كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الإخوان المسلمون" في سورية: نظرة في تاريخ مشوّه بالإجرام و الحقد و العنف و الإرهاب.. و نظرة في الواقع اليوم

{الحلقة الثالثة}

ــ د. بهجت سليمان

يتقارب تاريخ الشّعوب العربيّة الإسلاميّة بكلّ ما هو مشتركٌ من رواسب الماضي المشوّه بالأيديولوجيّات المتكوّنة من تعسّف الثّقافات الانعزاليّة التي تفرّق ما بين الجماعات التّكوينيّة المختلفة للشّعوب التي تعايشت في محيط الجغرافيا و التي تفاوتت في مسوّغات الانتماء الموضوعيّ إلى هذا التّاريخ الذي يُقال إنّه "تاريخٌ مشترك" لمختلف تلك المكوّنات.

و لقد كان هنالك من مكوّنات هذا التّاريخ منظوماتٌ جمعيّة و نسقيّة "فكريّة" اجتماعيّة و سياسيّة استطاعت أن تشكّل فروقات و انفراقات حقيقيّة جسّدتها النّزعات البنيويّة المنفصلة في التّركيبة الثّقافيّة التّاريخيّة لشعوب "المنطقة"، و هو الأمر الذي أنتج "اهدافاً" انقساميّة في الواقع المتوالي لسيرة الانتماء المتحفّز في نظريّات و ممارسات الإقصاء الاجتماعيّ و السّياسيّ المبنيّة في القاعدة الصّلبة على ثقافة التّكفير الدّينيّ، على وجه التّحديد.

ساعد على هذا الواقع ما استمدّته المنظومات الجمعيّة المختلفة، بالتّعاقب و بانتظام، من أنساقٍ للاحتكار الحصريّ لادّعاء الشّرعيّة "السّياسيّة" الدّينيّة التي كانت و مازالت تعمل على صناعة مكوّناتها في المجتمعات المتجدّدة، بناءً على مصفوفات سياسيّة مجتمعيّة و مؤسّسيّةتنتج فضاءات محدّدة من الانفتاح على الماضي العنفيّ و الانغلاق أمام حركة التّطوّر و التّقدّم في المستقبل.

و هكذا فإنّه ما إن يُنتَج منتوجٌ ثقافيّ على أساسٍ اعتقاديّ دينيّ, يُدغدغُ الذّاكرة الاحتكاريّة للنّسقِ الاجتماعيّ الرّائج في القاعدة التّاريخيّة للتّخلّف و الانغلاق، حتّى يكون له صدى مباشرٌ و سريعٌ، في الجغرافيا و "الاجتماع"، في تداعي المكوّنات الّلصيقة في التّحالفات الزّمنيّة النّاجزة، بفعل الثّابت من القناعات الرّاسخة المشكِّلة لمراتبيّةِ (هيراركيّة) التّناضد "المقدّس" الذي يدّعيه الدّين!

و إذا كنّا قد رأينا في الحلقتين السّابقتين من هذا "الحديث" كيف كان للجذور التّاريخيّة في التّكوين الثّقافيّ لِـ"المكان" من قابليّات سريعة و حيّة لتلقّي مشاريع ما سمّي بـ"الحركات الإصلاحيّة" الإسلاميّة في أواخر القرن التّاسع عشر و أوائل القرن العشرين، الماضيين، تلك القابليّات التي ارتفعت بتلك "المشاريع" إلى رتبة "المقدّسات الثّيولوجيّة" (الّلاهوتيّة) و "الأوتولوجيّة" (الألوهيّة)، عن طريق انتظامها السّريع و الواسع في "تنظيمات" سياسيّة- دينيّة كان مثالها الأكثر "مشروعيّة" و "انتشاراً"، حركة "الإخوان المسلمين" في (مصر)؛

فإنّ "القرابات" العنفيّة القائمة على ذاكرة حيّة من الأشراط الاجتماعيّة المعادية لِـ"الإنسانيّ" في "التّاريخيّ" و "الاجتماعيّ"، بالإضافة إلى الظّروف "الوظيفيّة" و السّياسيّة "الدّوليّة" المُخطَّطة للنّشأة و السّرعة في التّنفيذ الهادف للتّنظيم (للحركة)؛ إنّما كانت كفيلة بسرعة و تسريع ولادة الامتدادات العاطفيّة- المنحرفة التي جعلت من حركة "الإخوان المسلمين" في (مصر) حركة عربيّة و عالميّة في غضونٍ زمنيّة سريعة؛

