الشيخ علي عباس المدرسة المتنقلة وأمين سر الثورة.. أمة في فرد
2026.05.16
سيمون خالد علي
(بحوزه 1876 - ضهر حمين 1968)
وُلد الشيخ علي بن عباس بن سليمان بن خليل نحو عام 1876م / 1294هـ في قرية بحوزه بريف صافيتا، إحدى القرى الجبلية في منطقة طرطوس. نقلاً عن كتاب الدرر البهية في الأنساب العلوية يمتد نسبه إلى الشيخ إبراهيم القاضي في بقعو، ثم إلى الشيخ علي الخياط المتوفى سنة 875هـ، فالشيخ عبد الله البسطويري، ثم الأمير عيسى البانواسي الملقب بالناسخ البغدادي.
نشأ في بيئة ريفية تحترم العلم الديني، بقي في بحوزه حتى ناهز العشرين، تعلّم فيها القراءة والكتابة وحفظ القرآن، وعمل في الزراعة كأبناء قريته. ثم انطلق في رحلة طلب علم طويلة تنقّل خلالها نحو أربع سنوات بين مجالس الرجال المعروفين بالعلم في القرى المجاورة (المقرمدة عند آل حرفوش ونبع حسان) ومن هذه السياحة العلمية اكتسب لقبه الأول، السايح، الذي لازمه طوال حياته.
كان يرمي نحو هدف أوسع، رفع سوية الوعي وكسر الحصار الذي يحيط بالقرى الجبلية ،حصار الجهل أمام الإدارة، والوثيقة، والضريبة، والمحكمة.
كانت محطته التعليمية الأولى في قرية حمين، افتتح مدرسة أو حلقة منظمة. لم تمتد هذه التجربة طويلاً، لكنها كانت المختبر الضروري، كشفت له أن المدرسة تحتاج إلى حاضنة اجتماعية، وتمويل مستدام، وموقع يستقطب طلاباً من محيط أوسع. فهم الدرس وانتقل.
في عام 1918، في اللحظة ذاتها التي دخل فيها الفرنسيون الساحل السوري، بادرت مجموعة من المشايخ العلويين في أقضية جبلة وبانياس بإحداث مدرسة دينية-علمية في العنازة، بتمويل من الحقوق الشرعية، واختاروا لإدارتها الأستاذ الشيخ علي عباس ، مما منحه سلطة أوسع وشرعية اجتماعية أرسخ.
العنازة قرية في ريف بانياس، تتوسط منطقة جبلية تضم قرى متعددة تفتقر إلى التعليم المنظم،موقعها الجغرافي يجعلها قابلة للوصول من قرى متعددة في المنطقة الممتدة بين بانياس وجبلة.
بدأت المدرسة بغرف طينية بسيطة ، التمويل جاء من الحقوق الشرعية، الموارد الدينية التي تجمعها المجتمعات العلوية من نذور وأعياد وإسهامات، تم تخصيص نصفها للمدرسة. كنموذج الوقف الأهلي التعليمي، تحويل العمل الخيري الموسمي إلى مؤسسة منتجة للمعرفة.
جمعت مدرسة العنازة بين:
اللغة العربية وقواعدها وآدابها عماد الهوية وأداة فهم الدين وصياغة الموقف.
العلوم الدينية من قرآن وفقه وفق المذهب الجعفري.
التركية لغة الإدارة العثمانية تسليحاً للطالب أمام الدولة.
الحساب والجغرافيا وبعض المعارف العملية التي تربط الطالب بعالم الإدارة والتجارة والأرض.
عدد طلاب المدرسة بلغ نحو مئة وعشرين طالباً، فقد استقطبت طلاباً من قرى المنطقة المحيطة.
أول تلاميذه كان الشيخ حسين الخير (أخو الشيخ عبد الرحمن الخير) الذي بدأ الدراسة عنده سنة 1333هـ / 1914-1915م تقريباً، حتى قبل تأسيس المدرسة الرسمي عام 1918.
الشيخ عبد الرحمن الخير (المولود عام 1904م في القرداحة) درس فيها. حين أُغلقت مدرسة الرشادية بسبب الوباء الذي ضرب المنطقة إبان الحرب العالمية الأولى، انتقل من القرداحة إلى مدرسة العنازة في قضاء بانياس، وحصل منها على شهادة أهلية التعليم - القسم الثاني عام 1931م. أتقن بعدها العربية والتركية والفرنسية، وأصبح من أبرز رجال الإرشاد الديني في الساحل السوري، وأسّس الجمعية الإسلامية الجعفرية في اللاذقية عام 1952م، وخلّف مؤلفات عديدة أبرزها مخطوطه "من الطلائع" الذي ترجم فيه لمئة شخصية من علماء وأدباء الساحل في القرنين التاسع عشر والعشرين.
