كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ثلاثون عامًا مضت على قدومي إلى جزيرة ريونيون.. حكاية عمر

د. جوليان بدور

في مثل هذا اليوم، السادس من سبتمبر عام 1996، حملت حقائبي، وغادرت فرنسا متوجهًا إلى جزيرة صغيرة، نائية وبعيدة، في قلب المحيط الهندي، تُدعى ريونيون (La Réunion).
لم أكن أدري يومها أن هذه الجزيرة البعيدة ستفتح باباً جديداً في حياتي، وأنها ستصبح، مع مرور السنوات، أكثر من مجرد محطة في رحلة العمر؛ ستصبح بيتاً، وذاكرة، ورفيقة درب.
قبل ريونيون، بدأت الحكاية في عام 1981، حين غادرت قريتي الصغيرة والوادعة والجميلة في سوريا، متوجهاً إلى فرنسا لمتابعة دراساتي العليا.
كانت السنوات الأولى قاسية وطويلة، اقتربت فيها من هاوية الجوع والتشرد، وشفت فيها، متل ما بيقولوا في بلدنا، «نجوم الضهر» مئة مرة. وفي النهاية، وفي عام 1992، حصلت على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد بامتياز.
كنت أعتقد بأن الحصول على شهادة الدكتوراه سيفتح لي الباب واسعاً لإيجاد عمل مناسب في الجامعة، وستدشن نهاية مرحلة شاقة ومضنية، وليست بداية لمرحلة أشد قسوة وضراوة.
على مدى أربع سنوات، من عام 1992 إلى عام 1996، أجريت مسابقات عديدة من أجل الحصول على عمل مناسب في الجامعة، وسافرت إلى أغلب المدن الفرنسية، لكن من دون جدوى. بعد أربع سنوات، تضاءل الأمل كثيراً، وشعرت بأن كل الأبواب أصبحت مغلقة أمامي. حينها بدأت أسأل نفسي: أي مستقبل ينتظرني؟ وإلى أين ستأخذني الحياة؟
لكن، وفي اللحظة التي ظننت فيها أن جميع الأبواب قد أصبحت موصدة، جاءت الحياة لتفتح لي باباً لم أكن أتوقعه.
نجحت في مسابقة تعييني باحثاً وأستاذاً جامعياً في جامعة جزيرة ريونيون الفرنسية.
فقررت السفر إلى هذه الجزيرة للعمل والاستقرار فيها عام 1996.
ريونيون جزيرة صغيرة نسبياً ومعزولة، مساحتها لا تتجاوز 2,500 كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي 900 ألف نسمة. تقع في قلب المحيط الهندي، قرب جزيرة موريشيوس الشهيرة.
كانت البداية صعبة.
البعد، والعزلة، وضعف الإمكانات المادية، وغياب وسائل التواصل التي نعرفها اليوم، جعلتني أشعر أنني ابتعدت فجأة عن كل شيء أحببته في حياتي: عن الأهل، والعائلة، والأصدقاء، والأقارب، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يشعر بأنه ينتمي إلى مكان ما. لكن الحياة كانت تخبئ لي شيئاً آخر.
رويداً رويداً، بدأت ريونيون تكشف لي وجهها الجميل.
استأجرت منزلاً، ثم التحقت بي العائلة، ومع حضورهم بدأ المكان يتغير في عيني. لم تعد الجزيرة أرضاً غريبة أعيش فيها مؤقتاً، بل بدأت أشعر بأنها محطة اختارتها لي الأقدار، وربما كانت تنتظرني منذ زمن.
هنا وجدت متعتي في عملي الأكاديمي، وفي التعليم والبحث العلمي. وهنا أصبحت مرجعاً أكاديمياً رئيسياً للإعلام المحلي في شؤون الطاقة وعالم النفط. كما أنني ساهمت في تعليم وتكوين الآلاف من الطلبة، لدرجة أنني أينما ذهبت في الجزيرة أجد من يبتسم لي ويقول: «مرحباً، بروفسور جوليان بدور».