و هكذا كان من الطّبيعيّ و من الموضوعيّ، أيضاً، أن يظهر لتلك المنظومة السّياسيّة الدّينيّة تطبيقٌ سريع في (سورية)، على أرضيّة منظومة من "الجماعات" الدّينيّة المشابهة في "النّشأة" و الأسباب ،نظراً لما يربط كلّ من (سورية) و (مصر) بالأفكار "الإصلاحيّة الدّينيّة" المزعومة التي كانت قد انتشرت حديثاً في أوائل القرن العشرين المنصرم انتشاراً شديداً، انطلاقاً من أسبابٍ كافية من التّخلّف و الفراغ الاجتماعيّ و السّياسيّ و الفكريّ في "المكان"؛

كما نظراً لما يربط ما بين (سورية) و (مصر) من وشائج تشكّلت في التّاريخ بناءً على مجموعة من الرّوابط "الدّينيّة" و "التّاريخيّة" و "الثّقافيّة" كمخلّفات "طبيعيّة" لدّولة الخلافة الإسلاميّة، و كأثرٍ "موضوعيّ" لفكرة "الأمّة" على مختلف الظّروف "الإشكاليّة" التي ابتعثتها في "التّاريخ".

تتلمذ السّوريّ المدعو (مصطفى السّباعي) (المولود في حمص: 1915- 1964م)، في صغره على يد "مفتي حمص" (الشيخ طاهر السباعي)؛
و غادر (السباعي) إلى (القاهرة) في العام (1933م) للتّحصيل الدّينيّ في "الأزهر"، حيث انتسب إلى "الإخوان المسلمين" و أصبح من المقرّبين من مؤسّسهم (الشيخ حسن البنّا)، فتتلمذ عليه، و كان من النّاشطين "الإخوانيين" على "السّاحة المصريّة" منذ عام (1934م)؛
أوقف في (مصر) عام (1940م) و نقل إلى سجن في (فلسطين)، و من هناك عاد إلى (حمص) حيث أسّس حركة "شباب محمد".

كانت البيئة التّنظيميّة جاهزة للنّشاط "الإخوانيّ" التّنظيميّ في سورية؛ فقد كانت ثمّة عدّة تنظيمات و جمعيّات إسلاميّة تعمل في (سورية) تحت مسمّيات مختلفة منذ الحقبة العثمانيّة في أواسط القرن الثّامن عشر، و برز منها شخصيّات و رجال دين في (دمشق) تعاطت الشّأن السّياسيّ من مثل عائلات (القوّتلي) و (الأيّوبي) و (مردم) و (العظم).

التقى (السباعي) في (سورية) بأطراف "الجمعيات الإسلامية" في المحافظات السورية وقرروا توحيد صفوفهم، والعمل جماعة واحدة.. وبهذا تأسست منهم "جماعة الإخوان المسلمين" لعموم القطر السوري، وقد حضر هذا الاجتماع من مصر (سعيد رمضان)، و كان ذلك عام (1942م)، ثم بعد ثلاث سنوات أي في عام (1945م) اختير مصطفى السباعي ليكون أول "مراقب عام" للإخوان المسلمين في (سورية)؛


