ثورات حمص على الفرنسيين 2 من 2
2022.05.24
خالد محمد جزماتي- فينكس:
عندما نبحث عن طرق حكم الفرنسيين للبلاد التي استعمروها في مختلف أنحاء العالم، نجد أمثلة حية متماثلة لأساليب الحكم اللا أخلاقية في جميع تلك البلدان ومنها سورية ولبنان.. من تلك الأساليب ما قام به الجنرال غورو من محاولات كسب بعض الرجال من أعيان سورية ولبنانية، و للأسف نجح في بعضها وفشل في محاولات أخرى.. ومن الأمثلة على ذلك محاولة كسب الوجيه صبحي بركات (الصورة أعلاه) الذي كان من أوائل الثاثرين في لواء اسكندرون إثر دخول فرنسا السواحل الفرنسية، وقد نجح في ذلك (المستعمر الفرنسي) بعد تدبير لقائه في بيروت، و في الوقت نفسه فشل في تدبير لقاء بينه وبين مفتي حماة الشيخ بدر الدين الكيلاني أيضاً في بيروت، حيث كان الشيخ الكيلاني يستطب في إحدى مستشفياتها. ولما جاء رسول غورو رده رداً جميلاً، ومن فوره ترك العلاج وقفل عائداً الى حماة رافضاً مقابلة الجنرال غورو...
وفي حمص حاول الفرنسيون كسب ودّ وجهائها وأغنيائها، فلعب أكثر الحماصنة لعباً خرجوا بموجبه من أساليب المستعمر الفرنسي بأفضل النتائج الممكنة..
ولكن حظ حمص وحماة كان سيئاً جداً بتعيين "الكابتن ميك" حاكماً عسكرياً على حماة، فيما كان متصرفها وطنياً ذو حنكة سياسية وهو المرحوم نورس الكيلاني..
أما حمص فقد ابتليت بمتصرف (محافظ) لم يجاره أحد في السوء والأذي وهو المدعو فوزي بن سليم الملكي المولود في بلدة جنين الفلسطينية عام 1876، والذي أمر بتعيينه الجنرال غورو متصرفاً على حمص بتاريخ 30 تشرين الأول عام 1920، وقد خدم الفرنسيين أكثر من خدمتهم لأنفسهم، وكان مسيحياً أرثوذكسياً، حاول كسب الطائفة الكريمة في حمص، ولكن رجال الدين وأعيان الطائفة تنبهوا بشكل مبكّر لما حاول فعله ذلك العميل، و أول أعماله قيامه بالزواج من إحدى بنات اّل فركوح الكرام محاولا الولوج إلى مجتمع الطائفة المذكورة، وقد استطاع تجنيد كثير من العملاء والمخبرين من مختلف الطوائف، ولكن لا يستغربن البعض عن أن النسب العددية لهؤلاء المخبرين كان يتناسب مع عدد كل مكوّن من أبناء حمص وحماه...
و لا بد لي أن أذكر أن أذى وبلاء هذا المتصرف الملكي كان يقع على الشعب وأيضا على الفرنسيين أنفسهم لسوء تقديره وشناعة تصرفاته حيث جعل من الأغنياء والعاديين من أهل المدينة والأرياف ينقمون على حكم الانتداب الفرنسي بشكل عام، فمن أعماله: شجّع المستشار الفرنسي على إعدام ثلاثة عشر أسيراً من المجاهدين الذين تم أسرهم قرب "خربة غازي" بمساعي بعض المتعاونين من الفرنسيين قرب "خربة غازي" بريف حمص الغربي ومنهم سعيد الشهلة وعلاء الدين الكيلاني ونظير النشيواتي الذي نجّاه الله بقدرته، كما سنوضح لاحقاً.. وأيضاً تشجيعه على قتل الثائر الجريح فؤاد رسلان من قبل المستشار الفرنسي بالرغم من أنه جريح! وهل يجوز قتل الجريح؟..
