الحالة الناشئة للتو في بلدهم، كما تقاطر المسلمون من كلِّ صوبٍ مِنْ أجل متابعة مجريات الاجتماع، والنظر إلامَ يفضي النقاش المرتقب بين نخبة المهاجرين والأنصار.[20]
كان خُزَيْمَةُ بن ثَابِت، وهو أوسيّ من بني خطمة أوّل من تكلّم من الأنصار في الاجتماع، فطلب من اليثاربة الحاضرين الإجماع على مرشحٍ واحد يكون ذا نفوذٍ، ويتمتع بالهيبة الضروريّة، والكفيلة بفرضه على القرشيّيّن من جهة، ويقبل به عموم الأنصار من جهة ثانية؛ فاتفق المجتمعون اليثاربة على سَعْدِ بنِ عُبَادةَ؛ مما سبب انزعاجاً واضحاً في صفوف المهاجرين المتواجدين.
على أنّ ترشيحَ سعدٍ لم يحظَ بإجماعٍ مطلق من الأنصار، بل كان معسكرهم يفتقد وحدة الموقف ومنذ البداية، حيث كان واضحاً وجود تيار في صفوف اليثاربة يدرك ضرورة الإسراع بشغل موقع السُّلْطَة الشّاغِر، خوفاً من خسارة المكتسبات التي بدأت تلوح في الأفق لصالح المدينة، وقد مثّل هذا التيار مَالكُ بن التَّيِّهان (أَوسي)، الَّذِي قدم نصيحته بأنْ تكون الخِلافَة بيد قرشيّ عموماً، أو في بني هاشم؛ وبخلاف ذلك فسوف يتعرضون للهلاك بسبب الوَضْع العام في الجَزِيْرة العَرَبِيّة، والمتمثل بوجود حركات ذات طابع دينيّ بقيادة طُليحة بن خُويلد الأسدي بنجدَ، ومسيلمة بالْيَمَامَةِ، وكي لا تتخلى القبائل العربيّة عن ولائها للدين الجديد،[21] وكان المقصود بالطبع الخوف من أنْ تتخلى القبائل عن خضوعها لهم؛ ولم يكن الخوف من خسارة المكتسبات العاملَ الوحيد الَّذِي حدا بهذا التّيار لتبني هذا الموقف، بل كانت ثمّة دوافع تتعلق بالعلاقة بين الأنصار أنفسهم دفعت بهذا التّيار للإحجام عن تأييد سَعْدِ بنِ عُبَادةَ، والدّعْوة إلى نقل السُّلْطَة لقرشيّ، وفيما بعد سنرى العوامل التي حفزت هذا التيار على سلوك هذا الموقف المنافح عن تنصيب قرشيٍّ.
في بدء الاجتماع طالب أنصار آخرون (أُسيد بن حَضير الأوسي، وبَشير بن سَعْد الخزرجيّ، وعُوَيم بن سَاعِدَة الأوسيّ، ومَعْن بن عَدِيّ من ضُبَيعة) بعدم اتخاذ قرار بشأن المرشح للخلافة، بل التريّث لمعرفة وجهة نظر قريشٍ، وقبول مرشحها الَّذِي تختاره؛[22] في حين طالب بقية المجتمعين بدعوة سَعْد بن عُبَادةَ، الَّذِي كان مريضاً، والَّذِي سيخرج إليهم فعلاً، ثم جلس بينهم ملتفاً بكساء، فشرع يتكّلم، وينقل واحد من أقربائه ما يقوله للحاضرين، ويُعتقد أنّ قيساً ـ ابنه ـ هو من كان ينقل كلامه للنّاس.[23]
في خطبته قدم ابن عُبَادة تحليلاً لمسار الدّعْوة الإسلاميّة، وقسمها إلى مرحلتيْن؛ الأولى تبشيريّة ـ سلمية في مكَّة حيث كان مُحَمَّدٌ يبحث عن المؤمنين وحسب، ولم يتمكن فيها إلّا من كسب عددٍ قليل منهم؛ مما لم يَحُلْ بينه وبين نشر الإسلام في مكَّةَ وحسب، بل حال بين المسلمين، وبين حماية أنفسهم من تعديات القرشيّين؛ والمرحلة الثّانيّة مقاتلة، عندما وجد محمّدٌ في اليثاربة أنصاراً مؤمنين برسالته السماويّة، فانتقل إلى يثربَ، حيث وجد هو والمسلمون المهاجرون فيها الحماية، والملاذ الآمن لهم، كما عثر مُحَمَّدٌ على المؤمن المقاتل في المدينة، والَّذِي غيّر مسار الحركة الإسلاميّة وفتح أمامها سبلاً غير مطروقة من قبل؛ فصار الأنصار ذراع محمّدٍ الضّاربة، وأصبحت يثرب حصن المسلمين المتين، وبفضل اليثاربة فقط تمكّن محمّدٌ من تحقيق انتصاراته، وأقرّت له القبائل العربيّة، إنْ طوعاً أو كرهاً؛ ولهذه الأسباب دعا سعدٌ الأنصار إلى أنْ يتولوا زمام الأمور دون تردد.
أيد المجتمعون اليثاربة فحوى خطابه، واقترحوا بحضوره ترشيحه مجدداً. ونتيجة لذلك فُتح باب النقاش حول احتمالات ردود فعل المهاجرين على صدور قرار أحادي الجانب من قِبَل الأنصار يقضي بتنصيب سعدٍ، دون التشاور معهم في المسألة.
دار النقاش أولاً عن الموقف الواجب اتخاذه في حال جادل المهاجرون بأنَّ مُحَمَّداً قرشيّ، وأنهم ينتمون لعشيرته، وأنّه لا يجوز لأحد أن ينازعهم أحقيّة الخِلافَة، فكانت ردود طائفة منهم: «في هذه الحالة، نطالب بتعيين أميريْن: واحدٍ من المهاجرين، والأخر من الأنصار».
أدرك ابن عُبَادة ضعف جبهة الأنصار وأنّ قومَه لا يقفون موقفاً منسجماً، وهذا علامة جلية على ضعف إرادتهم السِياسِيّة، فقال معلقاً على اقتراح مبدإ الأميريْن: «هذا أوّل الوهن!».[24]
انضمام نخبة المهاجرين للاجتماع
في هذا الأثناء كانت نخبةُ المهاجرين غائبةً بالكامل عن السَّقِيْفة، وتوزعت هذه النخبة إلى فئتيْن: الفئة الأولى، وضمت عليّ بن أبي طالبٍ، والزّبير بن العوام، وطلحة بن عبيد اللَّه، وكانوا وقتها في بيت فاطمة، والفئة الثانية كانت في منزل مُحَمَّدٍ حسب بعض الرّوايات، واشتملت على أَبِي بَكْر الذي اجتمع إليه بقية المهاجرين، كما انضم إلى هذه المجموعة أُسيد بن حَضير في بني عبد الأشهل؛[25] وهم بطن من الأوس، فتعززت قوة فئة المهاجرين الثانية بالمقارنة مع الفئة الأولى، لكن علينا أن نفترض أن انضمام أُسيد كان بعد اجتماع السَّقِيْفة، لأنّه كان حاضراً في الاجتماع قبل وصول أَبِي بَكْر وصحبه كما يتضح من بداية الحوار الَّذِي دار بين الأنصار، والإشكال لا يحل إلّا إذا افترضنا أن البتَّ بقرار تعيين سعدٍ أُرجئ لبعض الوقت للتشاور، أو أن أُسيداً انسحب لأسبابه الخاصة، وسنرى لاحقاً أن الفرض الثاني أدنى للحقيقة.
