فصل من كتاب "النهضة والأطراف".. يوتوبيا المثقفين في الساحل السوري خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين
ننشر أدناه فصلاً من كتاب "النهضة والأطراف" للدكتور إياس حسن, تعميماً للفائدة.
سيرة مختصرة لشاهد
"لم يكن طرفا ولا متطرفا"
في أواسط العقد الثاني من بداية القرن العشرين، كانت سوريا على أهبة التحرر من العثمانيين وتشكيل أول حكومة عربية، في تلك الفترة ولد أحمد علي حسن في قرية الملاجة، التي تبعد حوالي 20كم عن طرطوس. وبعد أن تعلم القراءة والكتابة على يد والده وأخيه الكبير، غادر القرية في عام 1934، ولم يكن قد بلغ العشرين من عمره بعد، والتحق بشقيقيه عبد الكريم وسلمان في مدينة طرطوس. في ذلك العام التقى بالأستاذ محمد المجذوب (المثقف السني من طرطوس). وبعد أشهر كتب موضوعا بعنوان " تنبّه أيه المسلم"، مر على المقال، كما يذكر، قلمُ محمد المجذوب، ونشرته مجلة مصرية اسمها "هدي الإسلام"؛ كان الغلاف الأول للمجلة يحمل صورة شيخ الأزهر "محمد مصطفى المراغي"، وعلى خلفيته صورة تجمع الكاتب وشقيقه عبد الكريم. وبعد سنتين ساهم أحمد ومحمد في مجلة "النهضة" التي أصدرها الدكتور وجيه محي الدين في طرطوس.
في طرطوس تعرف أيضا على المثقفين الوطنيين: رياض عبدالرزاق ويوسف تقلا وعبد الله العبد الله وغيرهم. وكُلف في تلك الفترة بإجراء استفتاء في قرى الجبل حول مسألة الانضمام إلى سوريا، ونشر النتيجة في جريدة "القبس" الدمشقية، كانت بالطبع مؤيدة للانضمام. بعد فترة التحق قسم من أصدقائه بالحزب الشيوعي، وبقوا أصدقاء.
عام 1937 تزوج أحمد من ابنة عمه فاطمة نجم الدين، وأنجب منها ثلاث بنات، هن "نجوى ونعمى ونهى"، ويقول بأن أهله رفضوا مناداة بناته إلا بالأسماء التقليدية، أي "نجيحة ونعيمة ونهيدة"، فقد كان وقع الأسماء الجديدة غريبا على الأذن حينئذ.
أصدر عام 1938 ديوانه الأول "الزفرات". وكان ثاني ديوان يصدر من جبل العلويين بعد "ديوان بدوي الجبل"، 1927، في بيئة كانت المعرفةُ فيها تؤخذ من الصدور لا من السطور.
وفي عام 1939 حصل على منحة من السيد "عبد الحميد الطباع" (الوجيه السني من دمشق) للدراسة في المعهد الشرعي الإسلامي في الجامعة السورية [كلية الشريعة في جامعة دمشق حاليا]. أمضى هناك عاما واحدا ولم يستطع الاستمرار بسبب الأعباء العائلية، فتوقف عن متابعة الدراسة. وكان في تلك السنة قد حضر عدة مرات في مجلس السيد محسن الأمين (الشخصية الشيعية المعروفة). دعاه بعدها عابد جمال الدين إلى اللاذقية ليرأس تحرير صحيفة "صوت الحق" خلف لعبد اللطيف اليونس الذي كان قد سافر إلى العراق.
بعد توقف الجريدة أصبح بلا عمل، فتنقل بين وظائف مؤقتة حتى عام 1948 حين أرسل رسالة إلى محافظ اللاذقية الأمير مصطفى الشهابي، طالبا تأمين عمل له، وحصل إثرها على وظيفة في العدلية التي بقي فيها حتى تقاعده.
وفي آذار 1950 تزوج ثانية من حورية ناصر، لكن هذه المرة من طرابلس بلبنان، وتأخر وصول موكب العروس عدة ساعات على الحدود، فقد كان رئيس الوزراء في سوريا، خالد العظم، قد أغلق الحدود مع لبنان في ذلك اليوم بالذات بعد أن أصدر قرار إلغاء الوحدة الجمركية بين البلدين... إنها مصادفة.
انتقل بعد ذلك إلى صافيتا، وهناك تعرف على القوميين السوريين، وفي عام 1955 بات ليلة في سجن حمص للتحقيق معه، فقد كان قد تم اغتيال العقيد عدنان المالكي على يد عضو في الحزب السوري القومي، وسبب التحقيق كان رسالة غير مكتملة العبارات، لخصوصية عائلية، أرسلها له صديق من قرية سلحب التابعة لحماه، صدف أن كانت بُعيد الاغتيال، وكان لأحد الضباط دور في الإسراع بإطلاق سراحه، لمعرفته بمضمون الرسالة، فد كان يمت بصلة قرابة إلى المرسِل.
