المرأة في العرفان النصيري– العلوي: من الإقصاء المعرفي إلى الدونيه الوجوديه
2026.07.31
نضال كامل
تمهيد
يتطلب البحث في موقع المرأة داخل العرفان النصيري– العلوي التمييز بين مرحلتين مختلفتين: مرحلة محمد بن نصير والحسين بن حمدان الخصيبي، ثم المرحلة التي بدأت مع محمد بن علي الجلي وبلغت صورتها الأكثر وضوحاً عند الميمون بن القاسم الطبراني.
في المرحلة الأولى لا نجد إشارات واضحة إلى احتقار المرأة أو اعتبارها أقل قيمة إنسانية من الرجل. كان المجال الديني والتعليمي مجالاً رجولياً، وكانت المعرفة تنتقل بين الشيوخ والتلاميذ من الرجال، لكن هذا الواقع لا يساوي بالضرورة وجود عقيدة في دونية المرأة. بل إن غياب هذه العقيدة عن كتابات الخصيبي، وهو الذي جمع الموروث السابق ونظّمه وشرحه، يؤكد أنها لم تكن جزءاً أساسياً من تعاليم ابن نصير.
أما بعد الخصيبي فتتغير طبيعة الخطاب. تبدأ بعض الأدبيات، ولا سيما عند الجلي ثم بصورة أوضح عند الطبراني، بالانتقال من مجرد استبعاد المرأة من التعليم الديني إلى بناء تصور يربط الذكورة بالعلم والنور والفاعلية، ويربط الأنوثة بالتلقي والجهل والنقص. وهنا لا تعود المسألة مجرد تنظيم رجولي للمؤسسة الدينية، بل تصبح اتجاهاً فكرياً يميل إلى التقليل من قيمة المرأة والأنوثة على المستوى الروحي والوجودي.
المرأة عند ابن نصير
لا تقدم الأدبيات المرتبطة بمحمد بن نصير تصوراً صريحاً يجعل المرأة كائناً أدنى من الرجل. فلا نجد في المرحلة المبكرة خطاباً يربط المرأة بالشر أو الخطيئة، ولا نظرية تقول إن الأنوثة نقص في أصل الخلق، أو إن المرأة أقل قيمة إنسانية أو روحية بطبيعتها.
كان انتقال المعرفة يجري في وسط رجالي، وكان الشيوخ والتلاميذ المعروفون رجالاً. غير أن هذه الحقيقة ينبغي فهمها ضمن طبيعة المجتمعات الدينية في ذلك العصر، حيث كانت مؤسسات التعليم والقيادة الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام تحت سيطرة الرجال أيضاً.
إن غياب المرأة عن سلسلة التعليم لا يكفي وحده للقول إن ابن نصير احتقرها. فهو يدل على بنية دينية ذكورية، لكنه لا يثبت وجود حكم عقائدي على إنسانيتها.
والأهم من ذلك أن الخصيبي، الذي ورث تقاليد ابن نصير وجمعها في بناء أوسع وأكثر تنظيماً، لم ينقل نظرية واضحة في دونية المرأة. ولو كان احتقار المرأة أو اعتبارها مخلوقاً أدنى ركناً أصيلاً في تعليم ابن نصير، لظهر بصورة صريحة في مؤلفات الخصيبي، كما ظهرت الأفكار الأساسية الأخرى التي تلقاها عن السلسلة السابقة.
لذلك يمكن القول بدرجة عالية من الثقة إن المرحلة المرتبطة بابن نصير لم تتضمن موقفاً عقائدياً واضحاً ينتقص من المرأة على المستوى الإنساني.
المرأة عند الخصيبي
يمثل الحسين بن حمدان الخصيبي مرحلة التنظيم الكبرى في تاريخ العرفان النصيري– العلوي. فقد وسّع دائرة الجماعة، ونظم تعاليمها، وربط عناصرها المختلفة في بنية أكثر استقراراً، وأصبح المرجع الأهم لمن جاء بعده.
