كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

خبز وحشيش وقمر! لنزار قباني

نزار قباني

 عندما يُولدُ في الشرقِ القَمر
فالسطوحُ البيضُ تغفو...
تحتَ أكداسِ الزَّهرْ
يتركُ الناسُ الحوانيتَ.. ويمضونَ زُمرْ
لملاقاةِ القمرْ..
يحملونَ الخبزَ، والحاكي، إلى رأسِ الجبالْ
ومعدَّاتِ الخدرْ..
ويبيعونَ، ويشرونَ.. خيالْ
وصُورْ..
ويموتونَ إذا عاشَ القمرْ
ما الذي يفعلهُ قرصُ ضياءْ
ببلادي..
ببلادِ الأنبياء..
وبلادِ البسطاءْ..
ماضغي التبغِ، وتجَّارِ الخدرْ
ما الذي يفعلهُ فينا القمرْ؟
فنضيعُ الكبرياءْ
ونعيشُ لنستجدي السماءْ
ما الذي عندَ السماءْ
لكُسالى ضعفاءْ
يستحيلونَ إلى موتى..
إذا عاشَ القمرْ..
ويهزّونَ قبور الأولياءْ
علّها..
ترزقُهم رزّاً وأطفالاً..
قبورُ الأولياءْ..
ويمدّونَ السجاجيدَ الأنيقاتِ الطُررْ
يتسلّونَ بأفيونٍ..
نسمّيهِ قدرْ..
وقضاءْ..
في بلادي..
في بلادِ البسطاءْ..
أيُّ ضعفٍ وانحلالْ
يتولانا إذا الضوءُ تدفّقْ
فالسجاجيدُ، وآلاف السلالْ
وقداحُ الشاي.. والأطفال.. تحتلُّ التلالْ
في بلادي..
حيثُ يبكي الساذجونْ
ويعيشونَ على الضوءِ الذي لا يبصرونْ
في بلادي..
حيثُ يحيا الناسُ من دونِ عيونْ
حيثُ يبكي الساذجونْ
ويصلّونَ، ويزنونَ، ويحيونَ اتّكالْ
منذُ أن كانوا.. يعيشونَ اتّكالْ
وينادونَ الهلالْ:
" يا هلالْ..
أيها النبعُ الذي يمطرُ ماسْ
وحشيشاً.. ونُعاسْ
أيها الربُّ الرخاميُّ المعلّقْ
أيها الشيءُ الذي ليسَ يُصدَّقْ
دُمتَ للشرقِ.. لنا
عنقودَ ماسْ
للملايينِ التي قد عُطِّلت فيها الحواس "
في ليالي الشرقِ لمّا
يبلغُ البدرُ تمامهْ..
يتعرّى الشرقُ من كلِّ كرامهْ
ونضالِ..
فالملايينُ التي تركضُ من غيرِ نعالِ..
والتي تؤمنُ في أربعِ زوجاتٍ..
وفي يومِ القيامهْ..
الملايينُ التي لا تلتقي بالخبزِ.. إلا في الخيالِ
والتي تسكنُ في الليلِ بيوتاً من سعالِ..
أبداً.. ما عرفتْ شكلَ الدواءْ..
تتردّى..
جُثثاً تحتَ الضياءْ..
في بلادي..
حيثُ يبكي الساذجونْ
ويموتونَ بكاءْ
كلّما طالعهم وجهُ الهلالِ
ويزيدونَ بكاءْ
كلّما حرّكهم عودٌ ذليلٌ.. و"ليالي"..
ذلكَ الموتُ الذي ندعوهُ في الشرقِ..
"ليالي".. وغناءْ
في بلادي..
في بلادِ البُسطاءْ..
حيثُ نجترُّ التواشيحَ الطويلهْ..
ذلكَ السلُّ الذي يفتكُ بالشرقِ..
التواشيحُ الطويلهْ
شرقُنا المجترُّ.. تاريخاً.. وأحلاماً كسولهْ
وخُرافاتٍ خوالي..
شرقُنا، الباحثُ عن كلِّ بطولهْ
في (أبي زيدِ الهلالي)..
****
القصيدة أعلاه، أثارت جدلاً، عام 1954م، في الوسط السياسي الرسمي السوري، وحول هذه القصة، كتب الباحث نشوان أتاسي مايلي:
كتب نزارقباني في عام 1954 قصيدته الشهيرة "خبز و حشيش وقمر" وهو في لندن حيث كان موظفاً في السفارة السورية هناك، وقد أثارت القصيدة سخط المحافظين والمتدينين، ولأن الحياة البرلمانية السورية آنذاك كانت تتيح مساءلة الحكومة مارس النائب "مصطفى الزرقا" حقه كنائب وطلب عقد جلسة نيابية لاستجواب الحكومة ترأسها ناظم القدسي رئيس المجلس النيابي وحضرها صبري العسلي رئيس الوزراء وزير الداخلية وباقي أعضاء الحكومة، وانتهت الجلسة دون اتخاذ توصية بإحالة قباني إلى لجنة التأديب، فتوجه الزرقا إلى وزير الخارجية خالد العظم طالباً منه محاسبة القباني فكان جواب العظم كالتالي:
"يا حضرات النواب الأعزاء، أحب أن أصارحكم بأن وزارة الخارجية السورية فيـــها نزاران: نزار قباني الموظــــف ونزار قباني الشاعر، أما نزار قباني الموظف فملفه أمامي وهو ملف جيد ويثبت أنه من خيرة موظفي هذه الوزارة، أما نزار قباني الشاعر فقد خلقه الله شاعراً وأنا كوزير للخارجية لا سلطة لي عليه ولا على شعره فإذا كنتم تقولون أنه هجاكم بقصيدة، فيمكنكم أن تهجوه بقصيدة مضادة وكفى الله المؤمنين شر القتال".