كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مشى على الغيم (إلى محمود درويش)

صقر عليشي:

نحن اختلفنا حول تفسير الغيابِ،
فقالَ قومٌ إنه قصد السماءَ
ليشرح المأساةَ...
شُوهد يستقلّ قصيدةً صغرى
من الوزنِ الخفيفِ،
علتْ به فوق السحابِ،
البعض أكد أنه حَمَلَ الوثائق
تحت إبطيهِ:
الخرائطَ
والصورْ
والبعض قال مضى ليلقي نظرةً
عُليا...
يتابع من هناكَ
على رصيفِ الغيبِ
مشيتهُ،
كما أوصى طبيب القلبِ...
ثم معرجاً
سيرى تخوم المنتهى
ومكانَ إنزالِ السورْ
* *
مشى على الغيم
لا تهتزّ إلفتُهُ
كأنما اعتاد درباً في الغيوم لهُ
كان الجمالُ هنا نزراً...
فأكثرهُ
والليل كان هنا جمّاً... فقلّلهُ
وكان يطلع عشبٌ..
حيث أطلعهُ
وكان ينزل سحر..
حيث نزّلهُ
وكان في شعره يلقى الغزالُ
مدىً
له، ويلقى السنونو فيه منزلَهُ
على المشارفِ ألقى، كالغروبِ، بما
ألقى
وعلّق للرائين بابلَهُ
* *
قصد السماءَ ليشرح المأساةَ
أكد بعضهم.
..................
كثرت عذابات الفلسطيني
لا تسع القصيدة بعدُ...
لا يسع الكلامْ
لم يفهم البحر المحاصرُ
قربَ غزة
ما الذي يجري..
ولم تجد الحمامة
حين أرسلها "بكاسو"
غصن زيتونٍ صغيراً
كي تجيءَ به
وترمز للسلامْ
* *
مرَّ الكلامُ بلا لونٍ ....
فلوّنهُ
والريحُ مرَ بلا عطرٍ...
فحمّلهُ
ومرّ بالضوءِ لجلاجاً...
فأثبته
ومرّ بالغيّ بنياناً...
فزلزله
واحتاجَ حزنٌ لإيقاعٍ...
فنغّمهُ
واحتاجَ صمتٌ لتأويلٍ...
فأوّلهُ
واحتاجَ معنىً إلى عمقٍ...
فعمّقَهُ
واحتاج طير إلى أفقٍ...
فناولَهُ
دنا ومسّح عن خدّ الحصاةِ قذىً
وحين طال شموخ النخل..
طاولَهُ
* *
رميت السؤالَ على حجرِ الأبديةِ،
رنّ
كما الليرة الذهبية...
وارتدّ نحوكَ.
قُدْتَ الأساطيرَ نحو الحياةِ
وأسكنْتَها الشارعَ الجانبيَّ،
وأسريتَ في الواقعيّ
دماءَ الخيالْ
وأعطيتَ أغنيةً للجبالِ،
عَلَتْ...
خذ جبالَ «الجليلِ» مثالْ
وأشفقتَ...
لم تدعِ النسوةَ الذاهلاتِ
يقطّعنَ أيديهنّ
أمام جلالِ الجمالْ
* *
ساق العناصر في درب النشيد إلى
مصيرها..
وتولاّهُ
ودللّهُ
ولمَّ شملَ الأغاني
في «الطريق إلى
دمشقَ»...
واختارَ أحلاها... وأرسلَهُ
تألّق الجانبُ الغربيُّ في لغةٍ
لمّا أضاءَ لها من شرقهِ الولهُ
.....
في الشامِ
شفَ بياضَ الياسمين أسىً
نأى به عن معانيه..
وأذبلهُ
وأنت من بحنان الآسِ لامسهُ
وأنت من بأرقِّ الشِّعر عاملَهُ
* *
في تيههِ الأزليّ
يمضي الشعرُ....
يأخذ ضفّةً أخرى
ويترك خلفه «أثر الفراشةِ»....
ظلّها الضافـي
على ورد الهنيهةِ
ثم يمضي...
ثم يأخذ قمةً أخرى
ومغزىً للحياةِ،
انظرْ إليهِ
يمدّ توريةً بوجهِ الشمسِ
يحمي البضّ في جسد الصبيةِ
فوق رمل بحورِهِ استلقتْ
ومدّدتِ الحقائقَ عاريَهْ
والشعر يؤمن بالتّقمصِ...