لم يكن عُمرُ حاضراً مع الفئة الثّانية، ولم تشر الرّوايات إلى مكان وجوده، لكن الرّوايات تجمع على أنّه علم بالخبر من مصدر لم تعيّنه الرّوايات أيضاً، وينفرد ابن أبي الحديد بالقول إن مَعْن بن عَدِيّ هو مَنْ أوصلَ الخبرَ إليه؛ ويبدو أن السبب يعود إلى أن عُوَيم بن سَاعِدَة، ومَعْن بن عَدِيّ كانا على علاقة جيدة بأَبِي بَكْر، وبنفس الوقت كانا على علاقة عدائية مع سَعْد بن عُبَادةَ؛ وقد رفض عُوَيم بن سَاعِدَة بشدة في بدء الاجتماع تعيين سعدٍ، فتعرضّ لشتم الأنصار، وطُرد، فانطلق مسرعاً حَتَّى أنضم إلى أَبِي بَكْر؛[26] في حين أن الرّوايات الأخرى لا تعطي هذا الدور لهما وتكتفي بالقول بأن أَبَا بَكْر وعمر وبينا كانا في الطريق إلى السَّقِيْفة التقيا بهما، وعندها حثاهما على الإسراع.
ما إنْ علم عمرُ بالخبر حَتَّى سارع إلى أَبِي بَكْر فأعلمه نبأ اجتماع الأنصار في سَقِيفة بني ساعدة، وأنّ الاتجاه الغالب في صفوف الأنصار يميل لتَوْلية سَعْدِ بنِ عُبَادةَ زمام السُّلْطَة؛ وأن الاتجاه الأقّل تشدداً في صفوفهم يطالب بأنْ تكون السُّلْطَة منقسمة بين أميريْن: أنصاري وقرشيّ؛ فتوجها مسرعين نحو السَّقِيْفة، وتوجه معهم أَبُو عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ، ولا نعرف كيف أنضم إليهما، أعن طريق الصدفة أم أخذاه معهما، لأنّه لم يكن حاضراً مع أَبِي بَكْر، ومن المرجح أنّهما أرادا اصطحابه معهما لتقوية موقع القرشيّين بوجود الشخصيّات النافذة، وصحب الثلاثة جماعة من المهاجرين،[27] ويضم النوبختي للثلاثة المغيرة بن شعبة الثقفي.[28]
وصل أَبُو بَكْر وصحبه إلى مكان الاجتماع، فرانَ على السَّقِيْفة صمتٌ لبعض الوقت. ثم إن ثَابِت بن قَيْس بن شَمَّاس (الخزرجي) قام بقطع حبل الصمت، فذكرهم بأنّ مُحَمَّداً أقام بمكَّة على الأذى والتكذيب، وأنّ الأنصار قد استضافوا المهاجرين، وقاسموهم الأموال، وقدموا لهم المأوى، وإنّ اللَّهَ قد ذكر فيهم: ﴿الَّذِينَ تبوّءوا الدَّار والإيمان مِن قَبْلِهم يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إليهم ﴾،[29] وكما ذكّرهم بأنّ مُحَمَّداّ ذكر فيهم فضائل شريفة، وختم حديثه بملاحظة أنّ مُحَمَّداً لم يعيّن رجلاً بعينه خليفةً، ولهذا فإنه يرى أنّ الأنصار هم أصحاب الحق بالإمامة [30] على أساس دورهم الَّذِي لا يُستَهان به في الحركة الإسلاميّة. ويمكن أنْ نلاحظ أنّ مضمون خطاب ثابت مشابه لمضمون خطبة سَعْدِ بنِ عُبَادةَ والتي أُلقيت قبيل قدوم أَبِي بَكْر وعُمرَ مما يدلّ على أنّ نقاشات موسعة كانت تجري قبيل وفاة مُحَمَّدٍ بين نخب الأنصار، وقد توصلوا إلى رأيٍ مشتركٍ كما تعكسها وحدة مضمون كلماتهم في الاجتماع.
أراد عُمَرُ أن يتكّلم، فاستمهله أَبُو بَكْر، وطلب الكلام، وشرع بخطاب لا يمكن التقليل من قيمته الدبلوماسيّة؛ فأقرَّ للأنصار بدورهم الفعّال في الحركة الإسلاميّة، واعترف بفضلهم، حيث لم يترك شيئاً يتعلق بالأنصار قرآنيّاً، وذكره مُحَمَّدٌ إلاّ وذكره هو نفسه؛[31] لكنّه تابع شارحاً أنّ العربَ لا يمكن أنْ تقبل تَوْليَة أمرٍ بهذا الأهميّة لغير قرشيّ، بسبب النفوذ السِياسِيّ والمعنويّ الَّذِي بحوزة قريشٍ؛ فانطوت عبارات خطابه على تحذيرٍ من خطر انهيار الإنجازات التي حققتها الحركة الإسلاميّة في حال آلت مقاليد الأمور إلى غير قرشيّ. وبعد أن أنهى خطبته اقترح عليهم انتخاب عمر أو أبي عبيدة بن الجراح.[32]
الجدل بصدد كلمة أَبِي بَكْر
بدأ الجدل بشأن كلمة أَبِي بَكْر عندما قام ثابت بن قيس، فسأل المهاجرين إنْ كانوا يوافقون على مضمون كلمة أَبِي بَكْر، فأجابوه بنعم. عند ذلك نقد ثابتٌ المهاجرين وأَبَا بَكْر سويةً، وقد تمحور نقده على اقتراح سابق للمهاجرين بترشيح أَبِي بَكْر لمنصب الخِلافَة ـ كما تشير مُحاجّة ثابت ـ، وقال لهم بأنّهم رشّحوه استناداً إلى أنّ مُحَمَّداً طلب منه إمامة الصّلاة في فترة مرضه، وأنّهم فهموا هذا كاستخلاف له، فإذا كان هذا الكلام صحيحاً فإنَّ اقتراح أَبِي بَكْر بتعيين عمرَ أو أبي عبيدة فيه مخالفة صريحة للقرار النَبَوِيّ، أو أنّ المهاجرين قد افتئتوا على نبيّهم عندما حمّلوا إمامة أَبِي بَكْر الصّلاة معنىً أوسع مما قصد إليه مُحَمَّدٌ، وبهذه الحجة شكّك ثابت بنزاهة المهاجرين بعد أنْ وافقوا على كلمة أَبِي بَكْر، وتراجعوا عن موقفهم الأوّل الداعي إلى تعيين أَبِي بَكْر.
استمرّ النّقاش مفتوحاً فأقترح المهاجرون أنْ يكون الأميرُ منهم، على أنْ تُناط مسئوليّة معونته بالأنصار؛ لكن الحُبَاب بن المُنْذرِ بن الجموح (خزرجيّ) رفض هذا الاقتراح، وأعاد وجهة نظر الأنصار بأنّ انتصار الإسلام كان بفضل سيوف الأنصار،[33] ثُمّ طلب من الأنصار حسم قرارهم لوحدهم، وذكّرهم بأنّهم هم أهل المدينة، وأنّ المهاجرين ضيوفٌ عليهم، ولن يتجرأ أحد منهم على تحديهم، أو مجابهتهم، بما يملكون من «عدد، ومنعة، وتجربة، وبأس، ونجدة»، وإنّ القرار النّهائيّ يعود للأنصار وحدهم، بشرط المحافظة على وحدة صفهم، وإذا رفض المهاجرون هذا القرار، فأقلّ ما يقبل به الأنصار أميريْن.[34]
جاء رفض اقتراح الأميريْن من قبل أنصارييْن هما: أُسيد بن حَضير، وبَشير بن سَعْد (خزرجيّ)ـ اللذين دعوا لترك الأمر لقريش من قبل ـ، وحاجا باستحالة وجود أميريْن في بلدٍ واحدٍ، فرد الحُبَاب عليهما بأنّه أراد عزّ الأنصار بهذا الاقتراح.[35] كذلك جاء رفضُ المهاجرين لاقتراح الأميريْن على لسان عُمرَ، الَّذِي أكد استحالة إدارة بلد واحد من قبل قائديْن، وعاد فذكر مضمون خطاب أَبِي بَكْر بصدد ضرورة قرشيّة الخليفة، وخصوصاً أنّ مُحَمَّداً قرشيّ، وهذا يمنح الخليفة القرشيّ المرتقب حجةً بوجه رفض القبائل العربيّة المحتمل.
