كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هادي دانيال لفينكس: لا يُمكِنُ لأيِّ مُجْتَمَع أن يتقدَّمَ إذا بقي سؤالُ المرأة فيهِ مُعضِلةً.. الجزء 2

دانيال لفينكس:

-لا يُمكِنُ لأيِّ مُجْتَمَع أن يتقدَّمَ إذا بقي سؤالُ المرأة فيهِ مُعضِلةً

- ليسَ الرحابنة فقط مَن وضعَ "ألحانَهُ" مُعتمِداً موسيقات عالميّة

- سعدي يوسف يُكرّرُ مأساة جدِّهِ امرؤ القيس وهو يستعين على بني جلْدَتِهِ بالأجنبيّ

 

نتابع في الجزء الثاني من حوارنا مع المناضل والشاعر السوري المنذور للقضية الفلسطينية هادي دانيال, ونتطرق فيه إلى الرحابنة, سعدي يوسف, المرأة لدى شعراء العرب, وقضايا ادبية وفكرية.. الخ.

أجرى الحوار: أُبي حسن

 

- س7- لعلّهم قلّة الذين يدركون أن مسرحية "فيلم أمريكي طويل" لزياد الرحباني مقتبسة من قصة تشيخوف "عنبر رقم6" بحسب مقالكم عن الأديب الروسي العظيم. أستاذ دانيال, حضرتكم كنتم في بيروت العام الذي عرضت فيه مسرحية الرحباني الابن, وكنتم في الوسط الثقافي.. هل تذكر أن كتّاب ونقّاد تلك المرحلة أشاروا إلى اقتباس زياد (كي لا أقول سرقته كونه لم يذكر تشيخوف وقصته) عن "عنبر رقم6", أم كان صوتكم منفرداً؟

الجواب

لقد كانَ قُدُومُ زياد الرحباني إلى "بيروت الغربيّة" مِن "بيروت الشرقيّة" حَدَثاً احْتُفِيَ بهِ، وكانَ لبرنامجِهِ الإذاعي" بعدنا طيّبين قول الله" والذي يُعالج تقريباً ذات المواضيع التي كُنْتُ أعالجها بمقال على حلقات مفتوحة في مجلة "الهدف" بعنوان "هجرة المثقفين عن الحرب"، أثَراً طيّباً، وكان زياد يقدِّم برنامجه من إذاعة "المرابطون" ويحظى بمُتابعة جيدة. فَهُوَ ابنُ فيروز والرحابنة "المُحايدين" سياسيّاً، وكانَ ينتقدُ هذا الحيادَ، مُعْلِناً انتماءَهُ إلى الحركة الوطنيّة اللبنانيّة وتحديداً الحزب الشيوعي اللبناني. وهذا ماكنتُ وما زلتُ أكْبرُهُ فيه, فزياد الرحباني لم يُضِعْ البُوصلة الوطنيّة التقدّميّة وهو يُعبّر عن مواقفه السياسيّة، وكانَ لا يتمّلّق جمهوراً يقبل مُسبَقاً كُلَّ ما يصدرُ عنه. وبالمناسبة هناك شخصيات فنيّة قليلة و لكن موجودة تحظى بثقة ومحبة جمهور عريض يقبل منها أيّ شيء تقدّمه له، وحتى عندما تكفّ عن تقديم أي شيء يبقى جمهورُها وَفيَّاً لها ولكن شرْط أن يكون قد سبَقَ لهذه الشخصيّة الفنيّة أن قدَّمَتْ أعمالاً أقنَعَتْ ذلكَ الجمهور، مِن ذلكَ مثلاً نذكر المطرب السوري "جورج وسّوف" الذي لم يَعُد صوته يُسعفه لكنّ ذلك لم يؤثّر على شبّاك التذاكر في أيّ حفل يُحييه، ففي تونس مثلا يكتفي جمهور جورج وسوف العريض بأن يقف نجُمُهُ المحبوب أمامه على خشبة المسرح والجمهور هُو الذي يتكفّل بأداء أغاني وسّوف سعيدا مُنْتَشياً طَرَباً! هذا ينطبق نسبيا الآن على الأغاني التي يُلحّنُها ويؤدِّيها زياد الرحباني نفسه بصوته وهو الذي كان قدّمَ لأغاني فيروز ومسرحياتها أروع الألحان والمُقدِّمات.

المهمّ في سبعينات القرن الماضي وأجواء الحرب الأهلية المستعرة قَدَّمَ زياد مسرحيّة "فيلم أميركي طويل" وكانت عُرُوضُها ناجحة, ففي العرض الذي حضرتُهُ مثلا في قاعة بشارع الحمرا لم يبق مقعدٌ واحد للمتفرجين فارغا, بل ثمة مَن حضر العرضَ واقفاً. ولكن بالتأكيد لم يكن لأحد أن يبحثَ عن نواقص فنية في العرض, فكلُّ ما يصدُر عن هذا الفتى الموهوب بلا شكّ كانَ يحظى بالتصفيق بحماسة بحكم رمزيّة وُجودِهِ في الصفّ الوطني اللبناني.

شخصيّاً التَقَيْتُهُ مَرَّةً واحدة في منزل الناشر السوري "سليمان صبح" صاحب دار ابن رشد اللبنانيّة بمنطقة فردان ببيروت الغربية. كان هو برفقة الموسيقي وليد غلميّة وكنتُ أنا برفقة الروائي حيدر حيدر، وعلى الرغم مِن أننا – زياد وأنا – مِن مواليد سنة 1956 – فلم ينجذبْ أيٌّ مِنّا إلى الآخر ولم يبدأ بيننا حديث تعارف جادّ.زياد رحباني

كلا يا صديقي لا أذكر أنّ أحداً حينها نَبَّه إلى أنّ زياد الرحباني اقتَبَسَ مسرحيّة "فيلم أميركي طويل" عن قصّة الكاتب الروسي "أنطون تشيخوف", بل إنّ زياداً كما ذكرتُ في كتابي (قراءاتي في الأدب العالمي) الذي أثار عندك كُلَّ هذه الأسئلة "لم ينتبه إلى واجبه بذكْر المصدر الأساس لمسرحيّتةِ، بل نسبَ المسرحيّةَ فكرةً ونصّاً وألحاناً وإخراجاً إلى نفسه... كما لعبَ دَور البطولةِ في تمثيلها". ويقيناً كانَ العرضُ مُمتِعاً, ولو أن زياد الرحباني أشار إلى أنّ عمله مُقْتَبَس عن نصّ لتشيخوف أسقطَهُ على مُفارقات الحرب الأهليّة اللبنانيّة لكانَ أعادَ إلى تشيخوف حقّاً، وَظَهَرَ زياد بِمَظهرِ الواثِق بما يفعل، خاصّةً وأنَّ ما فعله بالنصّ كان مَشروعاً وناجحاً.