و أسّس "الإخوان" لهم أول "مركز مرخّص" (في ظلّ الاستعمار الفرنسيّ!) للجماعة في (حلب) تحت إسم "دار الأرقم" وكان من أبرز المؤسّسين (عمر الأميري) و (عبد القادر السبسبي) و (أحمد بنقسلي)، و (فؤاد القسطل)، (الشيخ عبد الوهاب ألتونجي)، و (سامي الأصيل).
وبالفعل عقدت "الجماعة" مؤتمرها الخامس في (حلب) في تشرين الثّاني/نوفمبر عام (1945م)، وقررت إلغاء المركز الرئيسي في (حلب) و تأليف "لجنة مركزيّة عليا" في (دمشق) مشكلة من ممثل عن كل "مركز" أو "جمعية"، و اتخذت لها "مكتباً دائماً" تعقد اجتماعاتها بالتنسيق مع "الإخوان" في (مصر) و (فلسطين)؛ و بذلك دخلت "دعوة الإخوان" في (سورية) و (لبنان) مرحلة جديدة من قوّة "التّنظيم".
خاض "الإخوان" الانتخابات االتّشريعيّة في (سورية) عام (1947م) بمباركة (حسن البنّا) و فاز منهم (الشيخ معروف الدواليبي)عن (حلب) و (محمود الشقفة) عن (حماة) و (محمد المبارك) عن (دمشق).

قام (حسني الزعيم) بالانقلاب الأوّل مدعوماً ببقايا ضباط جيش الشرق الفرنسي وبتخطيط أمريكي، و أيّد "الإخوان المسلمون"، بانتهازيّتهم المألوفة، انقلاب (حسني الزعيم) (30/3/1949م) بشرط حدّدوه في مذكرة رفعوها إلى (الزعيم) في (9/4/1949م) طالبوا فيها "العمل بمبدأ الشورى".

بعد الانقلاب الثاني في (14/8/1949م) بقيادة (سامي الحناوي) جرت انتخابات لِـ"جمعيّة تأسيسيّة" في (15/10/1949م) خاضها "الإخوان" و توحّدوا مع "جماعات إسلاميّة" أخرى تحت اسم "الجبهة الاشتراكيّة الإسلاميّة"، فاز "الإخوان" فيها بأربعة مقاعد أحدها لِـ(السباعي)، وشكّلوا مع "حلفائهم" كتلة برلمانيّة و بسطوا نفوذهم على النقابات العماليّة والحرفيّة، غير أنّهم فشلوا في "الرّيف" السّوريّ؛

و تشكّلت حكومة برئاسة (خالد العظم) و شارك "الإخوان" فيها "بحقيبة الأشغال العامّة والمواصلات" لـ(محمد المبارك).

بعد انقلابه في (29/11/1951م) أصدر (الشيشكلي) قراراً بإغلاق مراكز "الإخوان المسلمين" في (سوريّة) و زجّ بقادتها في السجون.

في (24/2/1954م) كان "الإخوان" في طليعة القوى السياسيّة التي أيّدت (الرئيس هاشم الأتاسي) دمشق، و حققوا فوزاً في "البرلمان".

بعد "الانفصال" (1961م) فاز "الإخوان" بعشر مقاعد نيابيّة في ظروف سياسيّة مهترئة.

تم إقصاء "الإخوان المسلمين"، سياسيّاً، في (سورية) مع ثورة آذار (1963م)، و استطاع "حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ" أن يقمع "انتفاضات" دينيّة كان وراءها "الإخوان" في الأعوام (1963 و 1964 و 1965 و 1967م).

مع وصول القائد (حافظ الأسد) إلى السّلطة بعد "الحركة التّصحيحيّة" عام (1970م)، أُسقط في يد "الإخوان المسلمين"- بادئ الأمر- بما كان معروفاً عن شخصيّة الرئيس (حافظ الأسد) أنّه يمقت "الطّائفيّة"؛ فابتعدت الفئات الاجتماعيّة المختلفة، وراء مصالحها الطّبيعيّة، عن "الأيديولوجيا الإخوانيّة" الرّاديكاليّة التّقليديّة، و أصبح رجال الدّين (المسلمين و الإسلاميين) أعضاء مستقلّين في "مجلس الشّعب"، و في الوقت نفسه وجد "الإخوان" ظروف الدّيموقراطيّة الاجتماعيّة التي فضّلها (حافظ الأسد)، سياسيّاً، وجدوا مناخاً ملائماً لإعادة تنظيم صفوفهم بسرّيّة و هدوء.

