كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رائق النقري.. يكتب ما يشبه السيرة الذاتية له ولـ"المنطق الحيوي"

رائق النقري.. يكتب ما يشبه السيرة الذاتية له ولـ"المنطق الحيوي"

ذات يوم من عام 2006, صادفتُ أحد الشعراء السوريين العاديين في مقهى الروضة, ومن خلال حديث قصير بيننا سمعتُ منه للمرّة الأولى باسم رائق النقري, ولم يبد ذاك "الشاعر" بنتاجه (النقري) رأيّاً إيجابياً..

دارت الأيام والسنوات, واسم "رائق النقري" عالق في ثنايا الذاكرة, وإن كنتُ لم أقرأ له شيئاً, ولم أحاول البحث عن اسمه عبر غوغل لسبب قد أذكره في وقت ما, وإن قلته لرائق بعد أن تعرّفت عليه.

زارني في آب 2009 الصديق الشاعر الطبيب حمزة رستناوي بصحبة شاعر آخر, وقضينا يوماً كاملاً معاً في قريتي, وباتا ليلتهما عندي, إلى غادراني صباحاً دون أن يوقظاني تاركين لي قصاصة ورق خطّا عليها كلمات لطيفة يشكراني بها.. سيذهب د. رستناوي بوجهه إلى حمص قاصداً د. رائق النقري, وسيتطرق إليّ وإلى زيارته لي على مسمع د. النقري الذي كان يعتقد أنّي رجل في الستين أو السبعين من العمر سنتذاك (2009), وبناء على ما تكرّم به الصديق رستناوي وصديقه من كلام لطيف عني, يبادر د. النقري للاتصال بيّ في اليوم ذاته, ويتكرّم بزيارتي هو وزوجته في اليوم التالي.. من هنا بدأت معرفتي به..

كنتُ أخذتُ فكرة عن "المنطق الحيوي" ومدرسته ومؤسسه "النقري" من قبل رستناوي الذي تلطّف بإهدائي كتابه "أضاحي منطق الجوهر" الصادر في ذلك العام, وكانت نيتي الكتابة عنه, لكن بعد أن استرسلت في القراءة به, أحسست بأنّي وصلت إلى طريق مسدود, فامتنعت عن تتمة القراءة والكتابة كذلك, تاركاً إياها لقادم الأيام, وإن كان الانطباع الذي أخذته عن حمزة أنّه مشروع مفكّر جدي..

سيستعصى عليّ فهم المنطق "الحيوي" بُعيد معرفتي برائق, وإهدائه لي عدداً من كتبه, منها "عقل العقل", وأذكر أنّي قرأتُ بعضها بصعوبة شديدة دون أن يتيسر لي فهم شيء مما يقوله ويبغي إيصاله.. لقاءاتي به لم تسهّل عملية الفهم قدر ماجعلتها عسيرة, وإن كان يُرّغبني به كأن أصبح محاضراً بذلك المنطق –بعد استيعابي له- في بعض الجامعات, وأذكر أنّه ذكر لي اسم الزميل غسان يوسف الذي صار يحاضر به (في ذيّاك العام) في إحدى الجامعات اللبنانية قبالة دخل مادي معقول قياساً بمعاشات السوريين.. ذلك كلّه لم يكن حافزاً لي كي أفهم "المنطق الحيوي".. ولا أظن أنّي الوحيد الذي لم يفهمه ولم يستسغه.. وهذا لا ينفي أنّه يوجد أنصار كثّر لمدرسة "المنطق الحيوي", وكذلك منظّرون, ليس دونهم الباحث محمود استانبولي الذي بدا حياته نقشبندياً وانتهى به المطاف للتنظير للمنطق الحيوي, وله في ذلك عدّة كتب, منها "مقارنة بين مربعي أرسطو ورائق النقري لاكتشاف الدين الحيوي الفطري - موسوعة السيرة الحيوية".