حث الحُبَاب بن المُنْذرِ الأنصار على التماسك، ورفض وجهات نظر عُمرَ وغيره من المهاجرين، لئلا تضيع منهم السُّلْطَة، ودعا لإجلاء المهاجرين عن المدينة في حال رفضهم الإقرار بحقِّ الأنصار بالخِلافَة أو في المشاركة فيها، وحثّ قومه على أخذ زمام المبادرة لأنّ فضل خضوع من خضع للإسلام يرجع للأنصار؛ ثم انتضى سيفه، وهدّد بإشعال الموقف بقوله:
«أما واللَّه لئن شئتم لنعيدنّها جَذَعَةً،[36] وواللَّه لا يردّ أحدٌ علي بعد هذا إلا خطمت أنفه بالسيف»؛ فرد عليه عمرُ، وقال له: «إذاً يقتلك اللَّه!»، فأجابه الحُبَاب: «بل إياك يقتل!»؛[37] ويمكن أن نفترض أنّ العلاقة غيرُ الوديّة التي كانت بينهما بسبب منازعة جرت في حياة مُحَمَّدٍ [38] لا نعرف سببها كانت السبب المباشر الَّذِي جعل النقاش حاداً بينهما؛ فصار عُمَرُ والحُبَاب نقطةَ صدامِ وجهتيْ نظر الأنصار والمهاجرين، مما هدد بقلب الأمر رأساً على عقب.
بعد ذلك حاول عُمرُ التخفيف من حدة النقاش، فشرع يناقشهم بلغة مشوبة بالرفق، ويحذرهم من أن يكونوا سبباً لحدوث انشقاقات داخل المجتمع الإسلاميّ، وأنْ يسببوا تفتت الحركة الإِسْلاميّة، كما ادعى أنّ سعداً فاقدٌ لأهليّة القيادة؛ فرفض ثابت قوله فوراً، وأكد أهليّة سعد لها، وأضاف أنّ ما يزيد من أهليّته أنّه في بلده، بينا المهاجرون في ضيافته.
اشتدّ التوتر بين المهاجرين والأنصار، وبدا كأنّ معركةً ستنشب بينهما؛ فوثب مَعْن بن عَدِيّ ـ الحليف السريّ للمهاجرين ـ فسكّن الحضور،[39] وتدخّل أبو عُبيدة، وطلب من الأنصار ألّا يكونوا أوّل من بدّل وغيّر وهم أوّل من نصر وآزر.
كما قام بَشير بن سَعْد بن بشير، فقال لقومه الأنصار، إن كفاحَهم مع المهاجرين كان بسبب العقيدة الإسلاميّة، وإنّ مُحَمَّداً قرشيٌّ، و«قومه أحقُّ به وأولى»،[40] في حين طلب زَيْد بن ثَابِت (الخزرجي) من قومه أنْ يبقوا أنصاراً للمهاجرين كما كانوا أنصاراً لمُحمَّدٍ المهاجر القرشيّ.[41]
هنا ينهض أَبُو بَكْر ويقترح مجدداً مبايعة عمر بن الخطاب، أو أبي عبيدة؛ فيرفض عُمرُ الاقتراح ويلحّ على البَيْعَة لأَبِي بَكْر. ثم إنّ عمرَ وأبا عبيدة يمما وجههما شطر أَبِي بَكْر لمبايعته، فإذا ببَشير بن سَعْد يسارع إلى بيعته، فيسأله الحُبَابُ والمرارة تنضح من كلماته: «أنَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة!»؛ وبهذا يكون بَشير بن سَعْد أول من بايع أَبَا بَكْر [42] رغم كونه خزرجياً، ويعود هذا إلى عداوة مستحكمة بينه وبين سَعْد بن عُبَادةَ دفعته لتأييد أَبِي بَكْر.[43]
إسراع الأوس للبَيْعَة
لاحظنا أنّ معسكر الأنصار لم يكن متماسكاً، والسبب يعود إلى أنّ الأوس لم يدعموا ترشيح سَعْد بن عُبَادةَ خوفاً من أن تُضاف أفضليات لخصومهم القدماء ـ الخزرج ـ في حال انتقال القيادة إليهم، وخوفهم من أن يستأثروا بالقيادة أبداً؛ فسارعوا لبيعة أَبِي بَكْر، بتشجيع أُسيد بن حَضير. عند ذلك تضعضع موقف سَعْد بن عُبَادةَ، والخزرج، وكان الَّذِي شجّع الأوس على الإقدام على البَيْعَة لأَبِي بَكْر أن بَشير بن سَعْد قد بايع وهو شخصية خزرجيّة بارزة، مما جنّب الأوس المجابهة مع الخزرج. ويبدو أن قبيلة أسْلَم البدويّة تحركت بدورها للمشاركة في اختيار الخليفة حَتَّى تضايَقَت بهم الطرق المؤديّة للسقيفة؛ فأعلنت تأييدها لاختيار أَبِي بَكْر، وقد علّق عمرُ لاحقاً على مبايعتها، قائلاً: «ما هو إلّا أنّ رأيتُ أسْلَم، فأيقنت بالنّصر». لن تغفر لها مدرسة المدينة في التاريخ مشاركتها فتورد روايةً تفيد بأنّ معاوية بن أبي سفيان لما حجّ نظر إلى بيوت أسْلَمَ شوارع في السّوق، فقال: «أظْلِموا عليهم بيوتهم أظْلَمَ اللَّه على قبورهم قتلةَ عثمان».[44]
سارع المهاجرون الحاضرون إلى بيعة أَبِي بَكْر من غير أن يُطلب منهم ذلك؛ فنتج ازدحام جراء تدفق الناس للبيعة، وكاد المزدحمون يطئون سَعْد بن عُبَادةَ بأرجلهم، فحذر رجل من الأنصار أن يؤدي ذلك إلى مصرعه، بسبب مرضه الشديد؛ فقال عمر: «اقتلوه قتله اللَّه!»؛ إلّا أنّ أَبَا بَكْر طلب منه التحلّي باللين فهو أكثر فعاليةً في هذا الظرف.[45]
كان الحُبَاب بن المُنْذرِ أكثر الأنصار غضباً لما تمخض عنه الاجتماع، فاستلّ سيفه من غمده، لكنّ الأنصار طوقوه ومنعوه من فعل أي شيء، وحاولوا تهدئته، فقال: «أتسكنونني وقد فعلتم ما فعلتم؟ أما واللَّه وكأنّي بأبنائكم وقد وقفوا على أبوابهم يسألون الناس الماء فلا يُسقون».[46]
مع سيطرة الأنصار على الحُبَاب انتهى اجتماع السَّقِيْفة بتولية أَبِي بَكْر خليفةً لِمُحَمَّدٍ، وزعيماً للحركة الإسلاميّة، وعند هذا المفصل في تاريخ الإسلام يمكننا أن نحدد منعطفاً كبيراً في تاريخ الحركة الإسلاميّة، وقفزة في مسارها. وسيبقى اجتماع السَّقِيْفة مادة للنقاش والتأويل عند مختلف التيارات، والاتجاهات الفكريّة للإسلام؛ لكنّنا نعتقد أنّ كل نقاش للسقيفة يجب أن يكون في إطار دارسة شاملة لجذور هذه اللحظة التاريخية، ويهدف عملنا الحالي إلى تقديم المادة التاريخيّة وفحصها للخروج منها بأجوبة عن ميلاد الدّوْلَة الإسلاميّة، أما الجوانب المتعلقة بالقراءة السِياسِيّة للاجتماع، وكيف وُظفت مختلف القراءات في سياق الصّراع السِياسِيّ المذهبيّ فهي خارج نطاق الكتاب الحالي، وإنْ كان كتابنا سيوفر المادة التاريخيّة الضروريّة لأيّة معالجة من هذا القبيل.