بعد "حرب تشرين التّحريريّة" عام (1973م)، و في ظروف سياسيّة "عربيّة" و "إقليميّة" معادية لسياسات الرّئيس (حافظ الأسد)، القوميّة، و بخاصّة بعد توقيع (السّادات) "اتّفاقيّة سيناء 2" عام (1975م) و التّداعيات السّلبيّة على "المنطقة العربيّة" جرّاء غياب دور مصر العربيّ القوميّ و دخول (لبنان) في نفق الصّراعات العربيّة- العربيّة و العربيّة- الدّوليّة على ساحته، و بخاصّة العراك بين "الدّولة الّلبنانيّة" و "المقاومة الفلسطينيّة" الذي كان قد بدأ منذ عام (1969م)..، و زيارة (السّادات) الشّهيرة إلى (القدس) عام (1977م)..، و غزو ("إسرائيل") لِ(لبنان) عام (1978م)، و معاودة نشاط القوى الرّجعيّة العربيّة لمواجهة (سورية)، و توقيع "معاهدة" (كامب ديفيد) بين (مصر السّادات) و ("إسرائيل") في أيلول/سبتمبر عام (1979م)؛

بعد كلّ هذه المستجدّات في الظّروف المحيطة و المعقّدة، رافق هذه الاستحقاقات الإقليميّة أزمة (فتنة) داخليّة في سورية كان وراءها مختلف "الجماعات الإسلاميّة" التي كان أبرزها و أقواها "الإخوان المسلمون".

انتقل، إذاً، تحدّي "الإخوان المسلمين" للدّولة الوطنيّة في (سورية)، إلى العلن، خاصّة في النصف الثاني من السّبعينات من القرن العشرين المنصرم، حيث أخذ "الإخوان" يهاجمون "نظام الحكم" في (سورية) من موقع "مذهبيّ "، تحت ذريعة أنّ "ادّعاء النّظام للعلمانيّة ليس سوى جريمة تعكس هرطقة النظام و كفره"..

[راجع: كمال ديب. سورية في التّاريخ. المكتبة الشّرقيّة . الطّبعة الأولى – 2017م].

كانت قيادة "الإخوان" قد انتقلت من (مصطفى السباعي) إلى الدّاعية (عصام العطّار)، منذ عام (1957م)، بسبب مرض الشّلل الذي أصاب (السباعي).

بدأت المواجهات الجدّيّة مع "الإخوان المسلمين" في (سورية) منذ حزيران/يونيو (1976م) مُتَذَرِّعَةً بموت الدّاعية و النّاشط السّياسيّ "الإخوانيّ" (مروان حديد) في السّجن، إذ انطلقت "حربٌ إخوانيّة" ضدّ جميع مظاهر و مؤسّسات الدّولة و مكاتب "حزب البعث" و "مراكز الشّرطة" و "الثّكنات العسكريّة" و "المصانع و المعامل"، و ضدّ "الخبراء الرّوس"، و غير ذلك.

بين عامي (1979 و 1980م) تركّزت "حرب عصابات الإخوان" على "الدّولة" في مدينة (حلب).

في تشرين الأول/أكتوبر عام (1979م) اعتقلت الشّرطة "إمام الجامع الكبير" بحلب، الشيخ الإخوانيّ (زين الدّين خير الله) لتحريضه الطّائفيّ على "الدّولة" في "خطبة جمعة"، فاندلعت مواجهات كبيرة بين "الإخوان" و "القوى الأمنيّة"، اعتقل فيها الزّعيم "الإخوانيّ" المعروف (حسني عَبو) و حوكم قضائيّاً و أعدم، فخلفه في "الطّليعة" مهندس من (القنيطرة) يُدعى (عدنان عقلة) الذي قتل هو أيضاً عام (1982م).

في تشرين الثّاني/نوفمبر من عام (1979م) أصدر "الإسلاميّون" بياناً باسم "قيادة الثّورة" أعلنوا فيه أنّ "الجهاد قد دخل مرحلة التّصميم الجديدة إلى أن يسقط حافظ الأسد".

[المرجع أعلاه: ص 554].

بعد أكثر من عامين من التّفجيرات و عمليّات الاغتيال التي قام بها "الإخوان المسلمون" لإسقاط "الدّولة"، بدت أثناءها الدّولة صامدة و مستمرّة في مواجهة النّار بالنّار.