 

س8- هنا يحضرني أيضاً, تطرقكم إلى ألحان الأخوين رحباني ونهلهما من التراث الموسيقي الروسي كموسيقى أغنية "يا أنا أنا وإياه".. ترى: لماذا تثار ضجة إذا ما أقدم كاتب مغمور أو وضيع على الاستعانة (اقتباساً أو تناصاً, وحتى تلاصاً, وفق تعبير ممدوح عدوان) بخالدين مضوا, فيما إذا كان المُقتبس (بكسر الباء) مشهوراً لا أحد يقف عند اقتباسه وحتى سرقاته؟

الجواب

مرجعيّةُ سؤالكَ هِيَ دَمْجٌ بين تعليقين لي على حَفْلِين روسيين في دورة 1986 من أيام مهرجان قرطاج الدولي الأول أحيتْهٌ المجموعة الغنائية السوفياتية (فورنيج) والثاني أحياه سيرك موسكو، ولذلك ألاحظُ بَدْءاً أنّ أغنية فيروز "يا أنا يا أنا أنا ويّاه" تعتمد موسيقا لموزارت، أمّا أغنية فيروز التي اعتمدت موسيقا روسية هي أغنية "كانوا ياحبيبي". وقد قدَّمَ "كَوْرَسُ فورنيج" الروسي ألحانَ أغنيات عربية في سياق انفتاح الموسيقات العالميّة بعضها على بعض. وليسَ الرحابنة فقط مَن وضعَ "ألحانَهُ" مُعتمِداً موسيقات عالميّة، فإنَّ محمّد عبد الوهاب سَبَقَهُم بأشواطٍ على هذا الصعيد. وهذا في الحقيقةِ اقتباسٌ وَتضمينٌ وليس تَناصّاً، وَيُمْكِنُ عَدّهُ "تلاصَّاً" حسب تعبير ممدوح عدوان، عندما يتَقَصَّدُ الرحابنة أو عبد الوهاب أو سواهم إغفال الإشارة إلى مصدر هذه الألحان المُقْتَبَسَة أو مُؤلِّفِيها الأصليين، ونسْبَها إليهم. علماً أنَّ ظاهرة استِلهام نَصّ عالمي أو محلّي وإنشاء نَصّ آخر جديد مُسْتَوحى مِنْه، كالنّصوص العربية والأجنبيّة التي استلهَمَتْ أو استوحتْ ألف ليلة وليلة، ودونكيشوت، وأنتيغون، وعطيل وغيرها، هي ظاهرةٌ مشروعة لأنّ كاتب النصّ الجديد لا ينسب النصَّ الأصليَّ إلى نفسِهِ بَل ينطلق منه إلى كتابةِ نصٍّ جديد برؤى مُختلفة.

أمّا التّناصّ وهذا يحصل في الكتابة الأدبيّة الشعرية والسرديّة إلخ، فهو حالات استثنائية وممكنة على مبدأ أنَّ الحافرَ وقَعَ على الحافر حسب نقّادنا القدامى، لكن تحوّل الاستثناء إلى ظاهرة وقاعدة يُصبحُ ضَرْباً مِن شَرْعَنَةِ السّرقة وَمَسَّاً فاضحاً بحقوق الملكية الفكريّة.

وأعتقِدُ أنّ المُبدِعَ الواثقَ مِن مَوهبتِهِ هُوَ مَن يُشيرُ إلى مصدر ما يقتَبسُهُ، أمّا مَن يغفلُ عن ذلكَ استخفافاً مِنْهُ بذاكرةِ المُتَلَقِّين فهو سارقٌ بلا موهبة وَمُدَّعٍ يجبُ فَضْحُهُ وَوَضْعُ حَدٍّ لإمعانهِ في جريمته كائناً مَن كان.

 

س9- أحياناً تبدو قسرياً في نقدك, مثلاً من مآخذك على ترجمة "من الشعر اليوناني" أنها إيدلوجية دينية تختار ما يناسبها, ذاكراً أنّ مترجم هذا الشعر هو مطران, أي رجل كهنوت! ماذا تنتظر منه أن ينتقي لنا؟ هل تريد منه أن ينتقي شعراً ايروتيكياً أو رومانسياً مثلاً؟! نسوق ذلك بمعزل عن الجوانب الأخرى في نقدك للأخطاء التاريخية الفادحة التي وقع فيها المترجم كملاحظتك حول تقويل المترجم للشاعر "كالفوس" المتوفى عام 1869م عن الشيوعية هراء, باعتبار أن الشيوعية لم تكن ظهرت على المسرح العالمي.

الجواب

المَوضوعيَّةُ والأمانة مِن شُرُوط ترجمةِ الشعر والآداب والفكر، وإذا كُنّا نَفْهَمُ دَوافِعَ انتِقاء نُصُوصٍ مُعَيَّنة مِنَ الشِّعْرِ اليوناني في سياقٍ أيديولوجيٍّ مُعَيَّن، فإنَّنا لن نَتَفَهَّمَ لَيَّ أعناقِ هذهِ النُّصُوص لِتَقْويلِها ما لم تَقُلْهُ إفصاحاً أو إيحاءً، وهذا ما فعلهُ المطران المُتَرْجِمُ، وَهُنا يَقَعُ "القَسْرُ"، وليس في إشارتنا إليه.ً وَنَحْنُ وَصَفْنا حالةً وَحَذَّرْنا القارئَ مِن أن يُكَوِّنَ رأياً نهائيّاً بشأنِ الشِّعْرِ اليونانيّ بناءً على ترجماتِ المطران الذي أرادَ توظيفَ القصائد التي ترجَمَها في سياقٍ خارج الشعرِ والإبداع لخدمةِ أجندَة أيديولوجيّة.