في هذا السياق يجب أن نشير إلى أنّ طه حسين يرفض تفاصيل الاجتماع؛ أولاً، لأنّ الرّوايات قد دُونت بعد انقضاء عهد الخلفاء الراشدين؛ ثانياً، إنّ نقل الرّوايات تم مشافهةً، وقد لعبت الذاكرة دوراً في تشويه الأحداث، ثم يتساءل طه حسين في إطار نقده تفاصيل الاجتماع: «فغريب أن تعود إليهم جاهليتهم بكل ما كان فيها من الحقد والحسد والموجدة فجاءة في اليوم نفسه الَّذِي قُبض فيه النَّبِيّ»، ويتابع: «ما ينبغي أن ننسى أنّ من الرّواة من كانوا من الموالي الَّذِي لم تبرأ قلوبهم من الضِّغن على العرب».[47]
في الفصل التالي سنفحص طبيعة علاقات الأنصار الداخليّة في إطار دراستنا للعوامل التي أوصلت أَبَا بَكْر إلى سدة القيادة، وسنرى إنْ كانت وجهة النظر هذه تستند إلى معيار النقد التاريخيّ أم إلى رغبة في قسر التاريخ وفق رؤى محددة، وفقط بعد دراسة عوامل نجاح أَبِي بَكْر يمكننا رفض هذه الرؤية أو قبولها؛ لكن علينا أن نلاحظ: أولاً، إن تفاصيل الاجتماع لم ترد عند مؤرخين معادين للسلطة الإسلاميّة، بل عند مؤرخين مسلمين لا يبغون تشويه تاريخ الإسلام المبكر بجملته، والَّذِين شوهوا الحقائق التاريخية، فإنهم قاموا بعملهم لحساب موقف مذهبي أو عصبي، أي إنّهم شوهوا جزءاً من التاريخ، وليس كل التاريخ. شهروا بشخصيات بعينها، لا بجميع الشخصيات؛ ثانياً، نلاحظ أن الواقدي يسهب في ذكر تفاصيل الاجتماع، وهو من مؤرخيّ مدرسة المدينة، ومن دون شك لم يكن الواقدي يرغب بتشويه صورة أنصار العهد المحمّديّ ـ أجداد معاصريه.
إن الواقدي والطبري وغيرهما من المؤرخين تمكنوا من تدوين التاريخ دون هواجس عقائديّة، فقدموا لنا مادةً غنيةً ما زلنا ندرسها، ونعيد دراستها على ضوء مناهج البحث الاجتماعيّة المختلفة، وإذ نظرنا إليهم حسب ظروف عصرهم فإنّهم كانوا أكثر جراءةً من معاصرينا، إذ لو كان الواقدي، المؤرخ الكبير لمدرسة المدينة ينظر إلى الاجتماع نظرة طه حسين لما حدثنا عنه بإسهاب، وعلى ما يبدوا فإنّه كان يدرك جيداً حقائق النفس البشريّة، وطبيعة الحياة العمليّة، فلم يرَ غضاضة في روايته لمجريات اجتماع السَّقِيْفة لأنّه كان يروي عن الحياة الواقعية، لا عن المتخيل، أو المأمول.
عوامل نجاح أَبِي بَكْر
1 ـ تفكك مُعَسْكَر الأنصار
كان مرشّح الخزرج ـ سَعْد بن عُبَادة، يملك حظّاً وافراً لتقلّد منصب الخِلافَة بسبب النّفوذ الَّذِي كان يملكه في يثرب العهديْن: القبل مُحَمَّديّ، والمُحَمَّديّ، ومع ذلك أخفق مسعى الَّذِين أرادوه خليفةً. كان إخفاقهم راجعاً إلى عدّة عوامل: وأولهما، إنّ معسكر الأنصار لم يكن موحداً في قضية دعم ترشيحه بسبب افتقاده للتناغم الاجتماسيّ بين جزئيه المكونيْن ـ الأوس والخزرج ـ، فباء ترشيح ابن عُبَادة بالفشل، وسبب فشله الرئيس هو رفض الأوس له، ووجود شخصيّات خزرجيّة معادية له، ويعود عداء هؤلاء اليثاربة إلى طبيعة العلاقة الداخليّة الَّتِي كانت تحكم حياة الأنصار الاجتماعيّة قبل الهجرة، والَّتِي تكّونت في مجرى تاريخهم المشترك.
الأصول
الأنصار لقب قبيلتيْ الأوس والخزرج، وقد لُقبوا بالأنصار من قِبل مُحَمَّدٍ لاستقبالهم مهاجري قُرَيْش المسلمين، ونصرتهم حركة الإِسْلام، وتعود أصول هاتيْن القبيلتيْن إلى اليمن. ومن الملاحظ أنّ انْحِدار القبائل من اليمن كان تفسيراً نموذجيّاً (تاريخيّاً، أو أسطوريّاً) يتكرر في كل مرة عند الحديث عن أصول قبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وفي هذا النّموذج نجد أنّ اليمن منبع القبائل العربيّة؛ ولأنّ موضوع جذور القبائل العربيّة في الجزيرة العربيّة خارج عن نطاق بحثنا فإنّنا لم نفحص إمكانّية تطابق هذا النّموذج مع الواقع التاريخيّ من جهة، وما إذا كان ينطبق على كل القبائل في الجزيرة العربية.
حسب هذه الرِّوايَات فإنّ هجرة الأوس والخزرج كانت مع بدء سد مأرِب بالتصدع، والَّذِي إمّا كان نذيراً بانحطاط الحضارة في الزاوية الجنوبيّة ـ الغربيّة من الجَزِيْرة العَرَبِيّة، وإمّا كان يعود إلى تحول الطرق التّجَارِيّة وما نتج عنه من انخفاض لمستوى المعيشة، فأدى على المدى الطويل إلى انهيار السد حسب رأي المستشرقين، وقد غادرت هاتان القبيلتان اليمنَ ضمن هجرة كبيرة، تفرق بعدها النازحون في أجزاء الجَزِيْرة العَرَبِيّة، فسكنت خُزاعة الحِجاز، والأزدُ عُمان، وسكنت آل جفنة من غسّان الشّام، واتجهت آل جذيمة الأبرش نحو العراقبينا وصل الأوس والخزرج يَثْرب.[1]
كان ثمّة قبائل يَهُوْديّة تسكن يثرب؛ منهم قُرَيْظة، والنّضير، وبنو قَيْنقاع، وبنو ماسلة، وزعورا، وغيرهم؛ وكانت هذه المجموعات اليَهُوْديّة قد بدأت بالوصول إلى المنطقة منذ القرن الأول الميلادي،[2] ولا نعرف كيف جاءوا إليها، وما إنْ كانوا من أصل عبراني، وهل يتحدرون من الفارّين الَّذِين جاءوا من فلسطين بعد ثورة باركخيا، وهل كان معظمهم عرباً اعتنقوا الدِّين اليَهُوْديّ.[3] على أنّ المؤرّخين العرب القدماء يميلون لتفسير مجيئهم إلى المنطقة فراراً من الاضطهاد الرّوماني في بلاد الشّام، وإنّهم لمّا وصلوا يثرب كان بها أقوام من جرهم وأحفاد العماليق.[4]
كانت قبيلة بنو قَيْنقاع من بين القبائل اليَهُوْديّة المهمة الثلاثة في يثرب، ولم تكن تملك أراضٍ للزّراعة بل كانت تسكن قرية يكتظ فيها السكان، وفيها سوق يُزاول فيها الصّناع مهناً متعددة ومنها مهنة الصّياغة. أما قُرَيْظة والنّضير فكانتا تملكان بعض أخصب أراضي يثرب، وهي تقع إلى الجنوب، وكانت مخصصة لزراعة أشجار النخيل. علاوة على التجمعات اليَهُوْديّة كان يعيش فيها بعض العرب خاضعين لليَهُوْد، والحدّ الفاصل بين العرب واليَهُوْد غامضٌ،[5] وربّما كان هؤلاء العرب أحفادَ الَّذِين كانوا فيها قبل قدوم اليَهُوْد كما تقول المصادر الإِسْلاميّة القديمة.