كان الرّئيس (حافظ الأسد) حتّى آذار/مارس من عام (1980م) لا يزال يواجه هذه "الأزمة" بمؤسّسات الدّولة و القانون، و كان يُحاول أن يلجم "اندفاعات" الأجهزة الأمنيّة، و يمنع "الاعتقالات الاعتباطيّة"، و يعمّق "الاستقرار و الشّعور بالأمان".

في 8 آذار/مارس 1980م ألقى الرّئيس (حافظ الأسد) كلمة لمناسبة الذّكرى السّابعة عشرة لثورة "البعث"، هاجم فيها "زعماء الحركات الإسلاميّة" بأنهم "تجّار دين"، و توعّدهم بالشّدّة و الحزم.

في خريف (1979م) كان "الإخوان المسلمون" قد استمالوا إليهم "معارضات سياسيّة" جمعهم العداء ضدّ الدّولة و السّلم المجتمعيّ؛

و في هذا العام بدأ "الإخوان المسلمون" ما أسموها "حرب المدن" في (سورية) على نطاق شامل.

في 16 حزيران/يونيو عام (1979م) قام "ضابط" في "مدرسة المدفعيّة" بحلب، يُدعى (ابراهيم يوسف) بتنفيذ مجزرة بحقّ "طلّاب الضّباط" في "كليّة المدفعيّة" (مدرسة المدفعيّة) بعد أن جمعهم في "قاعة الطّعام" و سمح لمسلّحي "الإخوان" أنّ ينفّذوا فيهم جريمة شنيعة، ففتح "مسلّحو الإخوان" إلى جانب (ابراهيم يوسف) النّار على "الطّلّاب"، فراح ضحيّة تلك المجزرة العشرات..

في 26 حزيران/يونيو (1980م) قام "الإخوان المسلمون" بمحاولة فاشلة لاغتيال الرّئيس (حافظ الأسد) أمام "قصر الضّيافة" بدمشق أثناء مراسم استقباله لرئيس ضيف أفريقيّ.

في 10 تشرين الأوّل/أكتوبر 1980م أعلنت الحركات الإسلاميّة المسلّحة تأسيس "الجبهة الإسلاميّة" في (سورية)، بقيادة (الشّيخ محمد أبو النّصر البيانوني) (من حلب) و معه (سعيد حوّا) (من حماة) و (عدنان سعد الدّين) (من حمص)، للإطاحة بالنّظام و إقامة "دولة دينيّة" تحت "راية الإسلام"..! مع أنّ "البيان" قد راعى إرضاء أطراف "المعارضات" السّياسيّة السّوريّة الأخرى بأنّ "الدّولة الجديدة" ستحترم "حريّة الرّأي" في انتخابات عامّة حرّة..!؟

في تلك الأثناء، في مطلع عام (1981م)، تمّ توافق "قيادات الإخوان" في داخل (سورية) مع (عصام العطّار) (المقيم في مدينة آخنْ في ألمانيا الغربيّة منذ عام 1964م)، ضمن إطار "الجبهة الإسلاميّة" لتسيق التّعاون بين "الدّاخل" و "الخارج".


في هذا العام (1981م) انتقلت "الحرب" إلى داخل دمشق نفسها، فاستهدفت تفجيرات "عصابات الإخوان" جميع مؤسّسات و مظاهر و أفراد الدّولة و المجتمع و "الخبراء السّوفييت"؛

و في 29 تشرين الثاني/نوفمبر من عام (١٩٨١م) قامت عصابة "الإخوان المسلمين" بتفجير سيارة مفخخة في "حي الأزبكيّة" في (دمشق) تحمل (300 كغ) من مادة الـ (تي. أن. تي) شديدة الإنفجار أودت بحياة أكثر من (١٧٥) شخصاً من المدنيين الأبرياء في مجزرة مروّعة.

و كانت معركة (حماة) في عام (1982م) هي المعركة الحاسمة بين "الإخوان المسلمين" و الدّولة، حيث مثّلت قوى اجتماعيّة و سياسيّة رجعيّة في (حماة) منذ عام (1963م)، و ثورة "البعث"، نموذجاً للعداء ضدّ الدّولة.
استمرّت مواجهات "الإخوان" في (حماة) للدّولة (27) يوماً، انكسرت فيها، أخيراً، شوكتهم، فجسّدت هذه "المعركة" القضاء على "التّزمّت الدّينيّ و غُلاة الدّين في حماة".

