كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ميلاد جديد

محمد ابراهيم

اثنان وأربعون عاماََ من الصخب
أن أبلغ الثانيةَ والأربعين في هذه البلاد
ليس نجاة
إنه تأجيل متكرر للموت
باسم الحياة…
هنا
لا يكبر العمر
يتكدّس
وأنا…
كومةُ أعوام
نجت عنوة
وأصرت على الفهم…
نصف عمري
وقبضتي لم تفكّ السيف
ليس بطولة
بل لأن الأرض
لم تترك لي خيار اليد الفارغة
والنصف الآخر
وقلمي مشدود
كعصب مكشوف
كلّما حاولت إراحته
صرخَ في وجهي
إن سكت
تموت مرتين…
لم ترتح يدي
لأن الحديد كان أكثر صدقاََ من الوعود
ولم ترتح روحي
لأن الحقيقة
حين تُقال كاملة
تكسر القائل
ولم ترتح نفسي
لأن الألم
لم يعد ضيفاََ
صار شريكَ سكن…
اليوم…
يوم ميلادي
لا شموع
لا أغان
بل جردةُ حساب
مع الأعمار التي سرقت
باسم الوطن
وباسم المواجهة
وباسم الصبر الذي طال
حتى صار تواطؤاََ…
ممتنٌّ للأقدار
لأنها أخفقت في قتلي
غاضبٌ من ذاتي
لأنها أتقنت البقاء
أكثر مما أتقنت الرحمة
بنفسها…
عشتُ
ألفَ فقد
حتى صار الوداع
لغةً أم…
ألفَ كسر
حتى فقدتُ الثقة
بفكرة السلامة…
ألفَ قيامة
خرجتُ فيها من تحت الأنقاض
لا أقوى
بل أوضح…
حاربتُ
ألفَ حرب
بعضها في الشوارع
وأكثرها
في رأسي...
سُجنتُ
ألفَ مرة
مرات خلف القضبان
و مرات
خلف الأسئلة
التي لا يسمحون بطرحها…
قُهِرتُ
حتى حفظَ القهرُ
اسمي الثلاثي
وتعلّم نبرة صوتي
وصار يعرف
متى أصمت
ومتى أبتسم كاذباََ...
ورقصت
نعم رقصت
لا لأن الموسيقى كانت جميلة
بل لأن الوقوف ساكناََ
كان اعترافاََ بالهزيمة...
رقصتُ
فوق الركام
فوق الخيبات
فوق وجوهٍ
كانت تحصي سقوطنا
وتسمّيه انتصاراََ…
رقصتُ
لأقول للجلاد
لم تربح
لم تفهم
ولن أفقد
هذه القدرة
على الوقوف…
اثنان وأربعون عاماََ
وأنا أمشي
على حافة السكين
أمسك السيف
كي لا أُذبح
وأمسك القلم
كي لا أتحوّل إلى ذابح…
إن كانت هذه البلاد
قد أعطتني العمر
مشروطاََ بالألم
فأنا أعطيها الآن
هذا الصوت
الذي لم ينكسر…
أنا لستُ ناجياََ
أنا شهادةٌ حيّة
ولستُ ضحية
أنا سؤالٌ
ما زال مفتوحاََ
في وجه كلِّ هذا الخراب..
أنا لستُ ناجياَ
الناجون ينسون
أنا الذاكرة
حين ترفض أن تموت…
ولستُ ضحية
الضحايا يُغلق عليهم الملف…
أنا الاتهام
أنا السؤال
أنا الشاهد
الذي أفلت من المقصلة
ليقول
ما زلتم تفشلون
في قتل الحقيقة…
10 يناير 2026