وفي البنية التي نظمها الخصيبي، بقي التعليم الديني والقيادة الروحية في أيدي الرجال. فلا تظهر المرأة بوصفها شيخة أو معلّمة أو صاحبة سلطة في تفسير العقيدة. ومن الواضح أن المجال الديني كان مجالاً ذكورياً، وأن المرأة لم تكن شريكة متساوية في إنتاج المعرفة أو نقلها.
لكن هذا الإقصاء عن السلطة الدينية لا يرافقه، في الأدبيات الخصيبية، خطاب صريح يحتقر المرأة أو يجعلها أقل إنسانية. لا نجد عند الخصيبي نظرية تربط الأنوثة بالشر، أو تجعل جسد المرأة عقوبة، أو تعتبر تحولها إلى رجل شرطاً للارتقاء والخلاص.
وهذا الغياب ذو دلالة مهمة. فالخصيبي لم يكن ناقلاً هامشياً، بل كان المنظم الأكبر للتراث السابق. ولذلك فإن عدم وجود نظرة انتقاصية واضحة إلى المرأة في كتاباته يعني أن هذه النظرة لم تكن جزءاً مركزياً من العرفان النصيري– العلوي في مرحلته التأسيسية.
يمكن إذن وصف موقف المرحلة الخصيبية بأنه إقصاء ديني من دون احتقار إنساني صريح. فالمرأة لم تُمنح سلطة التعليم والتلقين، لكنها لم تُقدَّم في الوقت نفسه بوصفها كائناً ناقصاً أو أدنى في طبيعتها.
السياق الديني للعصر
لم تكن الهيمنة الرجالية على المجال الديني حالة خاصة بالعرفان النصيري– العلوي. فقد كانت المؤسسات الحاخامية في اليهودية، والكهنوتية في المسيحية، والفقهية والقضائية في الإسلام، خاضعة في معظمها لسلطة الرجال.
لم تكن المرأة اليهودية شريكة في المرجعية الحاخامية أو إنتاج التشريع الديني. وفي المسيحية الشرقية بقي الكهنوت والقرار الكنسي حكراً على الرجال، وإن وجدت جماعات نسكية نسائية محدودة أتاحت لبعض النساء حياة دينية منظمة من دون أن تمنحهن سلطة كهنوتية أو لاهوتية مساوية للرجل.
وفي الإسلام هيمن الرجال على الفقه والقضاء والإمامة والتفسير، رغم ظهور عدد من راويات الحديث والزاهدات والعالمات في ظروف محدودة وغير متكافئة.
يدل ذلك على أن غياب المرأة عن القيادة الدينية عند ابن نصير والخصيبي كان متوافقاً إلى حد بعيد مع البنية الأبوية لعصرهما. وهو واقع يمكن نقده بمعايير المساواة الحديثة، لكنه لا يثبت وجود خصوصية علوية في احتقار المرأة.
تبدأ الخصوصية النصيرية–العلوية في الظهور عندما لا يعود الأمر مقتصراً على احتكار الرجال للمؤسسة الدينية، بل يتحول إلى تفسير يجعل الذكورة رمزاً للكمال، والأنوثة رمزاً للنقص. وهذا التحول يظهر بعد الخصيبي.
الجلي وبداية التحول
يمثل محمد بن علي الجلي أول مرحلة واضحة في انتقال الموقف من مجرد الهيمنة الذكورية إلى صياغات تميل إلى الانتقاص من الأنوثة.
ففي بعض كتاباته وتأويلاته يصبح التذكير مرتبطاً بالحقيقة الباطنية، بينما تُربط الأنوثة بالصورة الظاهرة أو بوظيفة التلقي. وتظهر هذه النزعة في اللغة الرمزية التي تجعل العارف أو المعلم في موقع الذكر الفاعل، وتجعل المتلقي في موقع الأنثى المنفعلة.