[ كمال ديب. المرجع أعلاه. ص 564].

و كما في الحاضر، اليوم، كان في الماضي، فقد كانت الحرب في (سورية) و على (سورية) مركّبة، و ذلك بالمتآمرين من "الدّاخل" و مطوّقة بالأعداء من الخارج ، حيث ثبت في الماضي و الحاضر ضلوع (الولايات المتّحدة الأمريكيّة) و ("إسرائيل") و الرّجعيّة العربيّة و الإسلاميّة، في جميع الحروب التي خاضتها (سورية) المعاصرة، داخليّاً و خارجيّاً؛

و لم يتغيّر مضمون و مخطّطات العداء المركّب الرّجعيّ الدّاخليّ و العربيّ الإسلاميّ - الصّهيونيّ- الأمريكيّ و الغربيّ العالميّ، ضدّ (سورية).

عندما التقى الرّئيس (حافظ الأسد) ملك (الأردنّ) (حسين) في جنازة تيتو (أيار/مايو 1980م) اتّهم (الأسد) (حسيناً) شخصيّاً بضلوعه في تخريب (سورية)، بغضب، و بأنّ له يداً في الدم الذي يسفك في (سورية)، وقد قُدّر للملك أن يعترف بذلك علانيةً بعد خمس سنوات عندما عادت علاقته للتّحسّن مع (سورية).

كان من المعروف أن النظام الأردنّيّ احتضن معظم قيادات "الإخوان المسلمين" الهاربين من (سورية) بعد انكشاف تورطهم بالإرهاب، و قد كان ذلك عَبْرَ العلاقة الخاصة ما بين المدعو (علي البيانوني) و "المخابرات الأردنّيّة".

و كان أن اعترف الكثير ممن ألقي القبض عليهم بعمالتهم لنظام (صدام حسين) في (العراق) حيث أقرّوا أثناء التحقيق بعلاقتهم بضباط ارتباط في (بغداد)، و كانت المروحيات العسكرية السّورية قد اعترضت الكثير من شاحنات تهريب الأسلحة عبر (بادية الشام) و أوقفتها.

كانت قد بدأت الاتصالات بين "الطليعة المقاتلة" (الجناح المسلّح للإخوان المسلمين) و "النظام العراقي" منذ فرار المدعوّين (عمر علواني) و (مهدي علواني) إلى (بغداد) عام (1979م)، حيث استقبلهما "النظام العراقي" بحماس بالغ، و اعتبر (عمر علواني) ممثلاً رسمياً لِ"لإخوان"في (العراق) و أعلنت (بغداد) استعدادها التام لتسليح "التنظيم"؛

و بعد ذلك افتتحت "الحكومة العراقية" دورات تدريبية لعناصر التنظيم (1980م)، و مُدّتها "شهر كامل" و تعهدت بافتتاح "دورة جديدة" في كل أول شهر، و قد طالبت "قيادة الإخوان"، فيما بعد، بتدريب عناصرها على الدّبابات فوافق النظام العراقي على ذلك.

من جهة أخرى، صادرت الحكومة السورية أسلحةً حصل عليها إرهابيّو "الإخوان" من "ميليشيا حرّاس الأرز" المتطرفةاللبنانيّة و المرتبطة مباشرة بِـ("إسرائيل"). و هذا ما يوازي اليوم ما تفعله "ميليشيا المستقبل" و "سمير جعجع" في (لبنان) من دعم للإرهاب و الإرهابيين في (سورية) ضدّ الدّولة السّوريّة.

و إذ يبدو أنّ لِ"الإخوان المسلمين" تاريخاً من العمالة و الارتباط بالرّجعيّ العربيّ و الإسلاميّ، و بالصّهيونيّ و الأمريكيّ و شذّاذ الآفاق في العالم، فإنّما يؤكّد هذا على أنّ تنظيم "الإخوان المسلمين" هو تنظيم وحشيّ و متوحّش يقوده برابرة الدّاخل و الخارج ممثّلين بقوى داخليّة و دول إقليميّة و غربيّة أصبحت أشهر من أن تّعدّ أو تسمّى.