كانت يثرب تحوز على أخصب أراضي الحِجاز، لتوفّر مياه الأودية والآبار والعيون، فوجدت فيها زراعة النخيل والشعير والقمح؛ مما شكّل حافزاً للأوس والخزرج على الاستيطان فيها، وما إنْ استوطنتا حَتّى شرعتا ببناء المساكن والحصون مثل القبائل اليَهُوْديّة، حيث كان موقع يثرب المحاطة بقبائل بدويّة يفرض على قاطينها إقامة الحصون في كافة نواحيها، خوفاً على المحصول من السلب من قبل القبائل الضاربة حول المدينة. وعلى أرضية ثبات التجمعات السكّانيّة في المنطقة، وحاجة أهالي يثرب من يَهُوْدَ وعربٍ إلى أدوات للإنتاج الزّراعي، والسّلاح، ولتوفير حاجاتهم من وسائل الدفاع نشأت صناعات حرفيّة، وصناعة السّلاح: من سيوفٍ، ودروعٍ، ورماحٍ، وسهامٍ، ولباسِ حربٍ: من خوذ للرأس، ودروعٍ ذات سمات رومانيّة.[6]
نهوضهم
كان طبيعيّاً في بادئ الأمر أن تحافظ القبائل اليَهُوْديّة على سيادتها على المدينة لأنها كانت تشغل أفضل الأراضي فيها، وتحوز على مجموعة حصون تحميها من هجمات القبائل البدويّة، ومن هجمات الأوس والخزرج. ولما لم يكن من السهل على الأوس والخرزج انتزاع السيادة من اليهودِ فور وصولهم، فإنّ السيادة بقيت لهم حَتّى تمكنتا من تعديل الوَضْع السيا ـ اقتصاديّ في يثرب بالاستعانة بأبي جبيلة الغسانيّ واسمه عُبَيْد بن سالم بن مالك ـ أحد أشراف غسان ـ، الَّذِي قرر مساعدة أبناء عمومته، فقاد مجموعةً من الشّام ـ لا تحدد المصادر عدد أفرادها، وأعلن عن أنّ مقصده اليمن؛ فلمّا وصل يثرب، طلب من زعماء اليَهُوْدِ اللّقاء معهم، فلما أتى إليه أشرافهم غدر بهم وقتلهم. وعلى إثْر هذه الحادثة ضعفت مواقع اليَهُوْدِ، وتعززت مواقع الأوس والخزرج، فتمكنوا من مشاركة اليَهُوْدَ في الأراضي (الدّور، والنخل).[7] وستكون استعانة الأوس والخزرج بأبي جبيلة فاتحةَ طريقٍ سيسير عليها الطرفان عقب كلّ نكسةٍ تصادفهما لاحقاً.
سَرْعانَ ما نشبت صراعات بين الأشقاء (الأوس والخزرج)، والَّتِي اشتعلت على خلفيّة الصراع على الأراضي الصالحة للزراعة بعد ازدياد عدد أفرادهما، وعدم وجود سلطة مركزيّة تضبط هذا الصّراع، وهي السُّلْطَة الَّتِي تحتاج إليها المجتمعات المدنيّة المستقرة؛ وقد ابتدأ الّصراع بحربِ سُمَيْر، الَّتِي ستشعل نار نزاع مرير بينهما [8] لن يُخمد أواره إلاّ بعد قدوم مُحَمَّدٍ إلى يثربَ.
استمرت سلسلة التصادمات المسلّحة، ومن أشهرها معركة حاطب، الَّتِي حقق فيها الخزرج نصراً مؤزراً. ثم معركة بُعاث، وهي آخر المعارك المشهورة بين الأوس والخزرج، قد جرت في سنة 6 قبل الهجرة (ح 616 م)، حيث كان الخزرج يرغبون بالاستيلاء على أراضي قُرَيْظة والنّضير بسبب من أنها كانت أفضل أرضي المدينة؛ ولمواجهة الخزرج قررت قُرَيْظة والنّضير التحالف مع الأوس، مما أدى إلى هزيمة الخزرج، وأُحرقت دورهم ـ الخزرج ـ ونخيلهم على يد الأوس.[9]
هذه الصراعات الداخليّة الحادة، والَّتِي كانت تأخذ أبعاداً دمويّة في بعض الأحيان، جعلت كلى الفريقين يبحث عن التحالفات بين القبائل اليَهُوْديّة اليثربيّة، وخارج يثرب فحاول الأوس محالفة قُرَيْش ضد الخزرج بعد معركة مُعَبّس ومُضَرِّس الَّتِي انهزمت فيها الأوس هزيمةً نكراء، وكاد المكّيّون يقبلون باقتراح التحالف لولا أن عَمْرو بن هشام ـ أبا جهل ـ نصحهم بعدم التّدخل في الصراع الداخليّ ليثرب.[10] ثم حاول الأوس التحالف مع قُرَيْظة والنّضير، وأثمر مسعاهم عن علاقة تحالفيّة تقوم على أساس الدفاع المشترك.[11]
إِسْلامهم
كان ثَمّ طرفان يبحثان عن بعضهما في الجَزِيْرة العَرَبِيّة: أولهما، نَبِيٌّ لم يستطع أن يكسب قومه، فكان يبحث عن أنصارٍ له، ومكان جديد لدعوته؛ فبعد أنْ سلخ عشْر سنوات يدعو فيه للدين الإِسْلاميّ تمكّن من جمع حفنة ضئيلة من المؤمنين وحسب، وكانت معارضة المكّيّيّن له قد دفعته طوراً أبعد. وعند هذه النقطة اضطر إلى التفكير بالقيام بخطوة حاسمة وثوريّة، وكان الأمر يتعلق بنقل دعوته إلى مركزٍ جديدٍ؛[12] وثانيهما، سكان بلد أنهكتهم الصراعات الداخلية، وأشتد على جناح منهم ـ الخزرج ـ وطأة الهزيمة بعد يوم بُعاث. كان الأوس والخزرج يبحثون عمّن يلجم صراعاتهم الدمويّة، ويقود سفينتهم إلى شاطئ الأمان، وو قد حاولوا تأسيس سلطة قبل حصول اللّقاء الأوّل مع مُحَمَّدٍ (عشية اجتماع العقبة الأولى)، وذلك عندما أجمعوا على أن يتوّجوا عبد اللَّه بن أبي بن سلول ملكاً؛[13] لكنّهم كانوا يفتقدون للإرادة والحكمة الَّتِي كانت عند المكّيّين، فلم يستطيعوا تحقيق إجماعهم، ولهذا بقي اليثاربة يبحثون عن السُّلْطَة الَّتِي توفر لهم الأمن والأمان. وكل ما استطاعوا إنجازه لتحقيق الأمن هو الاتفاق على «أن لا يُقتل رجلٌ في داره، ولا نخله غيلةً ولا بياتاً، ولا جهاراً، فإذا خرج الرجل من داره فلا ذمّه له ولا عهد».[14] كان بحثهم دائماً خارج يثرب.
أما مُحَمَّدٌ فكان قد بدأ بحثه عن أنصارٍ له خارج مكّة مع وفاة أبي طالب وخديجةَ وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين (619 م)، إذ أثّرت وفاتهما على معنوياته كثيراً، لاسيما أبو طالب، الَّذِي قال عنه مُحَمَّدٌ: «ما نالت قُرَيْش منّي شيئاً أكرهه حَتّى مات أبو طالب»؛ فشرع يبحث عن الأنصار خارج مكّة، وقد بدأ بثَقيفٍ فحاول استمالتهم، بيد أنّه عاد وكلّه يأساً منهم.[15]
إنّ حقيقة تأثّر مُحَمَّدٍ بوفاة عمه وزوجه خديجة تناقض ما يرويه ابن سعد من أنَّ مُحَمَّداً بدأ يتوجه إلى القبائل منذ إشْهاره نبوّته ـ 4 للدعوة ـ، ويسرد ابن سعد أسماءَ القبائلِ الَّتِي توجه إليها مُحَمَّدٌ، وهي: «بنو عامر بن صعصعة، محارب بن خصَفَة، فزارة، غسّان، مُرَّة، حنيفة، سُلَيم، عبس، بنو نضر، بنو البكاء، كندة، كلب، الحارث بن كعب، عذْرة، الحضارمة»؛[16] لا يمكننا قبول هذه القائمة أبداً، لأنّ الظّروف لم تستدعِ في السّنة الرابعة للدعوة الإِسْلاميّة التوجه نحو القبائل أولاً، ولأنّ ابن سعد من مؤرخيّ مدرسة المدينة في التاريخ ثانياً، ومن الطّبيعيّ أنْ تسعى هذه المدرسة لإظهار فضل الأنصار، وتمايزهم عن غيرهم من قبائل الجَزِيْرة العَرَبِيّة، إذ كلّما كثر عدد القبائل الَّتِي توجه إليهم مُحَمَّدٌ، كلما أُعلي من شأن الأنصار، وقد جعل هدف رفع قيمة الأنصار مؤرخيّ هذه المدرسة يتجاهلون التطور البنيويّ في الحركة الإِسْلاميّة، وأنماط الدعوة حسب المرحلة.