بعد ذلك بدأ البطل "خــيـرو الــشهلـة" أخو الشهيد سعيد الشهلة بترصد المتصرف فوزي الملكي ليلاً نهاراً حتى سنحت له الفرصة قرب دار المتصرف فطعنه بسكين حادة فجرحه جرحاً قاتلاً بالرغم من أن الفرنسيين قاموا بسرعة فائقة بنقله إلى مستشفى خاص بحلب عبر طائرة خاصة، ولكنه فارق الحياة، فأعاده الفرنسيون إلى حمص على متن قطار بتاريخ 14 تشرين الثاني 1926، وأجبروا وجهاء حمص وبعض مناصريهم على استقبال جثمان المتصرف فوزي الملكي، بل ذهبوا أبعد من ذلك الاستبداد، حيث فرضوا غرامة مالية على أهالي حمص قدرها 33333 ليرة ذهبية (راجع كتاب أدهم اّل الجندي) وقد دفعها الحمصيون وهم بأجمل اّيات الرضا....
ومن تداعيات عملية الاغتيال تلك قيام المدعو "حسني صنوفي" (المأمون) الذي كان مفوضاً في شرطة حمص ثم تم نقلة إلى دائرة الأشغال العامة، فبادر بعد قتل المتصرف بمراجعة القيادة الفرنسية مقدماً نفسه على القيام بعملية خاصة لاعتقال قاتل المتصرف فوزي الملكي، الشهم خيرو الشهلة، فوافقوا على تطوعه وأعادوه الى سلك الشرطة، فجنّد بعض الرجال المحليين وأغدق عليهم المال، لكن أهل حمص بمختلف مكوناتهم تعاطفوا مع المجاهد خيرو الشهلة ولم يقم أحد منهم بالتجاوب مع حسني صنوفي ولا مع رجاله، وفي تلك الأثناء قام بعض المجاهدين من رجال نظير النشيواتي بقتل بعض رجالات الاستخبارات الفرنسية، فخاف حسني الصنوفي على نفسه فانسحب من الميدان وغادر حمص خائفا مذعوراً...
*****
يقول المثل: "كل عائلة عندها /بلوعة/".. وإذا كانت العائلة أو أي تجمع انساني لديه "بلوعة" واحدة فحظها رائع، ولكن المصيبة الكبرى في أن تكون البلاليع كثيرة..

تلك مقدمة على من يشذ عن التوجّه الوطني العام لمكونات الشعب المختلفة، ويمكنني القول أن من تعاون مع المحتل الفرنسي أثناء حكم الانتداب لسورية ولبنان كانوا من جميع المجتمعات المتواجدة في بلاد الشام.. أسوق ذلك كمقدمة لما فعله المدعو "راغـب النـشـيـواتـي" بأبناء جلدته وعائلته.
كان الوطني الكبير الحاج "دلال الـنـشـيـواتي" (الصورة) قد وافق على زواج ابنته من قريبه راغب النشيواتي، الذي أذاقها الأمرين، وتمادى في طريقة عيشه الشاذة، فهو يتعاطى شرب الخمر بشكل دائم، وبعد كل سهرة ماجنة في بيته، يبدأ بإهانة زوجته وضربها بشكل مبرح، وتمادى في وقاحته، حيث قام بإحضار بعض النساء اللواتي يتعاطين الدعارة، ولما وصل الأمر به إلى هذا الحد أخبرت الزوجة الشريفة أباها بتفاصيل ما يجري في بيتها، فقام الحاج دلال النشيواتي بتوبيخ صهره راغب وضربه ضرب الغاضب على ولده..
وكان لراغب النشيواتي صديق اسمه عبد المجيد القصاب واّخر اسمه عبد الكريم الزين، وكان راغب وعبد المجيد يتعاملان مع ثوار حمص ويحضران بعض اجتماعاتهم، فيقومان بتبليغ عبد الكريم الزين ما قرره الثوار من أعمال ضد الفرنسيين، قيسرع بدوره إلى الفرنسيين ويعلمهم بالمعلومات التي حصل عليها..