 

س10- ماذا تذكر عن الشاعر سعدي اليوسف, باستثناء ماذكره لك ناشره سليمان صبح بخصوص اتقانه الفرنسية كالعربية والانكليزية؟ كيف كانت علاقتكما؟ وهل تعتقد أنّه أخذ حقه كشاعر؟

الجواب

التقيْتُ الشاعر العراقي "سعدي يوسف" لأوَّلِ مَرَّة في بغداد سنة 1977، يومَها قدمْتُ مِن الجزائر التي انتقلتُ إليها من تونس بعدَ حضور مؤتمر اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين فيها، قاصداً القاهرة – التي مُنِعْتُ مِن دُخُولِها مَرَّتين بسبب الاشتباه بأنني فلسطيني ولم أتشَرَّف بزيارتها حتى الآن – فقامت سلطات مطار القاهرة بترحيلي على أوّل طائرة وكانت إلى بغداد، وَمِن حسن الحظّ أنّ مكتب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فيها كان لم يُغْلَقْ بَعْد، وكانَ الحزبُ الشيوعي العراقي مازال داخل "الجبهة الوطنية التقدّميّة" ويُصدِر صحيفته "طريق الشعب" وَيُوَزِّعُها علناً.سعدي يوسف

زرْتُ سعدي يوسف في مكتبه، حيث كان يعملُ سكرتيراُ للتحرير لمجلة تعنى بالتراث الشعبي وتصدر عن وزارة الإعلام العراقيّة. وكُنْتُ قد قرأتُ له في بيروت باندهاش مجموعته الشعرية "الأخضر بن يوسف ومَشاغِلُه". وفي اليوم ذاته دعاني إلى العشاء، وأقلّني بسيارته القديمة مِن الفندق المتواضع الذي أقمْتُ فيه إلى مطعم على ضفّةِ نَهْر دجلة. وَبَعْدَ أنْ شربَ كُلٌّ مِنَّا كأسين مِنَ العرق, بَدأ يتحدّث عن مُعاناتِهِ مِن الغُرْبَة والعزلةِ داخلَ بلدهِ إلى أن انفَجَرَ بالبُكاء، وأكْمَلْنا "السهْرة" شبْهَ صامِتَين. ثمّ أعادني إلى الفندق، وعلى رأسينا غيمةُ كآبةٍ. وأهداني في ذلك اللقاء مجموعته الشعريّة "الليالي كلّها"، التي كتبتُ عنها قراءة نشرتها في مجلة "الهدف" بعدَ عودتي مِن بغداد.

وَبعدَ خروج الحزب الشيوعي العراقي من "الجبهة التقدمية" واصطدامه بالسلطات في بغداد, هاجَرَ الحزبُ المذكور إلى خارجِ العراق وهاجرَ معه كثير مِن اليساريين والشيوعيين مِن خارجَ الحزب إلى عواصم عربية وأجنبية عديدة، ومنهم سعدي يُوسف الذي قَدِمَ إلى "بيروت الغربيّة". كانت لقاءاتنا في بيروت عابرة، أحيانا كُنّا نلتقي أنا وسليم بركات في مطعم علاء الدين "في شارع أبو شاكر" الذي كان يُقدِّمُ النبيذ والهمبرغر, فينضمّ إلينا سعدي وبرفقته الشاعر العراقي أيضا هاشم شفيق الذي كان يعمل معي في قسم البرامج الثقافيّة بإذاعة صوت فلسطين – صوت الثورة الفلسطينيّة. ولكن بقيتْ علاقتنا الشخصيّة أنا وسعدي فاترة نسبيا في بيروت.

والتحق سعدي بنا في تونس ثمانينات القرن الماضي, فكانت علاقتي به أكثر دفئاً, وأجريتُ معه حواراً نشرتهُ في صحيفة الحزب الشيوعي التونسي "الطريق الجديد"، وزارني في منزلي برفقة الشاعرة الروسية "ريما كازاكوفا " والشاعر أحمد دحبور وشاعرة طاجكستانية شابّة لم أعد أذكر اسمها, لكن أذكر أنّ معناه بالطاجيكية "خدود الورد"، عندها كنتُ ما زلتُ مُتزوّجاً من الشاعرة التونسية نجاة العدواني، وكانت كازاكوفا والشاعرة الطاجكستانية قد شاركتا بأربعينيّة الشاعر الفلسطيني معين بسيسو. كما زارني لا حقاً في منزلي بنيقوسيا برفقة الناشر السوري حسين حلاق. وعندما عدنا والتقينا في تونس توتّرَتْ علاقتنا بسبب موقفه الانتقامي مِن "النظام العراقي" بعدَ الحرب على العراق بذريعة تحرير الكويت، وأذكُرُ أننا كنّا نَتَمَشّى في شارع الحريّة عندما قلتُ له "يا سعدي، الآن العراق في مواجهة الإمبريالية الأمريكيّة. وأنت شيوعي وبمواجهة الإمبرياليّة يصبح التناقض مع نظام صدام حسين ثانويّاً. هل قرأتَ قصائد مظفّر النواب الأخيرة التي تتضمّن موقفا من أمريكا وبوش مع العراق؟", فَنَظَرَ إليَّ مُستاءً وقال "هذا مظفّر النوّاب. آني مو قد مظفّر. شي يطاله مظفّر". وَافتَرَقْنا وأنا لا أفهم حتى الآن ما كان يقصده بجوابه ذاك. إلا أنّه بعدَ فترةٍ مِن حصار العراق الجائر بذرائع كاذبة والذي دامَ إلى أن تمَّ غزوُهُ واحتلاله سنة 2003، نشر سعدي يوسف قصيدة له في زمن الحصار بصحيفة "القدس العربي" جاءَ فيها سَطْرٌ أظنُّ أنَ كُلَّ مَنْ قرأهُ أسِفَ بِغَضَبٍ أن يصدرَ عن شاعر وشيوعي وعن سعدي يوسف تحديداً، يقول السطر "يا توني بلير خلّصْنا مِن صّدّام حسين"، وكتبتُ أو قلتُ في حِوارٍ أُجْريَ مَعي، لم أعُدْ أذكُرْ بالضبط: "إنَّ سعدي يوسف يُكرّرُ مأساة جدِّهِ امرؤ القيس وهو يستعين على بني جلْدَتِهِ بالأجنبيّ". والمفارقة هُنا أنَّ سعدي بَعْدَ فترة أصدَرَ مجموعة شعريّة جديدة بعنوان "حفيد امرؤ القيس".

ولكن عندما دَبَّتْ أقدامُ مؤامَرَةِ الربيع العربي السوداء من تونس فمصر فليبيا ثُمَّ إلى سوريا، فاجأني سعدي يوسف بِمَوقِفٍ لم أكن أتوقَّعه، لكني فرحتُ به، فالرجل استعادَ بوصلتَهُ الوطنيّةَ التقدّميّة ربّما بعد غزو العراق واحتلاله وخراب البصرة، لكن لابأس (فأن نستيقظَ مُتأخِّرين خيرٌ مِن أن لا نستيقظ أبداً)، فقد صدَرَتْ عنه مواقف متميّزة ضدّ انجراف المثقفين السوريين في وحل مؤامرة الربيع العربي، وقدّمَ سعدي شهادات شخصيّة على أنّ الربيع العربي مؤامرة يتمّ التحضير لها خاصّة ضدّ سوريا, وأنّ برهان غليون الذي باركه القرضاوي كان مستشارا لعباس مدني رأس الإرهاب في سنوات الجزائر التسع الدامية السوداء, وأنّ كلّ مثقف عربي يقيم في فرنسا يدفع ثمن إقامته من رصيده الوطني وكرامته الشخصيّة. وقد اتكأتُ في كُتبي السياسية ضدّ مؤامرة الربيع العربي التي صدرت تباعا منذ سنة 2011 على الكثير مِن مواقف وشهادات سعدي يوسف.

أمّا سعدي يوسف الشاعر فإنَّ موهبته الشعرية القويّة والخصبة والواعدة دائما, هي عندي مِن المواهب الشعريّة العربيّة المُعاصرة الأهمّ، وقد أثرى مدوّنةَ الشعر العربيّ، ودورُه كبير – مثله في ذلك مثل أدونيس – في تطوير وتحديث الكتابة الشعرية العربية الجديدة، فهوَ قامَةٌ شعريّةٌ سامِقة بين "جيل الرواد" و"جيل الستّينات"، ما انفكَّ يُطَوِّرُ قصيدتَه، وهو الآن قد تجاوَزَ الثمانين مِن عمرهِ المديد، بتجريبيّة ناجعة لا تعوزها حماسةُ الشباب، وقد فَتَحَ بذلكَ آفاقاً للمُغامَرة الإبداعيّة الحُرَّة أمام العديد مِن الشعراء العرب ومنهم محمود درويش ناهيكَ عن الأجيال التي تلي جيلَ درويش.

ولعلّه مِن المهم، أن نوردَ هُنا فقرة مِن مقال لمحمود دروش نشرته الصحيفة المصرية "أخبار الأدب" قبل اثنتي عشر عاما في ذكري بلوغ سعدي يوسف السبعينَ مِن عمره، كتب درويش: "وإذا كان صحيحاً أَنّ في داخل كل شاعر مجموعة من الشعراء - كما يقول أوكتافيو باث، وأنّ النصّ هو محاورة مع نصوص أخر، فإن سعدي يوسف كان أحد الشعراء الذين درَّبني شعرهم على التنقيب عن الشعريِّ في ما لا يبدو أنه شعر، وأَغراني بمقاومة الإغراء الإيقاعي الصاخب، وبالاقتصاد في البلاغة. وكم سُئلت عن فترات بيَاتٍ شعري مررتُ بها، وكنت أَقول دائماً: ما دام سعدي يوسف يكتب، فإنني أَشعر بأنه يكتب نيابةً عنِّي"!

وتجربةُ سعدي لا تزال وستبقى محطّ اهتمام الشعراء والنقّاد، ولا يضيرُها أن تكونَ غائبةً عن المنابر الإعلاميّة التي تسيِّرُها سياسة ثقافيّة استهلاكيّة تصنع نجوماً مِن قَشّ في الشعر والأدب وبقيّة الفنون.برهان غليون

 

س11- في توثيقك لمهرجان قرطاج الدولي 1986 (من يوميات متفرّج), ختمت وثيقتك بكتابة حميمية عن الشعر رأياً ونقداً, وما لاحظته شخصياً إنّ وثيقتك تلك كانت عن العروض المسرحية, لماذا تصرّ على اقحام الشعر في معظم كتاباتك؟

الجواب

أوّلاً لأنَّ مشروعيَ في الأساس شِعْريّ، وثانياً أرى أنَّ الشعريّة أعلى وأرقى وأجمل تجلّيات الإبداع في الآداب والفنون كافّة، وهي معيار جمالي مهم وأحياناً حاسم في الرفع مِن قيمة أيّ عَمَل فني/مسرحي أو سينمائي أو تشكيلي أو غنائي.

 

س12-تقول ان الحضارة الغربية ليست مقياساً للتطوّر والتقدّم لأنّها تعيش الآن (1987م) انهيارها, روحياً واجتماعياً واقتصادياً.. هل كنت (وما زلت) جاداً فيما قلت؟! أي حضارة راهنة من وجهة نظرك هي مقياس التطور, نسوق ذلك مع معرفتنا بسلبيّات الحضارة الغربية؟

الجواب

لقد كانَ حَدْسِيَ بِشأنْ تَمَحُّلِ الحضارةِ الغربيَّةِ سنة 1987 صائباً، فالحَضارَةُ يُقاسُ تَطَوُّرُها بِمَدى تَمَثُّلِها القيم الانسانيّة كالعدل والمساواة والحريّة المسؤولة، و الضامِنة لحقوق الإنسان الحيوانيّة في الحياة والغذاء والماء والصحّة والسكن والأمان ولحقوقهِ الانسانية في التعليم والعمل وحريّة التنقُّل والتفكير والإبداع والرفاه والسلام، لا بمدى تَقَدُّمِها على الصعيد التقني "التكنولوجي" الذي يُوَظَّف في خدمَةِ نَظَريات ومشاريع مُتَوَحِّشة بأهدافِها وبوسائل الوصول إلى تلك الأهداف المُعادية للبشريّة.

فالحَضارَةُ في الغَرْبِ تراجَعَتْ إلى الحضيضِ أخلاقياً بحروبها وتدخّلاتها العنيفة في أفغانستان والعراق والبوسنة والهرسك وأوكرانيا وليبيا واليمن وسوريا, مُسْتَخْدِمَةً تَفَوِّقها التقني لتقويض الدول والتصرُّف بمصائر الشعوب التي لا يجد الغربُ حَرَجاً في إذلالها والزجّ بها في حروب يَتَعرَّضُ المُواطنونَ فيها لأبشع المجازر والجرائم والتمثيل بهم باسمِ تصدير الديمقراطيّةِ إليهم أو تخليصهم مِن "الدكتاتوريّة " – هذه الجملة الجاهزة التي بات يُردِّدُها حتّى ذلك الإمّعة وزير خارجيّة آل سعود في تبريره الأحمق السفيه لمشاركة حكومته في الحرب الإرهابية التكفيرية الصهيوغربيّة على بلادنا سوريا – أو مِن أجْلِ الحفاظ على نَمَطِ الحياة اليوميّة الغربي أو الأمريكي حسب أحدِ تصريحات جورج دبليو بوش في سياق تبرير حروب بلاده المستمرة بأشكال مختلفة على العراق منذ قرابة الخمس عشرة سنة.

إنَّ دُوَلاً تستخدمُ قوّتها العسكرية لتدارُكِ انهياراتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة على جماجم بَشَرٍ آخرين في دُوَلٍ أخرى غير آبهةٍ بخرق القانون الدولي وتهديد السلام العالمي لا بُدَّ أنّها تَصَحَّرَتْ رُوحيّاً وأخلاقيّاً وثقافيّاً وإن احتفظت بتفوُّقٍ تَقنيّ.

ولستُ الوحيد الذي تَنَبَّهَ إلى مؤشِّرات انهيار الغرب حضاريّاً، فَمِن الغرب نفسه ارتَفَعَتْ في هذا الاتجاه أصواتُ مفكّرين ومُثقّفين ومُبدعين تصدعُ ذلكَ وتُحذِّرُ مِن تداعياته كنعّوم تشومسكي ونورمان فينكليشتاين وجان جينيه وميشيل فوكو وفينيسيا ريدغريف وغيرهم.

أمّا الحضارة الراهنة التي أعدُّها مقياسا للتطوُّر فهي ماثلة أمامنا في روسيا والصين وسواهما مِن الدول الحريصة على احترام القانون الدولي والتوازن في المشهد السياسي العالمي وعدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول المستقلّة ولا المسّ بمصالحها الوطنيّة والتي تتصدّى لتسونامي السياسات الغربيّةِ المُتَوَحِّشةِ التي تقفُ مًباشَرَةً وراءَ ظاهرة الإرهاب التكفيري التي تشمل منطقتنا والعالم.

 أ بوتين2

س13- كتبت عن زيف "الديمقراطية" الاسرائيلية, واستشهدت بمنعهم شاعراً من الكتابة وممارسة الاسرائيليين للإبادة... الخ. لكن ثمة رأي آخر يوافقكم فيما ماذهبتم إليه, لكنّه يرى أنّ تلك الديمقراطية كائنة في الانتخابات التي يجريها (الليكود والعمل) للفوز بالسلطة, ومن خلال إمكان محاكمة أي مسؤول بتهم الفساد.. الخ.. هل نستطيع أن ننكر أنّ هذه ممارسات ديمقراطية وإن كان عدونا يفعلها؟

الجواب

يا صديقي، إنَّ "إسرائيلَ" كيانٌ استعماريٌّ استيطانيٌّ مُسْقَطٌ على فلسطين التاريخيّةِ مِن مَشروعٍ صهيونيٍّ ليسَ ما تشهده المنطقة تحتَ مُسَمّى "الربيع العربي" إلا حلقة مِن حلقاته. وسيبقى هذا الكيان الذي تأسَّسَ على خرافاتٍ يفعلونَ المُستحيلَ لِجَعْلِها "أمْراً واقعاً" لأنَّهم لن يتمكَّنُوا يوماً مِن جَعْلِها حقائقَ وَحُقوقاً تاريخيّة، غريباً في منطقتنا لأنَّهُ مُصطَنَع. وبالإرهاب الذي باتَ جزءاً مِن كينونَتِها تأسَّسَتْ "إسرائيلُ" التي كانتْ وستبقى إرهابيّةَ الطَّبْعِ والطابع، فلا يُمْكِنُ عَدّ كيانٍ قائمٍ على حسابِ حُقُوقِ شَعْبٍ آخَر سَلَبَ أرْضَهُ وَهَجَّرَهُ عَنْها بالمَجازِرِ والحُرُوبِ المُتَواصِلة، كياناً ديمقراطيّاً.

فالكيانُ الصهيونيُّ استعماريٌّ استيطانيّ عنصريٌّ إرهابيٌّ بقوَّةِ نشأتِهِ وَمَسارِهِ التاريخيّ المُعاصِر. والديمقراطيَّةُ في جَوهَرِها ليستْ فقط عمليّةً انتخابيّةً يخضع "المجتمَعُ" المَعنيُّ بها لسِلطةِ الأغلبيّةِ حتى وَلَو كانت جائرةً، بل هي إطارٌ لحفظِ جميع حُقُوق المجتمع بأسرهِ، أي بمُخْتَلَفِ مُكَوِّناتهِ، وبأقلِّيَتِهِ التي خسرتْ في العمليّةِ الانتخابيّة على قَدَمِ المُساواةِ مع الأغلبيّة التي ربحتْها، وبين الحُقُوق التي يجبُ أن تكونَ محفوظةً حقّ الحياة والعيش بكرامة والحقّ في حريّةِ التعبير عن الذات والمُعتقدات للأفراد والجماعات، وخاصة الأقلّيات السياسيّة والعرْقيّة والدينيّة التي أقصَتْها العمليّةُ الانتخابيّة عن السلطةِ ومراكز القرار. وقد يُلَخِّصُ هذا كلّه مَفْهُوم المُواطنة، الغائب عن السلطة والمجتمع في الكيان الإسرائيلي العنصري ليس فقط إزاء العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين بل أيضاً ازاء اليهود "المزراحيم" الشرقيين القادمين من البلدان الاسلاميّة واليهود "الفلاشا" القادمين من أثيوبيا، ناهيكَ عن الصراع على السلطة بين اليهود "الأشكنازيم" القادمين مِن أوربا الشرقية والوسطى والغربية، واليهود "السيفارديم" القادمين من أسبانيا والبرتغال. وهذا الكيان لا يكتفي بسياسةِ الإبادةِ الجماعيّة ضدَّ أصحاب الأرض الحقيقيين في فلسطين والجولان ومزارع شبعا المحتلّة وحرمانهم من حقوقهم كشعب تحت الاحتلال، بل هُوَ يمنع "شاعراً يهودياً إسرائيلياً " من الكتابة السياسيّة لأنّه ينتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وهذا الشاعر اسمه "اسحق لاؤور" الذي يقول: "مِن الوهم أن نقول إنّ المثقف لدينا حرّ. لا يوجد شيء مِن هذا القبيل. الراعي وراء غنماته أكثر استقلاليّة من المثقف في إسرائيل". فكما أنّ العربي الجيّد في هذا الكيان "الديمقراطي" هو العربيّ الميّت، فإنّ المثقّف الإسرائيلي الجيّد هو المثقّف الذي يخدم الحكومة الإسرائيلية.

أمّا بخصوص أن نتعلَّمَ مِن عَدوِّنا، فهذا لا ضيْر منه، وأهمّ ما يجب أن نتعلّمه هُوَ أنّ الحركة الصهيونيّة وضعت مشروعاً تنتهز كلَّ الفُرَص لتنفيذِهِ بدقّة وصبر ونَفَسٍ طويل منذ قرن، و"إسرائيل" هي ثمرةُ هذا المشروع.

أمّا ما يُسَوِّقُهُ الصهاينةُ على أنّهُ "ديمقراطيّة " في كيانهم لتزيينِهِ بما يُرضي المزاجَ الغَرْبي، فَما هُوَ إلا مرونة إزاء الداخل الإسرائيلي تُقابلُها قسوة فولاذية مُتَوحّشة ازاء الخارج القريب وحتى البعيد إن لزمَ الأمر. بينما نُلاحِظُ عندَ النظام العربي الرسمي العكسَ تماماً، أعني قسوة فولاذيّة ازاءَ الداخل العربي تقابلُها مرونة بل رخاوة ازاء الخارج المُعادي بما فيه الكيان الصهيوني. ولذلكَ نَحْنُ مُطالَبُونَ بِوَضْعِ مَشروع وطني سوري طويل الأمَد، مُسْتَلْهِمينَ بذلكَ مَثلاً تجربةَ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الناجحة في بلاده التي لم ينقذها مِن التفكّكِ والاضمحلال فقط بل أعاد إليها تماسُكَها الداخليَّ وقوّتها ومكانتها ودورها الفاعلَ على الساحةِ الدولية، فباستلهام هكذا تجربة وطنية نعيدُ بناءَ المجتمعِ والدولة السوريين تمهيداً لاستعادةِ دورنا الإقليمي، بانتظار وضْع مشروع عربي أوسع يتمّ تنفيذُه بدقّة وصبر على المدى الطويل بل الطويل جدّاً.

 

س14- استعنتُ بالشاعر والناقد سامر محمد اسماعيل بسؤال أوجهه لكم يتعلّق بتجربتكم الشعرية, السؤال هو: تميل قصائدك نحو المزج بين الذاتي والموضوعي, برأيك هل يستطيع الشاعر أن يسجل وثيقة عن العصر الذي يعيش فيه من خلال أشعاره؟

الجواب

أعدُّ نفسيَ مِنَ الشعراء الشَّغُوفينَ بالشأن العام نسبيّاً، وربّما تنبَّه إلى ذلك الشاعر والناقد سامر محمد اسماعيل كما تُومئُ صياغةُ سؤاله. ولكنّني لا أصْطَنِعُ ذلكَ، لأنني لا أكتبُ الموضوعيَّ إلا عندما يتحوَّلُ في وجدانيَ وعقلي إلى شأنٍ ذاتي تستجيب له أحاسيسيَ على هذا الأساس. بهذا المعنى يُمكِنُ أن تكونَ مُدَوَّنتي الشعريّة وثيقة إبداعيّة عن العصر الذي أعيش فيه، فهي تتضمّن جانباً مِن سيرتي الذاتيّة في تشابكها مع الشأن العام، وفي هذا السياق مثلاً يُمِكنُ عَدّ مُعظَم القصائد التي كتبتُها في السنوات الستّ الأخيرة تأريخاً شعريّاً لِما تشهدُهُ بلادُنا مِن تَصَدٍّ مَلْحَمِيٍّ للحربِ الإمبرياليّة الصهيونيّة الرجعيّة الأعرابيّة والعثمانيّة بأدوات إرهابية مِن التكفيريين والمرتزقة تستهدفُ وُجُودَنا شَعْباً ودولة.

فيا صديقي إن لم أرْوِ ما أراه بِعَينِ الشاعرِ الذي يرى أكثر، عُزُوفاً إراديّاً أو عَجْزاً، وإن لم أكُن بذلكَ شاهداً على حرب العصر التي تدور رحاها طاحِنةً عِظامَ شعبي وبلادي، ليسَ مِن حَقِّيَ أن أزعَمَ أنني شاعِر!

 

س15- يقول الفرنسي جان سكاسيل (إن الشعراء يكتشفون القصيدة لا يخترعونها) هل تعتقد بهذا القول الذي يصنف الشاعر كوساطة لقصيدة تكتبه أكثر مما يكتبها (ملحوظة: السؤال من قبل الزميل سامر اسماعيل)؟

الجواب

يُمْكِنً تَفَهُّم مقولة الشاعر الفرنسيّ المذكور في السياق التالي: عندما يكُون الشاعِرُ ذا موهبة أكيدة واكتسبَ تجربةً غنيّة خصْبة بجوانبِها الحياتيّة والوُجُوديّة، المعرفيّة والرُّوحيّة، تجربة أكْسَبَتْهُ بدَوْرِها مَهارات في البناء الفنّي مِن تَطْوِيعٍ للغة ولِطرائق التشكيل والبناء الفنيّين، وأنْضَجَتْ جهازَ الأحاسيسِ عندَهُ لالتِقاطِ كُلّ ما هُوَ شِعريّ في محيطِ الشاعرِ الواقِعيّ، عندئذٍ يَقْوَى حَدْسُهُ وَكَشْفُهُ وَرُؤاهُ وَيَنْشَطُ مِخيالُهُ لإعادَةِ صياغة ذلكَ كُلّهُ شعريّا بتَدَفُّقٍ يُغَطِّي آثار المَهارات و الصّنْعَة. ومِن تداعياتِ ذلكَ أنَّ بَعْضَ الشعراء قد يَتَوَهَّمُ (أو يدّعي؟ ) أننا "نكتشفُ القصيدة المَوْجُودَة مُسبَقاً ولا نخترعها", أي هي وَحْيٌ يُوحي لا اختراع فيها و لا إبداع؟! وأنا مِن الذين توَهَّموا ذلكَ في المرحلة الأولى مِن تجربتي الشعريّة، كُنْتُ أكتُبُ القصيدَة وكأنَّها تُمْلى عليَّ في المَنامِ وأحلام اليقظة، ولكن كانت الشروط مُتَوفِّرَةً عندي وإن كنْتُ لا أعي ذلكَ حينها.

أمّا الآنَ فإنّني أعي أنَّ ثمّةَ قادِحٌ مُباشَر أو غير مُباشَر ينتجُ عنهُ لَهَبٌ يُفْضي إلى حريقٍ جَماليّ يُشَكِّلُ القصيدَة، وبَعْدَ التَّدَفُّقِ التلقائي – اللا واعي – إنْ صَحَّ التعبير، يأتي دَوْري كَصائغ تبْر القصيدة الذي تدفَّقَ وَكَمُهَنْدِسٍ وبانٍ لهذا الصّرْح الجماليّ باللغة.

وبالمُناسبة ثمّة مَن يَعْمَل على تنشيطِ اللاوعي – قبْلَ السُّورياليّة وَبَعْدَها – بمُنَشِّطاتٍ خارجيّة الخمْر أقلّها، فجاوَزَ ذلك إلى استخدام المخدرات والمُنَبِّهات بأنواعها كافّة لتصعيد اللاوعي لحظة الكتابة الشعريّة!

 

س16- تقول "ان المرأة في غالبية الشعر العربي ليست طرفا في علاقة متكافئة, وليست وطن الرجل", هل هذا ينطبق على "مجنون ليلى" و"عنترة وعبلة" وما عُرف بالشعر العذري, على سبيل المثال؟

الجواب

صحيح أنَّ المرأة كانت دائماً عبر التاريخ البشري مِن مَصادِرِ إلهام الكتابةِ الشعريّة. ولكن غالباً ما يكتبُ الشعراءُ ازاء المرأة من منظور اجتماعي مكبوت أو مُتَمَرِّد، تكونُ المرأةُ ضحيّته في الحالتين، لأنّها دائماً تبدو وكأنّها كوكب مُتّصل – مُنْفَصِل لكنّه مَجهولٌ في الحالتين، والإنسانُ عَدوُّ ما يَجهل. وهذا ينطبقُ على شُعَراءِ ما عُرِفَ عندنا قديماً بالشِّعْر العذري الذينَ كانوا "يُقَدِّسونَ" المرأةَ التي يَعشقونها إذا حُرِموا مِن وصالها بـ"جُرْمِ" التشبيبِ بِها، أي التَّغَزُّل شِعْراً بجمالِها، وهذا يتطلّبُ فهمُه دراسة تحليليّة سيسيولوجية - بسيكولوجية أكثر منها جمالية.

كما ينطبقُ على شُعَراءِ ما عُرِفَ بالشعر الحسّي المَكشوف أو المُتَهَتِّك مِن المُخَضرَم بشّار بن بُرد مُروراً بعُمَر بن أبي ربيعة وُصُولا إلى "شاعر الشام" في العصر العبّاسي "عبد السلام بن رغبان" المَعروف ب"ديك الجنّ" الذي قَتَلَ زوجته الحبيبة "وَرْد" غيرةً، ذلك أنّ هذا الشاعر "ديك الجنّ" مثلاً، كانَ يخاف المرأة. وقد قال "مظهر الحجي" الذي جمَعَ شِعرَ شاعر الشام وحقّقه في مقدّمته لـ"ديوان ديك الجنّ الحمصي" الصادر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق سنة 2004: "إنَّ مُغامراته الماديّة المُقتَرنة باللذّة، وَمَعرفته لصنْف مُعَيَّن مِن النساء، وَلَّدَتْ في نَفسِهِ الخَوفَ مِنَ المرأة عموماً، وَعَدَم الثِّقة بوفائها لِمَن تُحبّ".

 

س17- وتضيف قائلاً: "ان حضور المرأة الغائبة في أغلب النصوص الشعرية التي يفترض أنها تعالج قضايا عامة أكبر دليل على أن شعراءنا يكتبون كبتهم الجنسي ويعبرون عنه بأقنعة مختلفة".. أذكر أنّي قرأت اتهامات من هذا القبيل من قبل بعض النقّاد لنزار قباني في مجلة "الآداب" البيروتية في ستينات القرن الماضي.. وإذا ما أجريتُ مقارنة الآن بين اتهامكم لبعض النصوص الشعرية والشعراء واتهام أولئك النقّاد لنزار قباني (ستينات القرن الماضي), مستحضراً تجربة نزار, لن نجد أن ما ذهبتم إليه صائباً.. على أي اعتبارات قام اتهامكم؟

الجواب

صديقي، إنَّ المرأة في مُدَوَّنَةِ نزار قبّاني الشعريّة هي ذاتُ المرأة التي في مُدَوَّنَةِ إحسان عبد القدّوس السرديّة وكلاهما كانَ ينظرُ إلى المسألةِ مِن مَنْظُور شبْه برجوازي, فبالكاد يُلامِسُ قشرتَها. وكلاهما كانَ يحكُّ على جَرَبِ الكبْتِ الجنسيّ في مُجتَمَعٍ مُحافِظ مُتَوَسِّلاً خطاباً ذا لُغة في مُتَناوَل العامّة وَبُنيَة فنّيّة هشّة، فإضافةً إلى تَعامُلِهِ بخفَّةٍ مَع قواعد اللغة العربية فإنّ مُدَوَّنَة نزار قباني الشعريّة، إنْ كان في قصائده السياسية أو تلكَ التي تستلهم المرأة، لا تتوفَّر على صور شعريّة مُركّبة وخصبة دلالياً، فمعظم صوره الشعريّة بسيطة.نزار قباني

ولئن أغْرَتْ جماهيريّةُ شِعْر نزار قبّاني بَعْضَ الشُّعراء المُهِمِّين في بداياتِهِم كما هُو حال محمود درويش في مجموعته الشعريّة الأولى "عصافير بلا أجنحة"، والتي حَذَفَها لاحقاً مِن أعمالِهِ الشعريّة، فإنَّ الغَرْبَلَة النّقديّة للإبداعِ الشعريِّ المُعاصِر لن تُبْقي إلا على القليل مِن شِعْر نزار قباني، الذي قد يقتصر ذكره هُوَ وعبد القدّوس، في المستقبل غير البعيد، على ركنٍ مِن مُدوَّنات مُؤرِّخيّ الشِّعر والأدب. فقد تَمَّ تجاوزُهما وَعياً وذائقةً ولم يكونا معنيّين بنصٍّ إبداعي يتجدّد تلقائيّاً مع مرور الزمن بما يُمكِنُ أن يطرحه على الأجيال المُتلاحقة مِن أسئلة جماليّة ومعرفيّة.

وسؤال المرأة يا صديقي مُغَيَّبٌ تماماً عن المَشهد الثقافي والفكري والسياسي العربي لأننا نعتمد الجواب الذي يُقدِّمُه الدين على هذا الصعيد. ولَن نصل إلى طرح سؤال المرأة طرحا صحيحاً إلا مِن خارج الدين، ولن يكونَ ذلكَ إلا عندما نفصل الدين عن الدولة/عن استراتيجيّتها وخطابها الفكري والثقافي والإعلامي والسياسي والأخلاقي وقوانينها القضائية والاجتماعية والاقتصادية, وقبل ذلك مناهج التربية والتعليم مِن أدنى مَراحلهما إلى أعلاها. فلا يُمكِنُ لأيِّ مُجْتَمَع أن يتقدَّمَ إذا بقي سؤالُ المرأة فيهِ مُعضِلةً. وتطوّرنا الاجتماعي وارتقاؤنا مِن درْك الحيوان الناطق إلى مرتبةِ الإنسان يَتَعَذَّرُ إن لم تتحرَّر المرأةُ مِنَ القيودِ التي فرضَتْها عليها جميعُ الأديان والأعراف الاجتماعيّة لاستعادةِ حقوقِها الإنسانيّة كافّة - (فلسنا مَعنيين باستعادةِ عرشها الإلهيّ) - في التعليم والعمَل والإبداع والإرث والمشاركة في مجالاتِ الحياة بأسرها وفق متطلبات العصر وقوانينه المدنيّة لا وفق التشريعات الدينيّة.

فإذا كان إشغال المرأة الحيّز الأكبر من مدوّنةِ نزار قباني الشعريّة يعودُ – كما تقول سيرة الشاعر – إلى تأثّره بانتحار شقيقته "هدباء" نتيجة تزويجها برجل لا تحبّه، وبالتالي انحصرَتْ رؤيتُه لسؤالِ المرأة في هذا الجانب "أن تتزوّجَ المرأة مَن تُحبّ" وهو مُهم لكنه ليس الوحيد، كما تؤكّد لنا حادثةُ إقدام وزير أردني سنة 2016 على قتْلِ شقيقته الأردنية المسيحيّة لأنّها تزوّجت رجلاً أردنيا مسلماً، ذلكَ أنَّ القضيّة مرتبطة بمنظومة فكريّة سياسيّة مُجتَمَعيّة يجبُ فكّ ارتباطِها نهائيًّا وجذريّا بالدين، ولكن ليس في رؤية نزار قباني الذي يقول "فصَّلتُ من جلْدِ النساء عباءةً.. وبنيتُ أهراماً من الحلمات" أيّ إجابة على سؤال المرأة، لأنّ هذه الرؤية بتشييئها لجسدِ المرأة وتسليعها، تبدو كأنّها ترنو إلى تحرير جسد المرأة مِنَ القيودِ الاجتماعيّة المُحيطة به فقط كي يتمكّن هذا الذي يستعرض فحولته (جنسيّاً لا شعريّاً) مِنَ التمتُّع بذلكَ الجسد، فهذهِ الرؤية لم تُلامِسْ أبداً مُعاناة المرأة في مجتمعاتنا كإنسان مِن درجة أدنى، حتى عندما خرجتْ إلى العمَل في الحقل أو المصنع أو التدريس مُعلِّمَةً أو أستاذة، ناهيكَ عَن دَوس حقوقها المدنيّة المُتَعلّقة بالزواج والطلاق وحضانة الأبناء والإرث، فالمؤسسات التشريعية العربية الرسميّة يعفيها الدين كمرجع مِن قوننةِ تلك الحقوق.

وانشغال مثقفينا ومفكرينا ازاء هذا الأمر لم يجاوِز استذكار كتابيّ قاسم أمين والطاهر الحدّاد في المناسبات التي يُحْتَفى بها لِرَفْعِ العتَب وَذَرّ الرّماد في العيون، وحتى في تونس التي سَبَقَ وأن قطَعَتْ فيها حُقُوقُ المرأة شَوطاً مهمّاً على صعيد قَونَنَتِها، لكنّ المؤسسة القضائية والمؤسسات التنفيذية التي تشهد ارتداداً وفساداً بفضل مؤامرة الربيع العربي وصعود حركة النهضة الإخوانية إلى سدّة الحكم مباشرة أو بشكل غير مُباشَر، كثيراً ما يتمّ فيها التحايُل على تلك القوانين في زَمَنِ قاضيات الأسرة المحجّبات والأداة التنفيذية المرتعشة، لصالح مزاعم دينيّة وأعراف اجتماعيّة بالية!

يتبع