لم يتمكن مُحَمَّدٌ من استمالة أيِّ قبيلةٍ إليه منذ أن بدأ في هذا المسار، لكنّ هذا الفشل لم يثنيه عن عزيمته، فشرع يبشر في المواسم وسط قبائل العرب؛ وذات مرة بدا وكأنّ مسعاه سيؤتي أُكله في كسب بني عامر، إلّا أنّ سَرْعانَ ما تلاشى هذا الحلم عندما سُئل عن موقفه بعد تحقيق أهدافه، هل سينتقل إليهم الأمر من بعد وفاته، فأجابهم: «الأمر إلى اللَّه يضعه حيث يشاء»؛ ولأنّ بني عامر لم يروقهم هذا الجواب، فقد رفضوا مساندته، وقالوا له كيف نضحي بأرواحنا دفاعاً عنك، ويئول الأمر إلى غيرنا في حال النصر.[17]
على أيِّ حالٍ لن يطول الأمر بمُحَمَّدٍ حَتّى يثمر جهده الحثيث، وإصراره على كسب الأنصار، وذلك عندما أفادت وقعة بُعاث قضيته بشكل لم يكن يتوقعه، وساعدته على إيجاد مركزٍ جديدٍ لدعوته كما كان يأمل. فعقب هذه المعركة قدم أبو الحَيْسر أنس بن رافع مكّة في وفد من بني عبد الأشهل يريد عقد تحالفٍ مع قُرَيْش على الخزرج؛ ويبدو أنّ الأوس كانوا يتخوفون من ردة فعل الخزرج على هزيمتهم أو أنّهم أرادوا استباقهم إلى قُرَيْش خشيةً من أن يتمكن الخزرج من إنشاء تحالف مع القُرشيّين فسعوا لإفشال هذا المسعى.
على أيِّ حالٍ لم يجدْ وفدُ بني عبد الأشهل إلّا الرفض من قُرَيْش الَّتِي التزمت مبدأ عدم التّورّط في نزاعات لا تمسهم بأيِّ شكلٍ من الأشكالِ؛[18] ولعلّ إعلانَ قُرَيْش حيادها لم يغضب الوفدَ بل أرضاهم لأنهم ضمنوا حياد قُرَيْش في الصراع الداخليّ ليثرب، لكنّه سمح لِمُحَمَّدٍ بتجربة حظّه معهم؛ ورغم أنّه لم ينجح معهم، لأنهم كانوا يريدون قطع الطريق على الخزرج وحسب، ولم يكونوا يحتاجون عملياً لنصيرٍ، دعْ عنك شخص لا يستطيع أن يقدم لهم شيئاً، إلّا أنّ مُحَمَّداً بمحاولته تلك تمكّن من مدّ خطَّ اتصالٍ أوّليٍّ مع اليثاربة، والفضل في توفير خطّ الاتصال مع اليثاربة يعود إلى معركة بُعاثَ، وقد أفادت هذه المعركة قضيته لاحقاً، وبالتّحديد عند هجرته إلى يثرب، وهي حسب عائشة: «كان يوم بُعاثَ يوماً قدّمه اللَّه لرسوله؛ فقدم رسول اللَّه وقد افترق مَلَؤهم، وقُتِلَتْ سَرَواتُهُمْ».[19]
لربما زاد الاتصال الأوّلي مع اليثاربة مُحَمَّداً ثقةً بإمكانيّة كسب أنصارٍ له، فاستمرّ على دَيْدَنه يستغلّ مواسم الحجّ والتّجارة للتبشير بالإِسْلام، وبينا هو عند العقبة لَقِي رهطاً من الخزرج، فشرع يدعوهم إلى معتقده، ثُمّ تلا عليهم نصوصاً قرآنيّة، فلاقى قبولاً من بعضهم، الَّذِي عبر عن أمنيته بأن تنتهي صراعاتهم الداخليّة على يديه،[20] وبعد ذلك انصرفوا عنه راجعين إلى بلادهم.
في العام التّالي وفي وقت الحجّ التقى اثنا عشَر رجلاً يثربياً مع مُحَمَّدٍ بالعَقَبة؛ وكانوا عشَرة من الخزرج واثنين من الأوس، وتسمي المصادر الإِسْلاميّة هذا اللِّقاء العقبة الأولى؛ فجرى فيها بيعة اقتصرت على الالتزام بالتعاليم الدينيّة: «التّوحيد، عدم السرقة، عدم الزنى، عدم قتل الأولاد، عدم الكذب».[21] ثُمّ بعث مُحَمَّدٌ معهم مُصْعب بن عُمير بصفته مرشداً روحيّاً؛ فلُوحظ أنّ انتشار الإِسْلام في الخزرج كان أسرع منه في الأوس.[22] وهذا عائد إلى الإحباط النّفسيّ الشديد للخزرج الخارجين من هزيمة بُعاث، الَّذِين كانوا يشعرون بهوانهم جَرّاء تحالف قبيلتيْن يَهُوْديّتيْن مع الأوس ضدهم.