اليوم، يتماهى و يمتزج "الإخوان المسلمون" مع "تنظيمات" و قوى سياسيّة و "إرهابيّة"، في (سورية)، بأسماء و مسمّيات تكاد لا تُحصى.

فَمِنْ ما يُسمّى "الائتلاف الوطني السّوريّ" بتطوّراته و انشقاقاته و استحالاته و استقطاباته و تشرذماته العديدة، إلى ما سمّي "الجيش السّوريّ الحرّ"، و "الجبهة الإسلاميّة"، و "فتح حلب"، و "تنظيم القاعدة" بكل مشتملاته من "جبهة النّصرة" و "جماعات" حليفة لها، و "تحالف الأنصار و المهاجرين"، و "جبهة أنصار الدّين"، و "الحزب الإسلاميّ التّركستانيّ"، و "تنظيم (داعش)" بما فيه "جيش داعش" و "لواء شهداء اليرموك" و "جيش الجهاد"..، إلخ، إلخ؛ من مسمّياتٍ بأسمئها الطّنّانة و الرّنّانة المستوردة من "جاهليّات الإسلام السّياسيّ"؛

و ذلك بمناصرة و بدعم سياسيّ و ماليّ و عسكريّ و أيديولوجيّ من قبل دول لا تقتصر على (الولايات المتّحدة الأمريكيّة) و (تركيا) و (قطَر) و (السّعوديّة) و (المملكة المتّحدة- بريطانيا) و (فرنسا) و (كندا) و (هولندا) و (ألمانيا) و ("إسرائيل") و (أوستراليا) و (الأردنّ) و (الأمارات العربيّة المتّحدة) و (البحرين) و (المغرب)..، فحسب؛

إنْ هي إلّا تفريخاتٌ لِ"الوهابيّة" و "الإخوانيّة" عبر تاريخ يعود لقرونٍ مع هذه "الحركات الإسلاميّة" التي تغزو، اليومَ، جميع "الأقطار العربيّة"، بنسب متفاوتة، كما تشيع في جميع دول العالم.

و إذا كانت محاربةُ الإرهاب يستدعي محاربةَ "الإسلام السّياسيّ"، فإنّ الطّريق الوحيد إلى ذلك، إنّما هو محاربة فكر "الإخوان المسلمين" و "الوهابيّة" في المؤسّسات و المجتمع السّوريّ و الدّولة و الثّقافة و التّربية و التّعليم و الإعلام.

لقد أثبت التّاريخ و يُثبت الواقع، أنّ "الإسلام السّياسيّ" هو عبارة عن "منظومة" كاملة من الفكر و الممارسة و المؤسّسات العلنيّة و الخفيّة التي تتستّر حتّى بخطاب سياسيّ وطنيّ.

إنّ الطّريق الوحيد الذي يسمح بمحاربة هذه "الظّاهرة" التّاريخيّة المستعصية، إنّما هو انفتاح الفكر و الدّولة و السّياسة على معطيات المعرفة الحديثة و المعاصرة، و بدون حساب أو حدود، مع التّضييق المستمرّ على جميع "الظّاهرات" الدّينيّة- السّياسيّة التي تجدّد نفسها، باستمرار، في نظريّة الدّولة السّياسيّة "الوطنيّة"، و في الممارسات، أيضاً.

لا تنتهي "حرب الإرهاب" بزوال المظاهر الحربيّة و الأعمال المسلّحة، و لكنّها تنتهي حتماً في إنتاج الأجيال المقبلة المعقّمة من جميع آثار التّديّن السّياسيّ الذي ينتشر أوّلاً في التّربية و التّعليم الابتدائيّ، و يستمر، حتّى اليوم، في الإعلام و المناهج الثّقافيّة و الأكاديميّة التي تُبيح "الانغلاق" و "العنف"، و تستبيح "الانفتاح" و "الحرّيّة" و "الدّيموقراطيّة المعرفيّة"؛
فالتّقدّم معرفة و ثقافة، قبل أن يكون مؤسّسة و تقنيّة و آلة..!