كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

زياد.. أطفأ آخر سيجارةٍ في ذاكرة الوطن، ثم مضى

نضال كامل

 "زياد... أطفأ آخر سيجارةٍ في ذاكرة الوطن، ثم مضى"
في ليلٍ يشبه غرفة تحقيق،
تسلّل من ثقوب البيانو،
عبر خيوط الدخان،
وترك بيروت تتأرجح كدميةٍ وحيدة على مسرحٍ مهجور.
رحل من كان يعبث بالنوتات كما يعبث الأطفال بالتراب،
يصنع منها وطنًا بحجم فنجان قهوة،
يركض فيه الكلام خلف المعنى،
وتختبئ الضحكة في جيب المعذّبين.
غاب زياد،
لكن نبرته ما زالت تهمس من بين فناجين القهوة،
تتسلل من نوافذ الحنين،
وتتسكّع كجملةٍ ناقصة على لسان بيروت.
يسخر من الموت بلكنةٍ بيروتية تعبق برائحة الحرب والحبر،
كأنه لم يكن إنسانًا بل "مزاج"،
مزاجٌ يتقلّب بين الضحك والانفجار،
بين العشق ونشرة الأخبار.
اليوم، خسر الجنون رفيقه،
والحزن شاعرًا يخبز الموسيقى من رماد،
وصمتت آلة البيانو،
ليس لأن الصوت انتهى،
بل لأن الغياب صار أبلغ من العزف،
كأنها أدركت فجأة أنها كانت تُترجم رجلًا، لا نغمة،
فأغلقت غطاءها... لا عن يأس،
بل احترامًا لسرّ لم يعد يُقال.
وداعًا لمن جعل من العبث نشيدًا،
ومن الخراب أغنيةً تُرقصنا.
وداعًا أيها العابر بين السخرية والقداسة،
أيها النبيُّ غير المصدّق،
يا من لوّنتَ الغضبَ بموسيقى لا تموت.