أرسل لي د. رائق منذ نحو الشهر, كتابه المخطوط المعنون بـ"المهدي الحيوي المنتظر! ونقر الملَك قبل مذهب الخصيبي وبعد دين ماركسَ!" ويبحث فيه ماقيل أنّها مكتشفات "تل النبي مندو" في قادش بريف حمص, وهي قروء فاطمة وعائشة, وكذلك انجيل مريم وسارة... متمنيّاً عليّ قراءته, وكان ذلك.

ذكّرني الكتاب آنف الذكر, بمجموعة أسئلة, كان وجهها رائق وهو فتى لوالده (وجدها بعد عقود أحد أشقائه, فأعطاها لرائق الذي مدّني بنسخة منها عام 2009), إذ كانت الأسئلة تنمّ عن نزوع فلسفي واضح, وعن جموح نحو التمرد على المكرّس والمألوف لمن هو في سن 13 أو 14 من عمره. وأذكّر أنّي سجلتُ في ختام ملاحظاتي عليها, إعجابي برحابة صدر الأب وصدقه في أجوبته لولده, وهي أجوبة تنمّ عن سعة معرفية مقبولة لأب عاش –بحكم الواقع الذي كان- هاتيك الظروف الأكثر من قاسية. (أتمنى من د. رائق أن ينشرها ذات يوم).

لا أخفي القارئ أنّي تمتعت به, مع أنّي تحاشيتُ الاقتراب من المواضع التي يسقط فيها "منطقه الحيوي" لمعالجة بعض القضايا, خاصّة ما يسميه مربع المصالح.. الخ, وآية ذلك كي لا أفسد على نفسي لذة ما كنتُ أقرأه من خلال دخولي في طريق مسدود بالنسبة لي.

وأذكر أنّي سألتُ رائقاً, وأنا في الصفحات الأربعين من الكتاب: "ماذا يمكن أن تكتب, بعد هذا الكتاب؟", دون أن أعلم أنّ لديه ثلاث مخطوطات أُخر بانتظار الطباعة, ويبدو من عناوين بعضها انّها لا تقلّ إثارة عمّا بين يدينا.

الكتاب الذي بيننا هو مزيج من السيرة الذاتية المضمخة ببوح وجداني, والتاريخ الخليط بين الشخصي والوطني, والميثولوجيا, والأسطورة, والنقد الفكري.. والخيال الجامح...الخ. ولا أعلم كيف نجحت هذه الخلطة الغريبة في مكوناتها مع د. النقري!

تلمس الجانب الفكري والنقدي في الكتاب, من خلال إجرائه لمقارنة طويلة بين سيد قطب ومحمد باقر الصدر, وإن كان لي ملاحظة على تلك المقارنة فهو طولها وإسهابه غير المبرر بها, خاصّة فيما يتعلّق بمحمد باقر الصدر, وبتقديري أنّ بمقدوره الاختصار منها دون أن يؤثّر ذلك على بنية النصّ ككل.

بينما تجد الجانب الميثولوجي الذي لا يخلو من فانتازيا, أثناء حديثه عن مكتشفات "تل النبي مندو" خلال الأحداث التي تئنّ سوريا تحت وطأتها, وكما فهمتُ منه إنّه عُثر عليها مع أحد الإرهابيين, وتلك المكتشفات تتطرق إلى ما يسميه رائقاً "بسملة قرآن فاطمة وعائشة وإنجيل مريم وسارة", وحقيقة لا أدري ماذا يمكن الاستنتاج منها أو البناء عليها لاسيما أن الكاتب نفسه يذكر أنّ تلك المكتشفات ما تزال في طور المعالجة والقراءة! وهذا كلّه لم يقف حائلاً أمام خصوبة خياله –ومن هنا قلتُ: الفانتازيا- فهو يلعب على وتر لفظ "قروء" من ناحيتين: الأولى, من جهة ارتباطها –لفظياً- بالقرآن, الثانية من ناحية قد يكون لها صلة ما بعائلة "النقري", ولهذا السبب تجده –أي الثاني- يركز على كلمة "النقر" بحيث تصبح إحدى ثيمات كتابه, كقوله: }}"وأما النقر في الأسماع فأمر الملَك".

نقر أوغاريت. هو: أمر دائم بدحر الجهل.

