نشيد الأنقاض (إلى أبي العلاء المعرّي)
2024.12.13
هادي دانيال- تونس
رأسي على صَدْرٍ بلا قَلْبٍ ولا أضلاعْ
بْيانُو بعيدٌ
عَزْفٌ بلا إيقاعْ
وعالمٌ يُولَدُ مِن أنقاضنا
نَحْنُ الذين طالَ ليلنا
وانْفَضّ عن "فَجْرِ الضِّباعْ"
عَمّ الظلامُ بلحيةٍ هائلةٍ
على يَدَيْهِ دَمُنا
شَمْسٌ من الفسفورِ فَوقنا،
قَمَرٌ صناعيٌّ يُصَوِّرُ بذرةَ الأملِ الخفيّةَ
كاشفاً أحلامَنا لليأسِ ثانيةً وألْفا
فالجرحُ لن يشفى...
ونَحْنُ الشعب أسرابٌ بِلا سَرَبٍ،
أو كُتَلٌ لحميّةٌ تنهشها السِّباعْ
في غابةِ الشيوخِ والأساقفهْ
إلى جذورها تتكئُ الأشجارُ كي تمرَّ العاصفهْ
قد تنحني لكي تعيشَ في يَباسِها
وقد تموتُ واقفه
فهذه البلادُ لعنةٌ تتبعُها
ترسفُ في الأصفادِ
أو يَلوكُها أَكَلَةُ الأكبادِ
وكلّما تَوَهَّمَتْ بُوصَلَةً أفْسَدَها قبطانُها
كأنّها سفينةٌ أدْمَنَت الضياعْ
يقفُ الشاعرُ في ظلِّ ضميرهِ:
آهِ ما أصغرني
بِخَيالٍ غَصَّ بالأشلاءِ والدماءْ
يقتعدُ الشاعرُ صخرةً بَحْرِيّةً:
بَعْضيَ في السُّفُنْ
وخلفيَ السجونُ تقضمُ الوطَنْ
تختلط الآفاقُ بالأنفاقِ
والنوارسُ البيضاءُ ب"المُسَيّراتْ"
يهزّني من قاعِ رُوحيَ انْبِتاتْ
سَهْبٌ ضبابيٌّ هو المكانْ
أحلمُ أنني في اللاذقيّةِ
البحرُ كالسجّادةِ العجميّةِ
أمواجُهُ شالٌ على كَتِفٍ مِنَ النيرانْ
ومُزَرْكَشٌ بشقائق النعمانْ
كأنّ من مِحبرتي
يصعد ماردُ المِحَنْ
يحملني كريشةٍ يرسم بي وَطَنْ
يقذفُ بي إلى سمائهِ كغيمةٍ
أو كشهيدٍ في كَفَنْ
كأننا سلالةُ ضاقت بها القُلُوعْ
وعندما نجوعْ
نأكلُ أعشابَ قبورنا
ونشرب الدموعْ
ينكسرُ الشاعرُ في سريرهِ مُستلقياً
كألِفٍ مَقصورةٍ
أرْعَبَها كابوسُ أبجديّةٍ مخصيّهْ
يخافُ أن يغفو
كأنّ في غرفةِ نومِهِ دبّابَةً
تمدّ يَدَها إلى دماغهِ
تفتكّهُ مِن قَحْفِ رأسِهِ
ترمي به إلى قطّتها الساميّهْ
يخافُ أن تحرقَ قَبْرَ أمِّهِ الوصيّةُ "التَّيْمِيّهْ"
قربانَ طامِعٍ إلى
حُوريّةِ "الحريّهْ"
فالخوفُ ظلُّ الموتِ في الأرضِ المَشاعْ.