رجع مصعب بعد ذلك إلى مكّة، مع وفدٍ من مسلميّ يثربَ الَّذِين خرجوا إلى الموسم مع حُجَّاج قومهم الوثنيين. وفي المساء جرى بالعقبة لقاءٌ سرّيٌّ بين اليثاربة المسلمين ـ وكانوا مؤلَّفين من حوالي سبعين رجلاً، وامرأتيْن ـ ومُحَمَّدٍ، وقد حضر العبَّاس بن عبد المطلب ـ عمُّ مُحَمَّدٍ ـ، الاجتماع وهو يومئذ مشركٌ من أجل أن يتأكد من أن ابن أخيه سيكون في مأمن.[23] وقد سُمي هذا الاجتماع في التاريخ الإِسْلاميّ العقبة الثانية، وسمي كذلك بيعة الحرب. وسيشكّل نقلةً نوعيةً في استراتيجيّة مُحَمَّدٍ إذ على إثرها ستأتي الآية: ﴿أُذِن للّذين يٌقاتَلوَن بأنهم ظُلِموا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾،[24] وهذه الآية كانت أول آية نصت على القتال (الجهاد)، بعد أنْ نهى القرآن عنه فيما يزيد عن سبعين آية، وأغلب الرِّوايَات تتفق على أنّ المقصود بها مُحَمَّداً وأصحابَه، والظلم الواقع عليهم هو اضطرارهم للهجرة إلى المدينة.[25]
في هذا الاجتماع ـ العقبة الثانية ـ سأل أبو الهيثم بن الَّتِيهان (أوسي) مُحَمَّداً عن موقفه في حال حقّق النصر، هل سيعود إلى قومِه؟ ولاسيما أنّ علاقة اليثاربة ـ وبالتحديد الأوس ـ باليَهُوْدِ ستتضرر كثيراً بسبب العلاقة معه؛ كان أبو الهيثم يفكر من منطلق الصّراع الداخليّ ليثرب، ويخشى من أن قطع الروابط مع حلفائهم اليَهُوْد قد يضعف من موقفهم لحساب الخزرج؛ لكنّ مُحَمَّداً تبّسم وقد حَنَّكتُه تجربته مع بني عامر، وأكّد بأنّ هجرته إليهم تعني مشاركتهم العواقب السلبيّة، والنتائج الإيجابيّة.[26]
لقد صارت الهجرةُ (أيلول (سبتمبر) 622 م) نقلةً ثوريّةً في الدّعْوَة المُحَمَّديّة، حيث كان مُحَمَّدٌ في الطور المكّيّ مجرد داعٍ، يحتاج لحماية عصبيّته الهاشميّة من بطش أشراف قُرَيْش، ثُمّ غدا في الطور اليثربّي زعيمَ مجتمعٍ مطاعاً، ونَبِيَّ عقيدةٍ مقاتلاً. وتعكس الرّواية الإِسْلاميّة السّمَة الولاديّة للهجرة (النقلة الثورية)، فتقول إنّ مُحَمَّداً لاذ هو وأَبُو بَكْر بغارٍ يقع بجبل ثَوْرَ ثلاث ليالٍ،[27] إذ مثّل الغارُ هنا رحمَ الأم الحامية من الخطر، ومكوثه في الظلام يمثلُ استقراراً جنينياً في عماء الرحم، ثم إنّ خروجه منه حاكى ولادةً جديدةً، وهي بالفعل كانت ولادةً حقيقيةً لنَبِيِّ الإِسْلام، وهذا النّمط الأسطوريّ عند مختلف الشعوب كرّرته التواريخ الإِسْلاميّة عن داودَ؛ إذ يخبرنا الطبري بأنَّ داودَ هرب إلى غارٍ فراراً من طالوتَ، فأوحى اللَّه إلى العنكبوت فنسجت على باب الغار، ولمّا وصل طالوتُ الغارَ، ونظر إلى نسيج العنكبوت تيقّن من أنّ داود لم يلتجئ إليه.[28] فعندما تتعرض شخصيّة إلى خطرٍ وجوديٍّ، فإنّ الحماية المثلى هي العودة إلى رحم الأمّ، إلى الأمان المطلق، والأوّلى، والعزلة عن العالم الخارجي، وكذلك فإنّ هذه الشخصيّات قد تحتاج إلى ولادة جديدة للدلالة على أنّها انتقلت إلى طورٍ مختلفٍ كما جرى مع مُحَمَّدٍ وأَبِي بَكْر، أو قد يكون ولوج العماء والخروج منه دليلاً على محاكاة الموت، والولادة مجدداً من أجل التكفير عن الخطايا مثلما جرى مع يونس بن متى (ذي النَّون)،[29] الَّذِي ابتلعه الحوتُ بأمر من اللَّه.[30]
لقد سمحت الهجرة للدّعْوَة الإِسْلاميّة بالدخول في مرحلة جديدة ذات منحىً ثوريّ، وأكثر تبلوراً باتجاه بناء مجتمع إِسْلاميّ، ودون أن تتعين في فكر مُحَمَّدٍ مسألة بناء دولة متكاملة. ولأوّل مرة في الجَزِيْرة العَرَبِيّة سيجتمع المشرع والحاكم في شخصيّة واحدة هي شخصيّة مُحَمَّدٍ.
أسباب قبول دعوة مُحَمَّدٍ
شكّل إعلان اليثاربة إِسْلامهم نقطةَ تحولٍ كبيرةً في مسار الحركة الإِسْلاميّة، فلقد تلقت الحركة الإِسْلاميّة دعماً غير متوقع لها، والعوامل الَّتِي حدت باليثاربة العرب لإعلان الإِسْلام، هي:
1 ـ وجود اليَهُوْد في يثربَ، وكانوا يملكون كتاباً سماويّاً، خلافاً للأوس والخزرج، الَّذِين كانوا لا يملكون كتاباً مقدساً؛ وهذا ما خلق عند اليثربيين شعوراً بدونيتهم بسبب من عدم حيازتهم على المقدس السماوي، وغياب العلاقة مع السماء.
2 ـ الأفضليات الَّتِي كانت بحوزة اليَهُوْد من أراضٍ وحصون، وتهديدهم المتكرّر عقب كلِّ نزاعٍ:«إنّ نبيَّاً مبعوثٌ الآن، قد أظلّ زمانه، نتّبعه فتقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم».[31] ويعكس هذا الوعيد تذمر اليَهُوْد من وجود اليثاربة العرب، ورغبتهم بالتخلص منهم، وعجزهم عن تحقيق ذلك بسبب توازن القوى بينهما.
3 ـ افتقاد المدينة للمكان المقدس، الَّتِي كانت تحوزه مكّة (الأرض الحرام، والكعبة). والَّتِي منحت القُرشيّين السطوة المعنويّة على بقية العرب؛ فصار اليثاربة وسط طرفيْن يملكان المقدس ـ قُرَيْش، واليَهُوْد ـ.
4 ـ الصّراع الداخليّ بين الأوس والخزرج والَّذِي أنهك الفريقيْن، وعدم قدرتهم على تنصيب قائدٍ لهما، أو تأسيس هيئة جماعيّة تقود المدينة مثل حلف الفضول في مكّة.
5 ـ تمتع مُحَمَّدٍ بالنّبوّة، والَّذِي يسمح لهم ببناء علاقة مع المقدس أولاً، وكون مُحَمَّدٌ طرفاً محايداً؛ فإنّه يتمتع بالقدرة على لعب دور الحكم النزيه بينهما ثانياً. وسيكون مُحَمَّدٌ مقبولاً من قبلهما بوصفه حكماً، ونبيّاً يتحرك بأمر السماء، لا يسيطر بالنفوذ القبليّ، وهذا يخلصهم من استعصاء إيجاد الحاكم من وسطهما، بعدما تَبَدّى عجز اليثاربة عن تكوين إدارة داخلية، أو تعيين شخصيّة اعتباريّة تتمتع بقبول الجانبين المتصارعيْن.
6 ـ ضرورة هذه الهيئة من أجل تنظيم شئون المدينة، ولحيازة قدرة الدفاع عن نفسها بوجه البدو الضاربين حول مدينتهم، وخشية الأوس والخزرج من انتقال الهيمنة السِياسِيّة في المدينة إلى اليَهُوْد.[32]
إن بعضاً من الأسباب الَّتِي جعلت اليثاربة يعتنقون الإِسْلام هي نفسها الَّتِي منعتهم من الاتفاق على مرشحٍ واحدٍ، فالنّزاع المتطاول، إضافة إلى فقدان الشّخْصِيّة الَّتِي تحظى بالموافقة الجماعيّة، والخوف من تجدد الصّراع الداخليّ في يثربَ، وخصوصاً أنّ الأوس وافقوا على أَبِي بَكْر، وهذا يمكن أن يجعل الصّراع بين الأوس والمهاجرين من جهة، والخزرج من جهة أخرى، وقد استثمر أبو بكر هذه النقطة في الاجتماع بمهارة عندما وضع الأنصار أمام الاحتمالات الممكنة لتعيين سعدٍ، قائلاً:
«إنّ هذا الأمر إِنْ تطاولت إليه الخزرجُ لم تقصر عنه الأوس؛ وإِنْ تطاولتإليه الأوسُ لم تقصر عنه الخزرج، وقد كان بين الحييْنِ قتلى لا تُنسى، وجراحٌ لا تُداوى».[33]
كما أنَّ وجود القبائل البدويّة حول المدينة كان بدوره من الأسباب الضاغطة على الخزرج لعدم المضي في ترشيح سعدٍ، ونتذكر كيف أن أسْلمَ أسرعت للبيعة، فعلّق عمر:«ما هو إلاّ أنّ رأيتُ أسْلم، فأيقنت بالنّصر».
[1]الأزرقي: 1/ 92 ـ 96؛ الكامل: 1/ 655؛ وات، 178؛ تاريخ الإِسْلام: 1/ 28.
[2]تاريخ الشعوب الإسلامية، كارل بروكلمان، ترجمة: نبيه أمين فارس، منير البعلبكيّ، دار العلم للملايين، بيروت، ط 12، آذار (مارس) 1993، ص 28.
[3]وات، 292.
[4]تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 287؛ فتوح، 29.
[5]وات، 293 ـ 294.
[6]حروب دولة الرّسُول، 30، 31؛ قُرَيْشٌ: من القبيلة، 192 ـ 193.