     نقر يونس السوري, هو: أمر دائم بدحر العبودية{{. ويقيني أنّه يبلغ هنا ذروة الخيال الممزوج ببعض الميثولوجيا التي تزيد الكتاب توهجاً.فمثلاً, يعتقد رائق إنّ: }}جزء من باكورة أبحاث, في "القروء" أو "قرآن فاطمة وعائشة وإنجيل مريم وسارة". والتي– أسرارها- ستكون مدوية وخطيرة, أكثر من مكتشفات "قمران" على البحر الميّت, وتلك, ما تزال سرية أيضاً. تتناهبها جهات تخفي سرها.

جزء من سلسلة من الكتب المخصصة لدراسة آثار ومفاعيل أسرار مكتشفات "تل النبي مندو", ما تزال غامضة كأسرار المعارك التي دارت فيها في منطقة قادش في نيسان 2013, وهي المعارك التي بدأت بمعركة القصير وانتهت في معركة بابا عمرو, وسربت آثارها- رقيمات, لفائف و4 أربع عظيمات منقوشة بمادة ذهبية - إلى حي الوعر في حمص, الذي ما يزال خارج سلطة الدولة للعام السادس{{.

ليجد أنّ }}بسملة "القروء" أو "قرآن فاطمة وعائشة وإنجيل مريم وسارة" هي بسملة كل الأنبياء الحيويين, المبرهنة تجريبياً, بقياس النبي الحيوي, أو قياس الرقم "4", الذي يعد – بكل المعايير- أهم معجزة للهداية البشرية. وربما أهم من معجزة "عجب الذنب أو العصعص"! لكونها ترينا الهدي في الموروث العقائدي لكل منا, ولا تطلب منا, تغيير أدياننا, ولا مذاهبنا, ولا مقدساتنا , ولكنها فقط تهدينا إلى اكتشافها, وتفعيلها. لتقديس: نوايانا, وإيماننا, وسلوكنا, وعلاقاتنا, وقراراتنا, سواء أكانت عقائدية أم غير عقائدية, دينية أم غير دينية, فردية آنية أم عامة{{.

معتقداً أنّ }}مكتشفات "تل النبي مندو" تؤكد ولأول مرة صحة انتظار البشرية للمهدي المنتظر, ولكن المفاجئ هو أن الهداية المكتشفة لا تنحصر بنبي حيوي أحادي أو وحيد, لهذه الفئة أو تلك, بل بما اتفق عليه كل الأنبياء الحيويين{{.

أما فيما يخصّ السيرة الذاتية للكاتب المضمخة بالكثير من البوح الوجداني, فهي منثورة عبر أكثر محطة من الكتاب, كإبّان تطرقه لكيفية تأسيسه لمدرسته "مدرسة دمشق للمنطق الحيوي", ذات يوم من عام 1967, ومن كان معه في تلك المدرسة, وملاحقة السلطات لهم أواسط سبعينات القرن الماضي, خاصة أنّه كان ضابطاً وينشط في عمله ذاك ضمن أفراد الجيش وهذا مخالف للقواعد العسكرية.. مثل ذلك أثناء حديثه عن والده علي النقري الذي أنشأ عندما حدث الاستقلال, مع أخيه عبد المجيد (أبو بهجت), أول مدرسة, وذلك بمساعدة حافظ الجمالي المسؤول, عن التعليم آنذاك، درّس فيها أبناء قريته "الشعيرات". او كاللقاء الذي دار بين والده (علي) والرئيس حافظ الأسد, والمتعلّق بسبب ملاحقة السلطات لرائق الذي كان منفياً في العراق... الخ.

ويظهر الحديث شجياً عن والده خلال بوحه: }}ورغم أن (علي) سوف ينتقل إلى العمل في المدينة كموظف في سراي حمص! "المالية", فإن آثار عقد المحراث ستبقى واضحة, في أصابع يده وهو في الثمانين، فالأرض قاسية. والحياة أقسى, ولا معنى لها، ولا طعم بغير المعرفة، فهنا الإنسان يتميز عن الحيوان. وهنا يتميز الغني عن الفقير. وهنا الخير والنور! ولذلك, فإن كل أوقات فراغه ولياليه. هي مع أفلاطون وأرسطو وسقراط وطاليس وهرمس وفيثاغورث ومع ظهوراتهم في القبة الإسلامية!{{.