هنا تبدأ الذكورة بالخروج من معناها الاجتماعي البسيط لتصبح رمزاً للعلم والفاعلية والكمال. وفي المقابل، تصبح الأنوثة رمزاً للتلقي والانفعال وعدم اكتمال المعرفة.
ولا يعني ذلك أن كل رمز أنثوي عند الجلي يحمل معنى سلبياً. فالأنوثة قد تظهر أيضاً في صور الحمل والولادة والخلق. لكن الاتجاه العام يكشف عن تفضيل للموقع الذكوري، بوصفه موقع الفاعل والعالم، على الموقع الأنثوي، بوصفه موقع المتلقي.
وتدخل تسمية فاطمة بـ«فاطر» في هذا السياق الرمزي، ولكن لا ينبغي جعلها دليلاً مستقلاً وحاسماً على احتقار المرأة؛ لأن كلمة «فاطر» قد تحمل أيضاً دلالات تتصل بالخلق والفيض والتأويل الرمزي. غير أن استعمال الصيغة المذكرة للشخصية، عندما يوضع إلى جانب البنية العامة التي تفضل الذكورة بوصفها حقيقة باطنية، يصبح مؤشراً إضافياً إلى التحول الذي طرأ على الخطاب بعد الخصيبي.
عند الجلي، إذن، لا نكون بعد أمام نظرية مكتملة في احتقار المرأة، لكننا نرى بداية انتقال الأنوثة من مجرد جنس مستبعد من السلطة إلى رمز لمرتبة أقل فاعلية وكمالاً.
الطبراني: من استبعاد المرأة إلى احتقار الأنوثة
يصبح التحول أكثر وضوحاً عند الطبراني. ففي أدبياته لا تقتصر المسألة على غياب المرأة عن التعليم الديني، بل يُعاد بناء نظام التلقين على ثنائية تجعل الذكورة مرتبطة بالفعل والمعرفة والكمال، والأنوثة مرتبطة بالتلقي والجهل والمرتبة الأدنى.
يستطيع التلميذ الرجل أن يشغل مؤقتاً موقعاً مؤنثاً أثناء تلقي المعرفة؛ فيُشبَّه بالزوجة التي تتلقى، ثم بالحامل التي تحمل السر، ثم بالوالدة التي تلد المعرفة. لكنه بعد اكتمال تلقينه ينتقل إلى مرتبة الرجل العارف.
أما المرأة الحقيقية فلا تمر بهذا المسار، ولا تصبح في نهايته عارفة أو شيخة. يأخذ النظام منها صور الحمل والولادة والرضاعة، لكنه لا يمنحها حق المشاركة في إنتاج المعرفة الدينية.
تكشف هذه المفارقة أن الأنوثة مقبولة رمزياً عندما تكون مرحلة مؤقتة في تكوين الرجل، لكنها غير مقبولة بوصفها هوية دائمة لصاحب المعرفة. فالرجل يمكن أن يتأنث رمزياً ثم يستعيد ذكورته الروحية، بينما تبقى المرأة محصورة في أنوثتها ومستبعدة من مرتبة العارف.
وتظهر عند الطبراني أيضاً تأويلات تجعل الألفاظ القرآنية المتعلقة بالمؤمنات والصالحات إشارات باطنية إلى تلاميذ من الرجال. وبذلك يُفرّغ الحضور الأنثوي في النص من مدلوله المباشر، ويعاد إدخاله في نظام رجولي مغلق. لم تعد المرأة هنا غائبة فقط، بل أصبح وجودها الديني الحقيقي مستبدلاً برمز يؤديه الرجل.
وفي الأدبيات التي انتشرت في هذه المرحلة وما بعدها، تصبح النظرة أكثر قسوة. فتظهر تصورات تربط الأنوثة بالجهل والخطيئة والهبوط، أو تعتبر الانتقال إلى جسد امرأة عقوبة، بينما يصبح التحول إلى صورة رجل ارتقاءً روحياً.