وهكذا استمر الحال حتى غضب راغب النشيواتي من عمه الحاج دلال عندما وبخه وضربه، فذهب إلى صديقه عبد المجيد القصاب واستعار منه مسدساً حربياً وأسرع الى بيت عمه الحاج دلال، وأطلق عليه النار غدراً وهو يصلي فرض الظهر، فأرداه قتيلاً، وكان ذلك الحدث في أحد أيام شهر حزيران من عام 1927، وقد ضج أبناء حمص لتلك الجريمة، وتوعد ثوارها وعلى رأسهم المجاهد نظير النشيواتي بملاحقة المجرم ورفيقيه والاقتصاص منهما.. ولكن الخونة الثلاثة استنجدوا بالفرنسيين والتحقوا بهم فحموهم، ونقلوهم الى دمشق وأجزلوا لهم العطاء. وتقول بعض المصار أنهم حصلوا من الفرنسيين على ألف ليرة ذهبية.
والشهيد الحاج دلال النشيواتي من مواليد حمص عام 1871، وذو سمعة طيبة جداً، وكان نصيراً لثوار سورية عامة و لثوار حمص خاصز، وكان يتبرع بأكثر أمواله للنضال ضد الفرنسيين، ولذلك كانت فرحتهم عظيمة، وعملوا على إعاقة الدعوى القضائية التي أقامها ورثة الشهيد الحاج دلال النشيواتي على المجرم راغب ورفيقيه عبد المجيد القصاب وعبد الكريم الزين.
****
قاتل ثوار حمص في مختلف مناطق حمص وعكار والقلمون، ومن هؤلاء الأبطال الشهيد محمد علي الدروبي.. فمن هو؟
هو محمد علي بن محمد العمر بن سليم الدروبي، من مواليد حمص بحي باب السباع عام 1904م، تلقى تعليمه الابتدائي في مدارس حمص ثم نال الشهادة الابتدائية، ثم الإعدادية، وقرر التطوع قي سلك الدرك في معسكر النبك. وبسبب نباهته وقوته الجسدية تم فرزه إلى سرية الفرسان، ومن هناك بدأت اتصالاته بثوار الغوطة وعلى رأسهم حسن الخراط، فكان يزودهم بالمعلومات التي يحصل عليها عن تحركات االقوات الفرنسية في مناطق تواجد الثوار، وللأسف الشديد قام أحد الوشاة المخبرين بالإبلاغ عنه للسلطات الفرنسية، فتم اعتقاله وسوقه إلى السجن ومحاكمته محاكمة ميدانية سريعة ونال حكم الإعدام، ولكن الحظ حالفة، فهرب من المخفر الذي نقلوه إليه لإعدامه، وتم ذلك عندما قذف بنفسه من شرفة المخفر ونجا بأعجوبة والتحق بثوار الغوطة...

وبعد وقت قصير سافر الى حمص والتحق برجال الثائر نظير النشيواتي، ولقد اشترك بالقتال مع القائد سعيد العاص في "أكروم"، ثم غادر إلى حمص مع مجموعة نظير النشيواتي يوم 4 أيار، فهاجموا المخافر، ثم انسحبوا إلى غرب حمص وهناك تم اعتقالهم قرب "خربة غازي" بعد وشاية دنيئة قذرة، وتم إعدامه يوم 6 أيار 1926م وتم دفنه في مقبرة حي باب تدمر.
******
ذكرنا فيما سبق كيف أعدم الفرنسيون المجاهدين وعددهم ثلاثة عشر مجاهداً، وأن المجاهد نظير النشواتي نجا بقدرة الله، وهنا لا بد لي من ذكر بعض التفاصيل عن أحد المجاهدين المعروفين من حماة والذي اشترك في الجهاد مع القائد سعيد العاص ونظير النشيواتي في حمص وريفها..