وهنا أيضاً كوّنت أسرتي، ووُلد أغلى ما في الحياة، دريوس وجوهر، واشتريت قطعة أرض، وبنيت عليها بيتاً يمزج بين الطابعين الشرقي والغربي. بيتاً يشبه، إلى حد كبير، بيتي في قريتي في سورية. بهذه الطريقة كنت، من دون أن أشعر، أحاول أن أزرع جزءاً من الوطن في هذه الأرض البعيدة.
أحطت البيت بحديقة صغيرة، زرعت فيها كل ما يحمل إليّ رائحة الوطن وذكرياته: شجرة التوت، والدالية، والورد الجوري، والياسمين، وربّيت حيجات ، وخصصت قطعة لزراعة الخضروات فيها.
وهكذا، شيئاً فشيئاً، بدأت ريونيون تتحول من جزيرة غريبة إلى مكان يشبهني.
ومع السنوات، اكتشفت أن هذه الجزيرة الصغيرة تخبئ ثراءً لا تُقاس قيمته بمساحتها.
جبال شاهقة خضراء، وشلالات مياه، ووديان، وشواطئ جميلة، وبركان نشيط، وطبيعة آسرة تجعل العين لا تملّ من النظر إليها.
لكن أجمل ما وجدته هنا لم يكن الطبيعة وحدها.
كان سكان الجزيرة.
كان التنوع، والاحترام، والتسامح، والقدرة على العيش معاً رغم اختلاف الأصول والثقافات.
كانت ريونيون تعلّمني كل يوم أن المكان لا يصبح وطناً بسبب جغرافيته، وإنما بسبب ما نتركه فيه وما يتركه فينا من أثر.
وهكذا مرّت السنوات.
ثلاثون عاماً…
ثلاثون عاماً مرّت كأنها لحظة خاطفة من الزمن، لكنها كانت مليئة بالحكايات والذكريات، بالنجاحات والتحديات، بالفرح والتعب، وبأشخاص مرّوا في حياتي، وترك كل واحد منهم أثراً لا يُمحى.
واليوم، وأنا أقترب من موعد إحالتي إلى التقاعد، أقف أمام مرحلة جديدة من حياتي.
في نهاية هذا العام، سأطوي صفحة من حياتي امتدت لثلاثة عقود.
ثلاثة عقود لم تكن مجرد سنوات عمل، بل كانت جزءاً من عمري، ومن قصتي، ومن تكويني، ومن ذاكرتي.
وسأفتح بعدها صفحة جديدة، أتمنى أن تكون غنية وجميلة، حافلة بالأحداث والإنجازات واللقاءات، مثل الصفحة التي عشتها هنا في جزيرة ريونيون.
لكنني متيقن من شيء واحد:
ريونيون لن تكون يوماً مجرد جزيرة بعيدة في المحيط الهندي.
لقد أصبحت جزءاً مني.
أصبحت في ذاكرتي، وفي بيتي، وفي أسرتي، وفي تفاصيل أيامي، وفي كل زاوية من زوايا السنوات التي عشتها هنا.
لقد جئت إليها ذات يوم غريباً عنها، حاملاً معي ذكريات وطن بعيد.
واليوم، بعد ثلاثين عاماً، أجد أنها أصبحت جزءاً من حياتي ومن قلبي.
فشكرًا لكِ يا ريونيون…
شكرًا لجبالك الخضراء، وبحرك، وسمائك، وشمسك، وناسِك، ولتلك الأيام التي احتضنتني فيها بعيدًا عن وطني.
شكرًا لسكانك الطيبين، الودودين، والمتسامحين، والمتعايشين رغم اختلاف أصولهم وثقافاتهم.
شكرًا لأنكِ لم تكوني مجرد محطة في الطريق…
بل كنتِ، بطريقة لم أكن أتوقعها، جزءًا جميلًا من رحلة حياتي.
ثلاثون عامًا مضت…
وما زلت أشعر أن الحكاية لم تنتهِ بعد.
فلكل نهاية بداية جديدة، ولكل مرحلة من العمر باب آخر تفتحه الحياة.
إلى ريونيون، وإلى أهلها، وإلى كل من شاركني شيئًا من هذه الرحلة:
شكرًا من القلب.