2021.09.07
رحاب الإبراهيم- حلب- فينكس:
جرعة ضغوط جديدة طالت العاصمة الاقتصادية مؤخراً تسببت في موجة هجرة لصناعييها في الخفاء، في وقت يفترض منح مدينة حلب اهتماماً مضاعفاً نظراً لخصوصيتها الصناعية ودورها المعوّل عليه في تنشيط الاقتصاد المحلي وإنقاذه من أزماته المتتابعة، لكن للأسف لا يزال صنّاع القرار يشحون نظرهم عنها باستثناء الدعم الكلامي، والأخطر التفكير في حلحلة بعض المشاكل في تحصيل الأموال بعقلية الجباية بدل دعم الانتاج، الذي انخفضت نسبته إلى مستويات مؤلمة تنذر بكوارث لا تحمد عقباها إذا لم يعمل على تداركها قبل فوات الآوان.

هذه الضغوط على القطاع الصناعي تحديداً تجسدت في نواحي عدة أبرزها الكبسات الجمركية والضريبة على الصناعيين، الذين بقوا يشتغلون في منشآتهم رغم كل الظروف الصعبة خلال سنوات الحرب على مدينة حلب وتحملوا كل المصاعب لأجل المحافظة على صناعتهم، لكن طريقة تعاطي الجهات الحكومية خلال الفترة الماضية كانت الأقسى حسب رأيهم، مستشهدين بما حدث مع الصناعي هشام دهمان، الذي وافته المنية أثر نوبة قلبية تعرض لها جراء كثرة الضغوط، التي لم يستطع تحملها، فكانت النتيجة خسارة صناعي يملك من الخبرة الصناعية الشيء الكثير.
الصناعي هشام دهمان الذي لمع نجمه خلال الأشهر الماضية بعد زيارة مفاجئة للجنة ضريبة مركزية قادمة من دمشق على معمله فرضت عليه رقماً خيالياً يقارب 7 مليارات ليرة، جرى على أثرها الكثير من الأخذ والرد مع شد كل طرف "اللحاف" نحوه وإثبات العكس مع محاولات كثيرة لفلفة القصة وتخفيض الرقم المفروض من فوق الطاولة وتحتها، لنسمع فجأة بنبأ الوفاة المفاجئ الذي هز الوسط الصناعي في حلب، خاصة أن الجميع أرجع سبب الوفاة سواء في الخفاء أو العلن إلى ما حصل مع الصناعي دهمان وتبعيات الكبسة الضريبة على صحته لاسيّما أنه لا يزال في عز شبابه وهو البالغ من العمر الخامسة والاربعين فقط.
مصدر مقرب ومطلع على تفاصيل قضية الصناعي دهمان والتسويات التي جرت مع المالية لتخفيض رقم الضريبي الكبير، أكد لـ"فينكس" أنه نجح بتدخل من بعض زملاء الصناعيين المتعاطفين بتخفيض الرقم من قرابة 7 مليارات إلى 600 مليون فقط بعد تسوية مع وزارة المالية بهذا الخصوص، ما يدلل بطريقة أو بأخرى أن الرقم الذي فرضته اللجنة الضريبية غير صحيح ولا يستند إلى أرقام واقعية.
المصدر الذي رفض ذكر اسمه أكد أن وفاة الصناعي هشام دهمان جاءت نتيجة أزمة قلبية، جرّاء ضغوط كثيرة تعرض لها قبل وفاته بسبب ملفه الضريبي والرقم الخيالي الذي فرضته اللجنة الضريبية المركزية، وزاد الطين بلة طريقة تعاطي وزارة المالية معه، حيث أصر وزير المالية على رفع دعوى قضائية ضد الصناعي دهمان بذريعة القدح والذم على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن أيضاً بعد الكثير من المفاوضات أسقطت الدعوى، و هنا يشير المصدر المقرب إلى أن الصناعي دهمان قبل وفاته كان يأمل حصول تغير في وزارة المالية عبر تكليف وزير جديد، لكن ورود الوزير الحالي بالتشكيلة الحكومية خيب ظنه في إمكانية إنصافه والمساهمة في عودة الإنتاج في معمله، الذي ظل يعمل في أشد أوقات الحرب حرجا بعد ترميمه وتأهيله من جديد، ولكن رغم بقاء وزير المالية في منصبه تم التوصل بالتعاون مع بعض الصناعيين إلى تسويات خفضت الرقم الكبير سواء في منشآته الموجودة في دمشق وأن كانت غير مسجلة باسمه، مع الاكتفاء بدفع مبلغ 600 مليون عن منشآته في حلب.
وقد حاولنا الاتصال ببعض أفراد عائلته لكن كان ذلك صعباً باعتبار أن العائلة لا تزال تعيش حالة حزن وصدمة من الوفاة المفاجئة للصناعي هشام دهمان، وهذا ما تظهره صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، التي ضجت بعبارات الرثاء المصحوبة بكثير من الكلمات غير المصدقة وفاة فقيدهم الشاب، الذي لم يكن يشكو أي عارض صحي قبل أن تفاجئه أزمة قلبية شديدة.
وفاة الصناعي هشام دهمان المباغتة، مع التسليم بالقضاء والقدر، يدلل على خطورة التعامل الخاطئ مع القطاعي الصناعي، الذي يستلزم مده بكل احتياجاته من دعم وتسهيلات حتى يعاود إقلاعه بطاقات إنتاجية أكبر وخاصة في مدينة حلب، المعول عليها في إنعاش الوضع الاقتصادي والمعيشي، وهذا يحتاج قرارات مدروسة ومغريات تشجع الصناعيين على العمل بدل ترك دول أخرى كمصر تستقطبهم وتستفيد من خبراتهم الصناعية المتراكمة وتحرم الاقتصاد المحلي من مهاراتهم وشغلهم المتقن، الذي ساهم في إيصال المنتجات المحلية إلى العالمية، فاليوم من المفروض معاملة حلب معاملة خاصة حتى تقلع صناعتها وتعود إلى عزها السابق، وهذا حتما لا يتحقق بقرارات رفع سعر المحروقات مع فرض تقنين قاسي على المدينة ومعاملها، لتكن النتيجة ارتفاع في أسعار السلع على اختلاف أنواع وطرح منتجات بديلة في الأسواق من المستوردات والمهربات، وبالتالي تدهور جديد في الوضع المعيشي والاقتصادي... فهل هذا ما يخطط له أصحاب الأقلام الخضراء في حكومتنا العتيدة..؟!