من أسماء تلامذة المدرسة أيضاً: الشيخ محمد ياسين القرقفتي، والشاعر نديم محمد الذي يُذكر من أبرز خريجيها.
كانت في وظيفتها مصنعاً للوعي الأهلي.
حين نشبت ثورة الشيخ صالح العلي ضد الاحتلال الفرنسي، أغلق علي عباس المدرسة وجمع الطلاب والجماهير وخطب فيهم بوجوب الجهاد، ثم كسر قلمه بيده قائلاً بأن وقت جهاد العلم انتهى وحان وقت جهاد السلاح، داعياً من أراد الجهاد إلى الالتحاق بثورة الشيخ صالح العلي.
ثورة الشيخ صالح العلي اندلعت في الساحل عام 1918 وامتدت نحو أربع سنوات حتى تموز 1922، وكانت أهم حركات المقاومة المبكرة ضد الاحتلال الفرنسي. خاضت معارك في سلمى وترتياح والشيخ بدر ووادي الورور، رفض الشيخ صالح العلي عروض فرنسا بإقامة دولة علوية مستقلة، مستمراً في الثورة حتى قصف الفرنسيون البرلمان السوري.
في هذه الثورة تولّى الشيخ علي عباس موقعاً تنظيمياً متقدماً. كان "أمين سر الثورة في جبال العلويين"، وكان ناطقٌ باسم الشيخ صالح العلي في بعض اللقاءات مع ثوار حلب وحمص. و تولى مسؤولية المراسلات والتنسيق مع قيادات وطنية سورية، في مقدمتها الملك فيصل في دمشق وإبراهيم هنانو في الشمال.
صدر بحقه حكم بالإعدام من السلطات الفرنسية، وهوجمت قريته بحوزه بسبب انتسابه إليها، وأُحرق بيت العائلة، وقُتلت المواشي، وأُتلفت المؤن، وتشردت الأسرة متنقلة بين البيوت والقرى. لجأ إلى أصدقائه في قرية الدرباشية بمنطقة الحفة، وبحث عنه الفرنسيون هناك إثر وشاية، لكن أهل القرية أخفوه وحموه ثم أُصيب في إحدى تنقلاته،إصابة في الكتف تركت ندبة دائمة.
بعد انتهاء مرحلة الثورة والملاحقة، لم يتوقف الشيخ علي عباس عن التعليم. فقد كان مدرسة متنقلة أين حلّ كان يدرّس ويعلّم. أحد تلامذته كان آخر طالب له سنة 1383هـ / 1963-1964م، الشيخ ظل نحو خمسين عاماً يعطي المحاضرات الدينية.
كان صاحب مشروع فكري. نشر كتابه القلائد في العقائد في الخمسينات، وكتب مقدمته الأستاذ المربي محمد نديم الوفائي. يكشف الكتاب عن نزعة فلسفية لافتة، يربط الشيخ بين معرفة النفس ومعرفة الله، ويستشهد بسقراط في تقريب العلاقة بين النفس والجسم وعلاقة الله بالكون، ويؤكد تلازم الاعتقاد بالقوة الأزلية المجردة مع الاعتقاد بالجوهر المجرد في الإنسان. رجلٌ يجمع بين إدارة مدرسة ريفية، وقيادة ثورية، وتأليف فلسفي هذا ما يجعل وصفه بأنه "أمة في فرد" في محله.
انتقل في سنواته الأخيرة إلى ضهر حمين / المحشلة في منطقة الدريكيش، حيث بنى مسجداً. وبعد وفاته بنى الأهالي والمريدون إلى جانب المسجد قبة ومبرة.
دُفن فيها عام 1968م / 1389هـ. وأوصى الشيخ محمود الصالح عمران صاحب شهادة الرثاء الجامعة التي وصفت الشيخ علي عباس بأنه "رجل عصره وعين زمانه، متوقد الذهن، حاضر البديهة، قوي الحجة، بليغ الموعظة، لا يرى إلا مع كتاب يقرؤه، أو صحيفة يكتبها، أو فريضة يؤديها، أو واجب يقوم به بالصلاة عليه. وتبقى قبته مقصداً للزوار حتى اليوم.
ترك الشيخ علي عباس أربعة أبناء حملوا أثره في اتجاهات متعددة، مما يجعل بيته بيت علم وقضاء وثقافة وجيش في آنٍ واحد:
القاضي محسن عباس (1912/1913 — 1982)
ولد في محافظة اللاذقية، وينتسب إلى عائلة عريقة يسكن قسم من أبنائها في منطقة صافيتا. كان رئيساً لمحكمة استئناف حمص من 1953 حتى 1959م، وعين مستشاراً في محكمة النقض بالقاهرة عام 1959 إبان عهد الوحدة، ثم مستشاراً في محكمة التمييز عام 1960، ثم نائباً لرئيس المحكمة ثم رئيساً، وأُحيل على التقاعد عام 1973م.
طفولته ارتبطت بمحنة والده؛ إذ رافق الشيخ علي عباس إلى الدرباشية في منطقة الحفة عام 1919، في أحلك فترات الملاحقة الفرنسية. تخرّج من معهد اللاييك ببيروت عام 1931، ثم من كلية الحقوق بدمشق عام 1934 مسجلاً في الوقت ذاته في قسم اللغة العربية. هذا الجمع بين القانون الحديث والثقافة العربية يعكس جوهر تكوين والده.
مارس الترجمة عن الفرنسية، وترجم لوزارة الثقافة كتاباً عن الإسلام للكاتب الفرنسي مكسيم رودنسون، غير أن الوزارة تراجعت عن نشره. وفي الثلاثينات كان عضواً في تجمع الشباب العلوي الرافض لفصل الساحل عن سوريا امتداداً طبيعياً لفكر والده الوحدوي. وفي أواخر 1963 طلب مقابلة اللواء محمد عمران وأبلغه صراحةً بأن الجيش يجب أن يعود إلى الثكنات وأن تُجرى انتخابات حرة، محذراً من مآلات عسكرة السياسة. في نهاية 1965 عُرض عليه منصب وزير العدل في حكومة صلاح البيطار فاعتذر. توفي عام 1982 وقد قيل فيه: إنه الرجل الذي مات وهو يقرأ.
اللواء حسن عباس
مؤسس مجلة الشرطة، وصاحب كتاب القمح المبرعم.
العميد الطيار محمد عباس
خدم في مصر واليمن إبان وحدة 1958-1961.
القاضي حسين عباس
شرح القرآن في خمسة مجلدات ومؤلفات في الفقه الإسلامي.
محمد سليمان الأحمد بدوي الجبل (1903-1981)، ابن قرية ديفة في محافظة اللاذقية وأحد أعلام الشعر العربي في القرن العشرين، كان معاصراً لمشروع الشيخ علي عباس ومتصلاً بعالم ثورة الشيخ صالح العلي. قال أبياتاً في الثناء على النهضة التعليمية لهذا الجيل، منها:
قمتَ فينا بنهضةٍ ذاتِ شأنٍ
هي بدءٌ لهذه النهضاتِ
هذه الأبيات تمنح المدرسة شهادةً واعترافاً من شاعر ومثقف بأن الغرف الطينية في العنازة كانت بداية حدث ثقافي واجتماعي حقيقي.
بدأت قصته في بحوزه، واختبرت نفسها في حمين، ونضجت في العنازة، وواجهت الاحتلال في الجبال، ونشرت الوعي في مئات البيوت، وانتهت في ضهر حمين تحت قبة بناها أهل المحبة. لكنها لم تنتهِ في الحقيقة لأن من تعلّم منها حمل شيئاً من روح الشيخ الذي توفي وهو يعلّم، كما توفي ابنه وهو يقرأ.
المراجع
عبد الرحمن الخير، العلويون: عقائد وتاريخ.
موسى مخول، العلويون من الوجود إلى الوجود، الجزء الثاني.
إميل عباس آل معروف، تاريخ العلويين في بلاد الشام، الجزء الأول، 2013.
Stefan Winter, A History of the Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic.
سجلات ولاية بيروت العثمانية مدرسة العنازة سنة 1891.
مصادر ثورة الشيخ صالح العلي المتعلقة بأسماء المشاركين والوجهاء الذين لبوا دعوة الثورة.
مصادر عن الملك فيصل وإبراهيم هنانو عند بحث مراسلات الشيخ علي عباس.
مصادر عن بدوي الجبل، محمد سليمان الأحمد.
مراجع التعليم الأهلي في الساحل السوري أواخر العهد العثماني وبداية الانتداب الفرنسي.
مراجع مقارنة عن جامع الحاج معلا ومدرسة بيت الشيخ يونس وزاوية الشيخ عمران الزاوي.
اسم بحوزه ذو أصل آرامي/سرياني، ويرتبط بالجذر ܚܙܐ، أي الرؤية والنظر والإدراك. بمعنى “موضع الناظرين” أو “بيت أصحاب البصيرة”، “بيت الناظرين أو العارفين”.