في صافيتا أنجب ثلاثة أبناء أطلق عليهم أسماء "معاذ وحيان وإياس". كان والده قد توفي، فلم تلق هذه التسميات من اعتراض، أللهم إلا من بعض أصدقائه. وفيما بعد انحاز معاذ صوب الشيوعية، وحيان صوب حزب البعث.
عام 1956 انتقل بوظيفته إلى بانياس الساحل حيث تعرف على البعثيين، وهناك ساهم في تأسيس "جمعية الزهراء الخيرية"، وهناك أيضا التقى بالشاعرين أنور الإمام (أبو علاء) وحنا الطباع (أبو رشيد)ـ وساهم الثلاثة مع غيرهم في تأسيس "منتدى عكاظ الأدبي"؛ كان إشهاره بالجريدة الرسمية، تحديدا، في السابع من آذار عام 1963، نعم.. قبل يوم واحد من ثورة آذار!. في ذلك المنتدى شاهدتُ محاضرة عن "حضارة أوغاريت" ألقاها جبرائيل سعادة في أواسط الستينيات، واستعان فيها بعرض يستخدم الفانوس السحري. وهو جهاز عرض السلايدات، وكنت أراه لأول مرة.
تجمد نشاط منتدى عكاظ منذ عام 1976 وما يزال، رغم الكتاب الذي أرسله أحمد إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بتاريخ 25/5/2000، يطلب فيه إعادة تفعيل المنتدى، ولم يرد جواب الوزارة حتى الآن. فقد توفي الرئيس حافظ أسد بعد تقديم الطلب بعشرة أيام، وحدث بعدها ما حدث بخصوص الجمعيات والمجتمع المدني.
عام 1966 كان قد اقترب من سن التقاعد، وأحب أن تنتهي حياته الوظيفية في بلده. أرسل قصيدة إلى أمين الحافظ، رئيس الدولة يومئذ، ملتمسا نقله أو ندبه إلى المركز الثقافي في طرطوس، فتم له ذلك. انتقل إلى طرطوس بعده بفترة أنور الإمام الذي ما لبث أن انتقل إلى دمشق حيث أقام إلى توفي عام 2008، أما حنا الطباع فقد توفي منذ سنوات، وعائلته تقيم الآن في أستراليا.
عام 1973 أحيل على التقاعد، وسكن في الجمعية السكنية في طرف طرطوس الشمالي، وشاءت الصدف أن يكون سكنه مقابل بيت السيدة "غيداء المجذوب"، ابنة "الشيخ محمد المجذوب"، أول من التقاه حين مجيئه إلى طرطوس عام 1934. كان الشيخ قد ذهب ليقيم في السعودية قبل سنوات عديدة. وللحق كانت جيرة السيدة غيداء، مع أفراد عائلتها، خاصة المهندس طلال والدكتورة نعمة، التي رحلت باكرا، امتدادا للرابطة التي جمعت قبل أربعين عاماً أحمد ومحمد.
وبعد تقاعده أصدر عدة دواوين، يعتز منها ديوان "على قبور الأحبة"، وفيه تجد مراثيه لطيف واسع من أصدقاء وأقرباء ورجال دين من كافة الطوائف وقادة رأي وشهداء... وأصدر قبله وبعده عدة كتب، منها "المسلمون العلويون في مواجهة التجني" ردا على كاتب شيعي، ثم "إرهاصات أبوموسى الحريري" ردا على كاتب مسيحي، وآخرهما كتابان: الأول عن سلالة جده "الشيخ معلا حمين"، والثاني "بحثا عن قبر الأمير حسن المكزون السنجاري". بعدها أصيب بتنكس في شبكية العين، وقد شارف على التسعين، فأصبح يستعين بالغير من أجل القراءة والكتابة، إلى أن توفاه الله في الخامس من تموز 2010.
هي سيرة فردية، توازي وتعاصر سيرة مجتمع بما مر به على امتداد قرن، فيه الهجرة إلى المدينة، والعمل بالصحافة اليوتوبية، وخرق نظام التسميات السائد، وإيمان بالتعددية، وبحث عن الهوية، واهتمام بالعمل المدني... إلخ، وهي العناوين التي سنراها في سيرة المجتمع الأوسع في النصف الثاني من القرن العشرين.
في أواسط التسعينيات، ورغم الشيخوخة التي أقعدته، شارك أكثر من مرة في "الصالون الثقافي" الذي شهده منزل ابنه البكر معاذ، والذي كان وراءه إلى جانب معاذ، عبدالله ديب وشاهر قاسم(*)، واستضاف هذا الصالون نخبة هامة من المثقفين من سوريا ولبنان، ومن أطياف مختلفة.
في هذا الصالون، الذي توقف عام 2001 كانت بداية هذا البحث.
(*) ملاحظة من "نبيه نبهان": وأزعم أني كنت من المشاركين المؤسسين لتجربة الصالون