زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
2026.06.29
د. كمال خلف الطويل
ضابط مغفّل خسرته العسكرية ولم تربحه السياسة.. تخرج في أول دورة ضباط بعد الجلاء، ونال دورة أركان في القاهرة إبان الوحدة، وعُرف كضابط مجتهد؛ من قائد لواء، لقائد قطاع في جبهة الجولان، لرئيس أركانها (مطلع 63، برتبة عميد).
سمتُه ضابط مستقل مال إلى "التقدمية" - مع تأثّر أكرمي، سيما وبينهما صلة نسب -، ومنه احتسابه على عبد الكريم زهر الدين خلال صراعه مع اليمين السوري، بقيادة خالد العظم (رغم خطبته يومها لفتاة من آل العظم)، في عهد الانفصال؛ فكان - وهو رئيس أركان الجبهة - من أهم القوى التي اتّكل عليها زهر الدين لوأد محاولة عبد الكريم النحلاوي الانقلابية، في ١٣ يناير ٦٣، (اضافة لغسان حداد قائد الهجانة، وفهد الشاعر قائد اللواء ١٨، ونور الدين كنج قائد اللواء ٧٢).
تحلّقت حوله دزينة من الضباط، معظمها من مدينته حماة، معتبرينه شيخ شبابهم.. ولمّا حدث انقلاب البعث في العراق، في ٨ شباط ٦٣، بات واضحاً أن زوال عهد الانفصال على الأبواب، وأن السباق بين البعثيين والوحدويين على من وصل أولاً قد بدأ.. وجَد ولجنة البعث العسكرية، كلٌ في الآخر، ضالّة، فكتلته صغيرة ولكن نوعية لتموضعها في الجبهة وفي ادارات حساسة (محمود الحاج محمود في المخابرات العسكرية)، ومَن منها - اللجنة - في الخدمة عدد محدود كذلك، ولكن حركيّ وفعال.
راوده ممثّل "اللجنة" في الجبهة، سليمان حداد، فقبل التعاون بعد لأي وتردّد، وفي بال كلّ من الطرفين أنه ما إن قضى وطره بالآخر حتى ألقاه على قارعة الطريق.. سرعان ما نما، في غضون شهر من. شباط، في مخيّلة الحريري نموذج الشيشكلي، وظنّ أنه بالفهلوة قادر على لجم اندفاعة الشارع الوحدوي الغالب ببعض تملّق لعبد الناصر رفع يافطة الوحدة وهو يعني تأبيد الانفصال.
في 20 شباط 63، حاول زهر الدين الالتفاف على الحدث العراقي بلعب موازنة بغداد بالقاهرة؛ فأتى بالعميد راشد القطيني - من ملحقية عمان العسكرية - مديراً للمخابرات العسكرية، وبالعميد ممدوح الحبال رئيساً لهيئة التنظيم والادارة، وبالعميد محمد الصوفي قائداً للواء المدرع الخامس بحمص، وبالعميد خليل الموصللي مديراً لإدارة شؤون الضباط.. وكلهم وحدويون.
بدا للحريري و"اللجنة" أن لا بدّ من التعاون مع الضباط الوحدويين؛ فهم كثرة غالبة في سلك الضباط، ثم أن تبوّء أولئك القادة مناصب حساسة مؤخراً دعا لتقارب لا لنأي؛ وبرغم مرارة تعاون سابق قبلها بأقل من عام, في حمص وحلب.
فوتح القطيني بالأمر, فلم يلقَ قبولاً عنده في البداية، سيما وقد فاحت رائحة نشاط الحريري، ما دعا زهر الدين، في 1 آذار، الى نقله ملحقاً عسكرياً في بغداد، ونقل نظيره وخصمه مطيع السمان ملحقاً عسكرياً في نيودلهي.. وكذلك بسبب نيّته - القطيني - القيام بانقلاب وحدوي صرف، وإنْ دون تعجّل.