يُذكر د. النقري, بعض ما تحتفظ به ذاكرته عن أيام ملاحقته –منتصف سبعينات القرن الماضي- هو ورفاقه الذين كانوا معه في تنظيمه "الحيوي", كقوله: }}في حمص,عندما مررت, إلى بيت الصديق "أديب سليمان" لأتفقد وضعه.. قبل أن أتوجه إلى الشام.. وإذا بي أعلم –لاحقا- أن الصديق "أديب" كان بدوره متوجها إلى دمشق, على الطريق نفسه, ولكن, في سيارة مخابرات أقلته, مع شخص آخر مسن اسمه "أديب سليمان" أيضاً, وكنت صديقاً لأبنه "راجح".. وبالتالي هو يعرفني, وكان يضرب كفا بكف على طول الطريق, في سيارة المخابرات مستغرباً كيف يتهم, بكونه من جماعة "رائق", وعمره أكبر بثلاث مرات, من رائق!؟.... في دمشق – حي برزة – عندما وصلتها بعد أقل من ساعة! مع أن المسافة تتطلب ساعتين عادة.. لأبحث عن الصديق الصديق الحيوي الأول المناضل سليمان شرمك – نائبي في قيادة التنظيم الحيوي- حث لم يكن في بيته, ولكني لاحظت وجود من يراقب بيته..! فقصدت إلى الصديق "جهاد عساف" -عديله- الذي أتى معي, لكي نبحث عنه حيث يعرف أين هو - خارج بيته- والتقينا واتفقنا على أن يذهب إلى إخفاء الوثائق, لنسافر معا إلى اللاذقية, بينما ذهبت- بدوري- لأتفقد الصديق "علي علي" وكان يسكن قربه.. في دمشق عندما قررت أن أختبئ عند الصديق "محمود استانبولي" في المهاجرين.. فأرسلت أحدهم إلى هناك .. فعاد ليقول أنه قبض عليه قبل دقائق من وصوله....{{.

ثمة مقارنة عميقة, يجريها النقري بين كارل ماركس وبين الحسين بن حمدان الخصيبي, فقيه وإمام الدولة الحمدانيّة والأب الشرعي للطريقة العرفانية التي عُرفت باسمه.. وحقيقة لا أدري مدى التوفيق الذي حالف رائق في مقارنته تلك, لذا لن أسجّل منها شيئاً منها هنا, سوى أنّي قد أختلف معه في بعض ما أتى به.

يبقى أن أشير لما ذكره المؤلّف عن سلمان المرشد, فما لفت انتباهي أنّه في "مرافعته" عنه اعتمد على مصدرين هما كتاب جمال باروت "شعاع قبل الفجر", وكتاب "لمحات حول المرشدية- ذكريات و شهادات ووثائق" الذي كتبه نور المضيء بن سلمان المرشد, وأُسجّل هنا: كتاب باروت كُتب في سياق سياسي وطني معين, وهذا لا يقلل من أهمية المعلومات الواردة فيه؛ في حين كاتب الكتاب الثاني يكون ابناً للشخص المعني, فهل يمكن التعويل –من وجهة نظر البحث المنهجي- على كلّ ما أتى في كتابه والأخذ به؟!

بالمناسبة, عندما رفع الإقطاعي (المتفرنّس) ابراهيم الكنج برقية لرئيس وزراء فرنسا, بتاريخ 15 حزيران 1936, تعارض ضمّ الساحل إلى الدولة السوريّة, كان المرشد أحد الموقعين عليها! وهذا لا ينفي خلافه –هو وسواه من زعماء سوريا- مع الفرنسيين في فترات سابقة ولاحقة على البرقية المذكورة, وهي خلافات وتوافقات كانت تتبدّل بتبدل الظروف.

 

أُبي حسن

 


في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته