كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عبد الله حنا: مسار التاريخ بين صعود وهبوط ودورته بين مُقبل ومُدبر

المراقب لتاريخ البشرية يرى أنها تسير وفق منحنيات الصعود والهبوط. وهكذا كما يقول المؤرخ المسعودي، تكون "الأمور مُدْبِرة" فيجري الهبوط ويعقبها فترة "الأمور مُقْبِلة" فيجري الصعود، وهكذا دواليك.
هذه الأمور بين "مُقبِل ومُدبر" رهن بالظروف زمانيا ومكانيا.
والمستقبل سيكشف عمّا يخبّئه من تغيّرات كونية حاملة معها أوضاعا اقتصادية – إجتماعية مستجدة وسياسات وافكار متسارعة.. لا يعلمها إلا الله.. والراسخون في العلم في العصور الالكترونية المكتشِفة لعوالم الغد والدهور القادمة.
***

لقد بلغت أفكار النهضة العربية ذروتها في منتصف القرن العشرين. وملأ الأمل قلوب الوطنيين العرب باقتراب ساعة التحرر من الاستعمار والصهيونية تحررا نهائيا وبدنو ساعة التحرر الاجتماعي والفكري ووصول العرب إلى المستوى الحضاري العالمي المتقدم. تزامن ذلك مع طموح رومانطيكي لثوريين حالمين بوطن يسير على إيقاع النهوض والتقدم.
***

كما اتصف منتصف القرن العشرين باهتزاز إيديولوجيات العصبيات الطائفية والعشائرية لصالح إيديولوجيتي الوحدة الوطنية والكفاح الفلاحي ضد الإقطاعية. ومع ذلك بقي قسم من الأرياف رغم أمواج التحرر الوطني والطبقي, لا تزال يرزح تحت وطأة الخضوع للعصبيات الطائفية والعشائرية. وازداد الأمر مأسوية في أواخر القرن العشرين, الذي ساده ظلام العشائرية والطائفية وانتعش فيه, ولا يزال, سوق الأساطير والخرافات المتزامنة مع الهجوم الاستعماري الأميركي المتحالف مع العدوانية الصهيونية. دون أن ننسى تأثير المال النفطي الخليجي وما يحمله من رياح عاتية تهزّ جذور حضارات وادي النيل وبلاد الشام والرافدين.
***
وهكذا نرى أن التطلعات النهضوية والرغبة في تجاوز العصبيات الطائفية والعشائرية والتغلب على البنية الإقطاعية المتمترسة وراء الطائفية والعشائرية أمر دونه خرق القتاد في مجتمع لا يزال يعيش
علاقات ما قبل الرأسمالية وتتحكم فيه تقاليد وأعراف رعتها مصالح الحكام الإقطاعيين واشباههم، ومن بيدهم المال ومفاتيح الدخول إلى عقليات ملايين البشر
***
مع انتهاء المراحل الصاعدة لحركة النهضة العربية في الثلثين الأوليين للقرن العشرين وبداية الانحسار لمسار الحركة النهضوية العربية ودخول العالم العربي مرحلة مأسوية وقع فيه طريحا بين سندان القوى الصهيونية والاستعمارية الأميركية ومطرقة القوى الداخلية المتمثلة في ظاهرتين: ظاهرة ازدياد هيمنة العساكر على المجتمع وتحجيم نشاطاته الإبداعية, وظاهرة صعود التيارات الدينة المتزمتة والمتحجرة وخفوت وانطفاء وهج "السلفية النهضوية"، التي تحدثنا عنها في حلقات سابقة.
***
ولعل من المفيد المقارنة بين البنية الاجتماعية في خمسينات القرن العشرين وبنية عدد من المجتمعات العربية ومنها سورية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين كي نتلمس جوانب هامة لأسباب الإنكفاء والتراجع في الحركة الثوريية العربية . فالحالة السورية في خمسينات القرن العشرين اتصفت بأربع ظواهر:
- دور ملحوظ للبورجوازية الوطنية المنتجة.
  - " الغليان النهضوي" في صفوف الفئات الوسيطة, التي كانت تعج بالوطنية وتتطلع إلى الصعود نحو الأعلى للحلول محل طبقتي الملاك والبوررجوازية الكبيرة المسيطرتين على الدولة.
- تكوّن الطبقة العاملة والسعي لإقامة حركة نقابية لا تخضع لنفوذ الفئات الحاكمة من بورجوازية وإقطاعية. والطبقة العاملة السورية، التي ظهرت ملامحها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين أخذت في الضمور في أواخر القرن مع التغيرات البنيوية المجتمعية في أواحره لسببين: الفئات الحاكمة الملتهمة لمكاسب القطاع العام وتحويله لجيوبها، وهي تتشدق بلاشتراكية. والسبب الثاني تحالف حيتان هذه الفئات مع الفئات الطفيلية من تجارية وغيرها لتصفية ما حققه المنتجون بسواعدهم وادمغته من خيرات للوطن. وكانت ثالثة الأثافي تغلغل المخابرات السلطانية في شرايين المجتمع وسحقها لأية حركة خيّرة.
- تحرك الفلاحين الخاضعين لنطام المحاصصة الإقطاعي ودخول أبناء الفلاحين ذوي الملكيات الصغيرة حلبة النضالين الوطني والفكري السياسي من أبوابهما العريضة.
أما الحالة السورية في الربع الأخير من القرن العشرين فتتصف بالظواهر التالية:
- غياب البورجوازية الوطنية المنتجة. وصعود لافت للفئات الطفيلية غير المنتجة ومساهمتها في التسلط على رقاب العباد بالتحالف مع الدوائر البيروقراطية للدولة..
- تراجع عملية تكون طبقة عاملة وافراغ النقابات من محتواها وجعلها ذيلا للسلطة الطبقية (الطبقة الجديدة)..
- تغيّرات كثيرة ومعقدة جرت في الريف الفلاحي بحاجة إلى دراسات ميدانية من باحثين مرتبطين بالشعب وبالوطن.. نذكر منها أن الفلاحين المستفيدين من الاصلاح الزراعي توزعت ملكياتهم على أبنائهم المتكاثرين بازدياد معدلات الولادات وتبعثر الملكية الزراعية وازدياد الهجرة إلى المدن الغاصّة بالمهمشين والعاطلين عن العمل.
- تخلخل بُنى الفئات الوسطى صعودا وهبوطا وتغيّر نظراتهاالسابقة إلى الحياة ومصير الكون.
- انتشار ظاهرة التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي بصورة لم يسبق لها مثيل فيما مضى من الزمن.
إذا أضفنا إلى ذلك دور العوامل الخارجية فيما يتعلق بتراجع تاثير النموذج الاشتراكي ثم زوال تأثيره بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي، واحتلال النظام الدولي الجديد مركز الصدارة في العالم ومن ثمّ تفرّد الولايات المتحدة الأميركية بمصير إدارة العالم. كل ذلك خلق ظروفا غير ملائمة لعمل ونشاط ثوريي منتصف القرن العشرين، الذين تراجعوا إلى الصفوف الخلفية.
***
وفي ظل هذه الظروف ظهر ما سمُيَ بثورة الربيع العربي، التي عقدت عليها الملايين الآمال العراض. ونترك للقارئ الحكم على هذا الربيع في مختلف البلدان العربية، التي عاشته.
***
  (الحلقات القادمة الحجاب والسفور في العصور الاسلامية)