ما بين 1 و 8 آذار كانت دمشق وبيروت تضجّان بأخبار انقلاب وشيك انتوى الحريري القيام به.. حفل ذاك الأسبوع بتربيطه تفاهماً مع القطيني، وب"تطبيقه" ضابطين انفصاليين رفيعين: محمود عودة قائد اللواء المدرع 70 بالكسوة، وعثمان صالح آغا قائد الشرطة العسكرية، كي يغضّا البصر عن تحرّك قواته من الجبهة، قاصدةً دمشق، لقاء تنعّمهما بمناصب مجزية في الخارج.. وكلّه بالإضافة إلى وجود عدد وافر من الضباط الوحدويين في لواء القنيطرة للمشاة وفي اللواء ٧٢ بقطنا، مما حيّد كلّاً من عبد الكريم العابد ونور الدين كنج عن إنجاد زهر الدين.
تراضى الفرقاء الثلاثة على لؤي الأتاسي - السجين وقتها - رئيساً لمجلس الثورة، وعلى الحريري رئيساً للأركان، فيما كانت حصة الوحدويين مناصب رفيعة ولكن غير فاعلة؛ وجزئياً لعدم تنظيمهم ولغفلتهم [نائب القائد العام ووزير الدفاع وقائد سلاح الجو وقيادات مناطق].. كان المشعر الأول لضعف فاعليتهم فشلهم في اعادة ضباط وحدويين مسرحين [أمثلة جاسم علوان وحكمت داية وكاظم زيتونة وغيرهم] إلى الخدمة، أسوةً بكل البعثيين الذين أعيدوا في اليوم الأول، وأضيف اليهم ضباط الاحتياط البعثيين فغدَوا عاملين.
ذهب الحريري إلى القاهرة في الجولتين الأولى والثالثة لمباحثات الوحدة الثلاثية فكان حديثه مقتضباً وسطحياً، وكأن الصورة كانت كل ما ابتغى.. كان فاعلاً في مسألة تسريح الضباط الوحدويين، بدءاً من ٢٠ نيسان؛ أي بعد ٣ أيام من توقيع ميثاق الوحدة الثلاثية.. ظنّ أن خلاصه منهم قد فتح الطريق له للتخلّص من البعثيين بعدهم؛ فما هم سوى قرابة مائة فيما كان الوحدويون مئات، دون أن يحتسب تماسك تنظيمهم ووضوح أجندتهم بالانفراد.
حاول محمد عمران تبعيثه، لكن مانجح فيه مع فهد الشاعر لم يتبعه نجاح مع الحريري.. وبإصراره على نبذ التبعيث عزمت اللجنة العسكرية على الخلاص منه، فتحيّنت فرصة اشتراكه في وفد سوري كبير لتهنئة الجزائر بعيد استقلالها الأول، صاحبه فيه صلاح جديد، مدير شؤون الضباط، لتقوم بتسريح أعوانه الضباط، وسيما الذين كدّسهم في اللواء المدرع ٧٠ [قائده حسن الجلاغي ورئيس أركانه جميل الجندي وقادة الكتائب الثلاثة]، وتعيينه ملحقاً عسكرياً في فرنسا.
رفض الحريري التسليم بهزيمته فقفل راجعاً إلى دمشق، محاولاً استنهاض باقي مجموعته - أقل من ١٥ ضابط - فلم يفلح سبيلاً، ما اضطرّه إلى الخروج سفيراً متجولاً في ٨ تموز.
من يومها ضاع شادي.. تنقّل في أوربا وعاش ردحاً في بيروت وحاول مغازلة بغداد.. سعى للعب دور، بأمل امتطاء قاطرة ما؛ أمِلَها عراقية، فلمّا عرف قدْره عندهم غادرته الأوهام، فقضّى سنواته العشر الأخيرة في مسقط رأسه حماة.
الحريري هذا مثال على نكرة ظنّت أن طاقة حظّها قد فُتحت لها في 8 آذار، فانسدّت، لهبله، في 8 تموز.