بالتّحولِ...
كان غصناً
كان ظبياً
في حياةٍ ماضيَهْ
* *
تبكي الغريبةُ...
ألقتْ نظرةً، ورأتْ
أن السرير فراغٌ لاحدود لهُ
ولم تجد وردةً بالقربِ
تأخذها...
ولم تجد غيرَ منفاها
لتحملَهُ
فوق الملاءة لمّت نفسها...
وسجتْ...
وسال دمعٌ على الماضي...
وبلّلَهُ
هنا على سمعها
ألقى عذوبتهُ...
هنا على شَعْرها
مشّى أناملَهُ
راحت تأمّل من شبّاكها قمراً
من عندها
كانَ يوماً ما تأمّلَهُ
* *
صعودُ السروِ نحو جمالهِ العالي
يدلُّ عليكْ
(
زهر اللوزِ
يركضُ في البياض الغضّ
مؤتلقاً
يدلُّ عليكْ
(
لؤلؤة النباهةِ
حين يخرجها لنا الغوّاصُ
من أعماق فكرتهِ.
تدلُّ عليكْ
(
ليلى....
حين أجهدْتَ العبارةَ
كي توضحَ ليل عينيها...
تدلُّ عليكْ
(
ورصّعتَ السماءَ بفضّةِ الذكرى
وأجريتَ الرخامَ مع النشيدِ
لصنعِ أبّهةٍ تدلُّ عليكْ
(
فنانٌ
يظلّلُ فكرةً بجدائل الأشجارِ
أو بهفيف ثوبِ البنتِ
تعبرُ نحوَ موعدِها
يدلُّ عليكْ
(
أنكيدو
على مدّ الأساطيرِ
التي تأتي وتذهبُ
بين نهريها...
يدلُّ عليكْ
(
أندلسُ الكنايةِ
حين وشّحْتَ البعيدَ شجىً
تدلٌّ عليكْ
(
سربُ الطيرِ
في أفقِ الكلامِ وراءَ غيبٍ ما
يدلُّ عليكْ
(
حضوركَ في الغيابِ هنا
يدلُّ عليكْ
(
جلوسكَ فوق مصطبةِ الخلودِ
مدلّياً رجليكْ
يدلُّ عليكْ
يدلُّ عليكْ
* *
وعاشَ كالريحِ...
لم يركنْ إلى جهةٍ
إلا وهيّأَ للأخرى قوافَلهُ
رمى الحنينُ به نحو البعيدِ...
وقدْ
تحمّلَ القلبُ منه ما تحمّلَهُ
.........
ماذا تريدُ لقلبٍ
ما انفردْتَ بهِ
إلا طلبتَ من الإشراقِ أكملَهُُ ؟
ماذا تريدُ لقلبٍ
كان لاحقهُ
وهزّه غامضُ الأنثى... وبلبَلَهُ ؟
وكنتَ تتركهُ للموجِ مضطرباً
بلا معينٍ...
فأعلاهُ... وأنزلهُ
................
يرى العذابَ حراماً
في مذاهبهِ
لكن على قلبهِ المسكينِ
حلّلَهُ
.........
وليس يكفي العُلى قلبٌ..
فليتَ لهُ
الإنسان قلبينِ يا محمود...
ليتَ لهُ
* *
والشوقُ بعدكَ
لم تَحمَرَّ وجهتهُ
ولم تشاهدْ أماسينا تغلغلَهُ
والشوقُ بعدكَ
لا طارَ الحمامُ ولا
حطّ الحمامُ...
ولا ودّى رسائلَهُ
.......
هَوى الضبابُ على الوادي...
ورنـّقَ من طول الغموضِ
ولا معنىً تخلّله
* *
تماوج حرشُ الصنوبرِ
(حفّ به الوزنُ)
(
تحبسُ أنفاسها الكاميرا
(القصيدةُ تخرجُ في نزهةٍ
وتسيرُ مع الناسِ)
(
تبكي الكمنجا
(لقد مسّها الشعرُ)
(
تمضي الطيورُ... بعيداً
(رأت أفقاً أخرَ)
(
اللونُ زغردَ...
(أملى نبيذُ الكلام خصوصيّةً ما)
(
هنا عاشَ شاعرنا
في القصيدةِ
بين فلسطين والأندلسْ
وهنا
لم
يمتْ
* *