عندما أسر أهل المنطقة في ريف حمص الغربي المجاهدين، احتك أحد سكان المنطقة مع الأسير المجاهد علاء الدين الكيلاني (الصورة) ومع رفيقه محمد علي الدروبي، فحاول الكيلاني إغراء الرجل الموكل بحراستهما، فوافق ونقلهما إلى مكان اّخر قريب، ولكن سرعان ما تراجع عن ذلك وقام بتسليمهما إلى القوة الفرنسية المتواجدة في المنطقة، فأعادوهم إلى الأسر مع بقية رفاقهم، وعندما فتش أحد الضباط الفرنسيين علاء الدين الكيلاني وجد معه 75 ليرة ذهبية ومع محمد علي الدروبي 140 ليرة ذهبية، ومع عبد الله المغربي أربعة اّلاف ليرة سورية (حصل عليها من الضابط الفرنسي الذي قتله في حي باب السباع).. وتم نقل المجاهدين الأسرى إلى الثكنة العسكرية لتبدأ مرحلة التعذيب اللامعقول..

فقد ربطوهم إلى أعمدة خشبية وجلدوهم بالسياط على جميع أعضائهم بقسوة لا تتناسب مع طروحات الغرب الإنسانية التي يعلنوها، والأمر الغريب في فنون التعذيب الوحشي، دعوة نساء بعض الضباط الفرنسيين للمجيء لرؤية الأسرى الوطنيين، وعندما جاءت تلك النساء قامت إحداهن باشعال شمعة وبدأت بحرق شعر المجاهد علاء الدين الكيلاتي، ثم بدأت تلك المرأة الفاجرة وصديقاتها بتجريد الأسرى الثوار من ملابسهم ليجلدوهم بقلوب باردة مع صب الماء على أجسادهم، ثم قام أحد الجنود بضرب رأس الشهيد علاء الدين الكيلاني بفأس على رأسه فغاب عن الوعي، كل ذلك حدث قبل إعدامهم كما سنوضّح في الجزء الثاني من دراستنا.. السؤال الآن: من هو علاء الدين الكيلاني؟
هو من مواليد مدينة حماة عام 1901، والمنزل الذي وُلد فيه يقع في حي "الطوافرة" قرب قصر العظم الشهير، وتلك الدار تشغلها حالياً "جمعية العاديات"، وهو من الأسرة الكيلانية الشهيرة، وأمه من عائلة البغدادي االحموية المعروفة، وقد ارتاد مدارس حماة، ثم انتسب الى دار المعلمين بدمشق، وساهم مع أقرانه في مفاومة حكم الانتداب الفرنسي، فكان نصيبة السجن كغيره من الأحرار، وعند صدور العفو عنه عاد إلى مدرسته وتخرج منها معلماً، وتم تعينه معلماً في حماة، وقام بالتعليم في مدرسة الاخاء، ثم غادر حماة إلى الأردن ومارس التعليم في بلدة "الطفيلة". ولما نشبت الثورة السورة الكبرى انطلاقاً من جبل العرب، التحق بتلك الثورة مع صحفي بلجيكي تعرّف عليه في شرقي الأردن والذي قام بإهدائه بوصلة استعملها المجاهد الكيلاني في عملياته الحربية، ثم التحق بالقائد سعيد العاص وقاتل معه في الغوطة وفي مناطف القلمون ثم في عيون العلق وأكروم، وهناك تعرّف على مجاهدي حمص بقيادة المجاهد نظير النشواتي، وعند الأسر تم تعذيبه بشدة كما ورد أعلاه وأُعدم يوم 6 أيار 1926، وتم نقل جثمانه الطاهر إلى حماة، حيث دُفن في مقبرة العائلة الكيلانية بصمت عجيب وحزن عميق، وقد تحدث عنه القائد سعيد العاص وأثنى عليه الثناء الحسن وعرّف الجميع على شجاعته و أنه كان مجيداً مميزاً بالرماية، وكان رحمه الله طويل القامة أسمر اللون، ذو هيبة دالة على رجولة استثنائية.
يتبع