[7]الكامل: 1/ 656، 658؛ ابن هشام: 1/ 13؛ تاريخ ابن خلدون م 2، ج 1/ 287.
[8]الكامل: 1/ 659.
[9]ابن سعد:3/ 604؛ الكامل: 1/ 671، 680 ـ 681؛ د حسان: 2/ 184، 283 ـ 285
[10]الكامل: 1/ 676 ـ 677.
[11]الكامل: 1/ 680.
[12]Islam: A Historical Survey, H. A. R. Gibb, London, 3rd impression 1978 , p 18.
[13]تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 291.
[14]د حسان: 2/ 39، 46.
[15]الكامل: 2/ 91.
[16]ابن سعد: 1/ 216 ـ 217.
[17]الكامل: 2/ 93.
[18]الكامل: 2/ 95.
[19]صحيح البخاري، 3493، 3637؛ مسند أحمد، 23184؛ تاريخ ابن خلدون، م 2، ج 1/ 290.
[20]ابن سعد: 1/ 217؛ هشام: 1/ 429؛ الكامل: 2/ 95 ـ 96.
[21]ابن هشام: 1/ 431؛ الكامل: 2/ 96؛ ابن سعد: 1/ 220.
[22]تاريخ ابن خلدون، م2، ج1/ 291؛ ابن سعد: 1/ 220؛ أُسد الغابة: 4/ 387.
[23]ابن هشام: 1/ 441؛ الكامل: 2/ 98؛ ابن سعد: 1/ 223.
[24]الحجّ/ 39.
[25]تفسير الآية 39 من سورة الحجِّ، الطبري، القرطبي، ابن كثير، البغوي، البيضاوي.
[26]الكامل: 2/ 99.
[27]ابن هشام: 1/ 485 ـ 486؛ تاريخ الطبري: 1/ 568 ـ 569.
[28]تاريخ الطبري: 1/ 279.
[29]يونان حسب العهد الجديد، والَّذِي بقي ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ في بطن الحوتِ (متّى: 12/ 40).
[30]الأنبياء/ 87؛ الصافات/ 139 ـ 146.
[31]ابن هشام: 1/ 428 ـ 429.
[32]Muslim Institutions, Maurice Gaudefroy- Demombynes,translated from the French by: John P. Macgregor, London, 2nd, 1954, p 12.
[33]البَيان والتَبْيين، أبي عُثمان عَمْرو بن بَحر الجَاحِظ، تحقيق: د. دَرويش جوَيْديِ، المكتبة العَصْريَّة، صَيدا ـ بَيروت، ط 1، 1420/ 1999 م، ص 560.
[1]ابن هشام: 2/ 606؛ تاريخ الطبري: 2/ 224؛ ابن سعد: 2/ 189 ـ 190؛ الكامل: 2/ 217، 334.
[2]تاريخ بروكلمان، 67.
[3]ابن هشام: 2/ 649 ـ 650؛ تاريخ الطبري: 2/ 227؛ الكامل: 2/ 317 ـ 319؛ تاريخ الخلفاء، جلال الدّين السّيُوطي، تحقيق: إبراهيم صالح، دار البشائر، دمشق، 1417 ﻫ/ 1997 م، ص 83.
[4]تاريخ الطبري: 2/ 229؛ الكامل: 2/ 321؛ ابن سعد: 2/ 245 ـ 246.
[5]الشيخان، طه حسين، دار المعارف، مصر، ط 8، 1986، ص 30 ـ 31.
[6]شرح نهج: 1/ 53.
[7]الهُجْرُ: القبيح من الكلام. وهَجَرَ في نومه ومرضه يَهْجُرُ هَجْراً. وهجر المريض يَهْجر هُجْراً، فهو هاجرٌ، وهَجَر به في النوم يُهْجرُ هَجراً: حَلَمَ وهَذَى (لسان العرب:هجر).
[8]تاريخ الطبري: 2/ 228 ـ 229؛ الكامل: 2/ 320؛ ابن سعد: 2/ 242.
[9]ابن سعد: 2/ 243؛ مقالات الإسلاميين، أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الحداثة، ط 2، 1405 ﻫ/ 1985 م،ج 1/ هامش رقم 35.
[10]ابن سعد: 3/ 180 ـ 181.
[11]تختلف الرّوايَات عن تاريخ اليوم، لكنها تتفق على أنّه كان يوم الاثنين.
[12]ابن هشام: م 2/ 652 ـ 653؛ تاريخ الطبري: 2/ 240؛الكامل: 2/ 322؛ ابن سعد: 2/ 308 ـ 310.
[13]البقرة/ 143.
[14]ابن سعد: 2/ 267؛ ابن هشام: 2/ 655، 661؛ تاريخ الطبري: 2/ 232؛ الكامل: 2/ 323.
[15]آل عمران/ 144.
[16]الأنبياء/ 34 ـ 35.
[17]الزّمر/ 30 ـ 31.
[18]تاريخ الطبري: 2/ 233 ـ 234.
[19]تاريخ الطبري: 2/ 232 ـ 234؛ ابن هشام: 2/ 656؛ الكامل: 2/ 324؛ تفسير ابن كثير والقرطبي، آل عمران: 144؛ كتابُ الرَّدة، أبي عبد اللَّهِ محمّد بن عمر الوَاقدي، تحقيق د. محمود عبد اللَّهِ أبو الخير، دار الفرقان، عمّان الأردنّ، د. ت.، ص 58.
[20]كتابُ الرَّدة، 59.
[21]كتابُ الرَّدة، 55 ـ 56.
[22]كتابُ الرَّدة، 60 ـ 62.
[23]الإمامة والسياسة، أبي محمد بن عبد الله بن مسلم، ابن قتيبة، مطبعة الأمة، القاهرة، 1328 ﻫ، 1/ 9.
[24]تاريخ الطبري: 2/ 241 ـ 242؛ الكامل: 2/ 328؛ شرح نهج: 2/ 3.
[25]ابن هشام: 2/ 656.
[26]شرح نهج: 2/ 3، 7 ـ 8.
[27]تاريخ الطبري: 2/ 241.
[28]فِرَق الشيْعَة، أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي، تحقيق ﻫ. ريتر، استانبول، مطبعة الدّوْلَة، ص 3.
[29]الحشر/ 9.
[30]كتابُ الرَّدة، 62 ـ 63.
[31]من الأحاديث التي ستروى على لسان أَبِي بَكْر «لو سلك النّاس وادياً وسلكَت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار».
[32]كتابُ الرَّدة/ 64؛ ابن هشام: 2/ 655؛ تاريخ الخلفاء، 114.
[33]كتابُ الرَّدة، 64 ـ 65.
[34]الطبري: 2/ 243؛ الكامل: 2/ 329؛ شرح نهج: 2/ 4.
[35]كتابُ الرَّدة، 66.
[36]أعدت الأمرَ جَذِعاً: أي جديداً كما بدأ. وإذا طُفِئت حربٌ بين قوم فقال بعضهم: «إن شئتم أعدناها جَذْعَةً»، أي أوّل ما يُبتدأ فيها، لسان العرب.
[37]تاريخ الطبري: 2/ 243 ـ 244؛ الكامل: 2/ 329 ـ 330؛ تاريخ الخلفاء 87 ـ 88؛ كتابُ الرَّدة، 68؛ مقالات الإسلاميين: ج 1/ هامش رقم 41.
[38]الإمامة والسياسة، 1/ 9.
[39]ردة الواقدي/ 70.
[40]تاريخ الطبري: 2/ 243؛ الكامل: 2/ 330.
[41]ابن سعد: 3/ 212.
[42]الكامل: 2/ 330 ـ 331؛ ابن سعد: 3/ 182.
[43]شرح نهج: 2/ 4.
[44]ابن سعد: 3/ 78.
[45]تاريخ الطبري: 2/ 236، 243 ـ 244؛ كتابُ الرَّدة، 74؛ خلدون، م 2، ج 2/ 64.
[46]كتابُ الرَّدة، 72.
[47]الشيخان، 35.