كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. عبد الله حنا: محمد مبارك والتيار الإسلامي الوطني العروبي

نشأ محمد مبارك في جو اسلامي دمشقي عام 1912. وكان جده من علماء اللغة العربية وله نثر وشعر. والده الشيخ عبد القادر مبارك من علماء اللغة والأدب وكان عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق.
بعد أن أنهى مبارك دراسته الثانوية أوفدته الدولة عام 1935 إلى جامعة السوربون للدراسة حيث درس الأدب الفرنسي وعلم الإجتماع وتعرّف عن كثب على الثقافة الفرنسية واتجاهاتها. وبعد عودته من باريز عام 1938 قام بتدريس الأدب العربي في حلب ومن ثمّ دمشق. انتخب نائبا عن دمشق في ثلاث دورات انتخابية: 1947 و 1949 و 1954. وفي عام 1954 عُيّن استاذا في كلية الشريعة في الجامعة السورية واستمر في التدريس فيها حتى عام 1968، حيث عُيّن استاذا لقسم الشريعة والدراسات الإسلامية في في كلية الشريعة بمكة المكرمة.
محمد مبارك من مؤسسي جماعة الإخوان المسلمين، ثمّ انصرف للتدريس والتأليف، ومن مؤلفاته: المجتمع الإسلامي المعاصر، جذور الأزمة في المجتمع الإسلامي، نحو إنسانية سعيدة، بين الثقافتين: الغربية والإسلامية..
***
مثّل الإخوان المسلمون في سورية تياراً معتدلا بالمقارنة مع إخوان مصر. وعاش تيار الإخوان المسلمين في سورية في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في أجواء النضال الوطني والقومي العربي وتأقلم مع تلك الأجواء، وما سادها من ديموقراطية وحوار بين الأفكار. كما سعى الإخوان لكسب الجماهير المتطلعة إلى الاشتراكية عن طريق الدمج بين الاسلام والاشتراكية.
وظهرت في صفوف الإخوان المسلمين في سورية أو في صفوف الشخصيات المحيطة بهم أصوات لم تناد باشتراكية الاسلام فحسب بل دعت إلى التعاون مع الاتحاد السوفيتي إن كان ذلك في مصلحة العرب  ونضرب مثلا على ذلك ما قاله محمد مبارك ردّاً على الشيخ عبد الرؤف أبو طوق (ممثل أحد التيارات الاسلامية اليمينية المنغلقة على ذاتها) بما يلي:
" ..إن الخوف من الشيوعية ليس علينا نحن ابناء الشعب بل على إقطاعياتهم وعروشهم وزعاماتهم وثرواتهم التي باعدت بيننا وبينهم... والاسلام يجيز مسالمة الدول الأخرى ولو كانت مخالفة له في المبدأ والعقيدة ويجيز مصادقتهم..".
وقرأ مبارك فقرة من كلمة قالها في اجتماع شعبي في دمشق في عام 1949كممثل للجبهة الاشتراكية الاسلامية, ما يلي: "...إن علينا أن نعادي من ناصبنا العداء حتى اليوم وأن نبدأ على الأقل بصداقة من صادقنا ونفترض أن هناك أموراً ماضية بيننا وبينه ولكنه قد بدأ بصداقة فلنبدأ بصداقة جديدة. أما موضوع العقائد والمبادئ والأنظمة فذلك موضوع داخلي نعالجه بأنفسنا وفيما بيننا. ولنعتقد أن هذا موقف الاسلام +في هذا الموضوع".
وأردف مبارك في الجلسة ذاتها بتاريخ 6 تشرين الأول 1955 قائلا: "...والشيوعية من الوجهة الدولية دولة ذات قوة نسالمها إن سالمتنا ونصادقها إن صادقتنا... للشيوعية عقيدتها ولنا عقيدتنا لهم دينهم ولنا ديننا. والاشتراكية مذهب إقتصادي يمكن أن نستفيد من بعض نواحيه".
 
أولى الشيخ محمد مبارك اهتمامه فيما كتب إلى إلى محاور ثلاثة كانت نموذجا معتدلا عقلانيا للتنظير الفقهي السياسي وهي:
مفهوم الأمة والقومية.. تركيبة المجتمع السوري (الدينية والعرقية واللغوية).. نظام الحكم والدولة في الإسلام.
***
في احد أيام ربيع 1955 كنتُ في عداد وفد من طلاب الجامعة السورية قام بزيارة محمد مبارك النائب في المجلس النيابي في منزله في الجسر الأبيض، تمّت بناء على مخابرة هاتفية بينه وبين أحد طلاب الوفد. كان الوفد مؤلفا من خمسة عشر طالبا جامعيا استقبلهم مبارك بوجه بشوش وتواضع يأسر القلوب. كنت البادئ بالحديث حول الغرض من زيارتنا وهي الاستفسار عن ما ورد في تصريح صحفي لمبارك بأنه يؤيد الحلف التركي العراقي المدعوم من الاستعمار. أبدى مبارك استغرابه وشن حملة شعواء على الحلف الاستعماري. في ختام الزيارة وقف مبارك أمام باب بيته وودعنا فردا فردا. وفي اليوم التالي قرأنا في الصحف تصريحا لمحمد مبارك جاء فيه: زارني وفد من طلاب الجامعة مستفهما حول تصريحي الصحفي بتأييد الأحلاف العسكرية. إنني أعلن رفضي لهذه الأحلاف وآسف لتحوير الصحفي لكلامي...