ومهما تعددت مصادر هذه التصورات، فإن دلالتها داخل الأدب الذي تداولته الجماعة واضحة: الأنوثة لم تعد مجرد وضع اجتماعي مختلف، بل أصبحت مرتبة أدنى من الذكورة.
وهنا يبلغ التحول مداه الواضح. فما كان عند الخصيبي إقصاءً للمرأة عن التعليم والسلطة الدينية من دون احتقار صريح لإنسانيتها، يصبح عند الطبراني ومن حوله تفسيراً عقائدياً لهذا الإقصاء. فالمرأة لا تُستبعد فقط لأنها خارج المؤسسة الدينية، بل لأن الأنوثة نفسها تُقدَّم بوصفها أقل فاعلية وأبعد عن المعرفة والكمال.
وبذلك أسهم الطبراني في تثبيت الانتقال من تنظيم ديني ذكوري إلى رؤية تفضّل الذكورة روحياً ووجودياً، وتصل في بعض النصوص إلى احتقار المرأة أو اعتبار وجودها الأنثوي مرتبة ينبغي تجاوزها.
خلاصة
لا تتضمن الأدبيات المرتبطة بابن نصير والخصيبي إشارات واضحة إلى دونية المرأة الإنسانية أو إلى احتقارها بوصفها أنثى. كانت البنية الدينية رجالية، وكان التعليم والقيادة محصورين بالرجال، لكن ذلك جرى ضمن السياق الأبوي العام للعصر، ولم يتحول عندهما إلى نظرية صريحة تجعل المرأة مخلوقاً ناقصاً أو شريراً.
ويؤكد غياب هذه النظرة عن كتابات الخصيبي أنها لم تكن جزءاً أصيلاً ومركزياً من تعاليم ابن نصير. فالخصيبي كان الجامع الأكبر للموروث السابق، ولو كانت دونية المرأة من أركان ذلك الموروث لظهرت بوضوح في منظومته.
أما بعد الخصيبي فقد اتجه الخطاب في مسار مختلف. بدأت عند الجلي إشارات إلى تفضيل الذكورة بوصفها رمزاً للعلم والفاعلية، ثم أصبحت هذه النزعة أكثر وضوحاً وتنظيماً عند الطبراني، حيث جرى ربط الأنوثة بالتلقي والجهل، واستخدام الرموز الأنثوية داخل نظام تعليمي مغلق على الرجال.
وفي بعض الأدبيات اللاحقة وصل هذا الاتجاه إلى اعتبار الأنوثة مرتبة أدنى، وربط جسد المرأة بالعقوبة والهبوط، وتصوير التحول إلى الذكورة بوصفه ارتقاءً. وهنا يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من إقصاء المرأة عن التعليم إلى الانتقاص من قيمتها الروحية والوجودية.
وعليه، فإن الإجابة عن سؤال: هل تنظر العلوية إلى المرأة بدونية؟ لا يمكن أن تكون واحدة لكل مراحل تاريخها:
«لم تتضمن المرحلة التأسيسية المرتبطة بابن نصير والخصيبي نظرة واضحة تحتقر المرأة أو تنتقص من قيمتها الإنسانية، وإن أبقتها خارج القيادة والتعليم الديني. أما الأدبيات التي ظهرت بعد الخصيبي، ولا سيما عند الجلي والطبراني، فقد مالت تدريجياً إلى تفضيل الذكورة والانتقاص من الأنوثة، ووصلت في بعض نصوصها إلى نظرة يمكن وصفها بوضوح بأنها نظرة دونية إلى المرأة.»
هذه النتيجة لا تبرئ الإقصاء الديني المبكر، لكنها تضعه في موضعه الصحيح، وتمنع تحميل ابن نصير والخصيبي أفكاراً لم تظهر في أدبياتهما. كما تكشف أن النظرة الأكثر قسوة إلى المرأة كانت تطوراً لاحقاً، وليست أصلاً ثابتاً في العرفان النصيري– العلوي.