كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عبدالله بك الخاني وسوريا

اسماعيل مروة

ذات صباح في الشهر العاشر ٢٠١٦حضر الأستاذ وضاح عبد ربه رئيس التحرير مبكرا على غير عادته، وأنا أكون مبكرا لأنجز أعمالي، نادى باسمي وسألني: من أين تعرف عبدالله الخاني؟
عدت إلى مكتبي وبدأت أستنجد بذاكرتي لعلها تسعفني، وعدت لأقول للأستاذ: أتذكر الاسم قد نشر كتاب (جهاد شكري القوتلي) الذي صدر في بيروت _ دار النفائس، وكتبت عنه دراسة لائقة ونشرتها في الصحيفة وأذكر أن رسالة شكر وصلتني من عبدالله الخاني عن طريق الناشر لأنه لايعرفني، وتسلمتها من الأستاذ عادل عساف صاحب دار البشائر، هز رأسه وقال لي: الساعة ١١ موعدنا معه في بيته، هل تعرفه؟ وحين علم أنني لا أعرفه، اتصل لينتظرنا أحدهم، وعرفت فيما بعد أنه السيد سمير الذي يعمل مع الأستاذ الخاني منذ عقود.
كان الخاني بانتظارنا على الباب، بلباسه الرسمي، وفي مكتبه جلس خلف المكتب، ولبس قفازات قماشية، كتب لنا إهداءات على كتبه بالحبر واستخدم ورق النشاف وسط إعجابنا بما يقوم به من بروتوكول في حياته.
جلس معنا وتحدثنا، ولم يتحفظ في سؤال أو كلمة، وعرفت أنه اختارني لمحاورته بسبب دراستي في كتاب شكري القوتلي، فأراد أن يقدم لي مكافأة لأنني درست كتابا منع طبعه في دمشق، ووصلني عن طريق دار النشر التي تربطني بها علاقة احترام..
مهد الأستاذ وضاح الأجواء، ورسم معالم الحديث، وأخذت موعدا لاحقا مع الأستاذ الخاني وغادرنا..
وضعني الأستاذ وضاح في أجواء الحوار المطلوب، وضرورة الإنجاز بسرعة وإتقان..
استمر اللقاء أكثر من ست جلسات، وكانت السيدة المحررة في الثقافة سوسن صيداوي بصحبتي، لأنها تولت عملية تفريغ الحديث عني لشيخوختي وكلال البصر.
من الجلسة الأولى عرفت قيمة أن أحاور هذا المنجم التاريخي، وأن يخصني بفضله.
هو رجل حقوقي سوري درس في الجامعة الامريكية، عالم بالحقوق، وعارف للغات، أوصاه والده: لاتعمل موظفا!
وحين اختاره الرئيس شكري القوتلي رئيس الجمهورية في مكتبه اعتذر لأنه لايخالف وصية والده، فاستطاع القوتلي بمحبته أن يقنعه بأنها ليست وظيفة..
واستمر الحوار وتشعب، وكان الغنى الذي لم يخطر ببالي.
فهو الذي بقي مستلما مكتب الرئاسة باختلاف التسميات، ومع الرؤساء كلهم حتى وصل الرئيس حافظ الأسد، وكان قد أحدث وزارة السياحة وأسندها لإحدى الشخصيات، لكن المكلف لم يباشر بسبب مرض وتوفي خلال أيام بمرض عضال، فأسندت الوزارة لعبدالله الخاني، وبذلك خرج من مكتب الرئاسة! ليكون أول وزير سياحة فعلي في سوريا.
أسس الخاني خطوات السياحة الأولى من خلال الشيراتون والميريديان والشام، وحين أراد تنفيذ رؤيته السياحية اصطدم بأعضاء القيادة الذين طمعوا بالأرض المخصصة في كيوان كما شرح لي، عزم على الاستقالة، لكن، حسب قول الخاني المنشور، طلب منه رئيس الوزراء محمود الأيوبي أن يتريث لأن الحكومة ستتغير خلال أيام، وسيتم إعفاؤهما معا وكان ذلك..
تحول الخاني إلى الخارجية وعمل في سفارات عديدة، وحين أقول له سعادة السفير يعترض، أنا دبلوماسي ولم أكن سفيرا لأنني لست بعثيا، وتنقل في عواصم واماكن كثيرة، وحين استقر به المقام في دمشق لم يكن لديه سكنه الخاص، وتأخر حصوله على بيت طويلا وبقي يستأجر، حتى نهاية عمله لم يملك غرفة!!
كان دبلوماسيا ووزيرا، وألقى خطابا في الأمم المتحدة باسم سورية، وحمل رسائل خطيرة في الأزمات، وعاد ليسكن وأسرته في مكان بالأجرة..
رافق القوتلي، وزوجه السيدة أمل رحمها الله ابنة أخت الرئيس ناظم القدسي، وحضر زفافه في الحديقة بحلب ثلاثة رؤساء: شكري القوتلي وهاشم الأتاسي وناظم القدسي، وبقلمه الستيلو وقعت الوحدة، وبقي محتفظا بالقلم حتى قدمه لمركز المعلومات القومي، ويعيش بلا سكن يملكه! وحين ورثت زوجه الراحلة لم يسمح أن تشتري سكنا لأن هذا ليس من مهماتها! وساعدها لإنجاز واحد من أهم المشروعات الخيرية في سوريا، (صندوق الرجاء الخيري) الذي أعطته ماتملك وجهدها، وجعلته مؤسسة.
ويتولى الخاني منصب القضاء في محكمة العدل الدولية، ويشارك في حل النزاعات والصراعات من الصحراء الغربية إلى رواندا وأميركا الجنوبية، وأهم محطاته في البوسنة والهرسك وسراييفو تحت الأخطار..وبعدها عمل في التحكيم الرياضي وغيره، وقال لي: من عمل الأمم المتحدة اشتريت هذا البيت الذي كنت أستأجره، وأصحابه تعاملوا بحب وأخوة، وكان دائم الرضا على السيدتين ابنتيه، وقد التقيت إحداهما في زياراتي..
نشر الحديث وكان الأستاذ عبدالله يتابع معي ويلتقي بي ليجيب عن أي استفسار من القراء، وأذكر شخصية علمية اعترضت على قول الخاني: القوتلي لم يوقع على أي إعدام لأنه يعمل بوصية أمه ولايقبل أن ينهي حياة إنسان، وذكر حالة مشهورة في عهد القوتلي، فقدم الأستاذ عبدالله الوثائق بأن القوتلي لم يوقع الإعدام، وإنما رئيس الوزراء في حينه..
الحديث نشر والتعقيبات نشرها الأستاذ بلا تحفظ في (الوطن).
بقي أن أذكر خصالا من الأستاذ عبد الله بك الخاني.
* بعد الحديث حرص على استدعائي وتكريمي بقهوته وعاملني معاملة الابن، وطلب ألا أتحرج في طلبه وزيارته بموعد.
* كان دقيقا في مواعيده للغاية، ومرة تأخرت خمس دقائق، ففتح الباب واعتذر عن استقبالي، وأعطاني موعدا آخر وهو يردد تعلموا الدقة.
* كان يدعو الله أن يختم حياته مصليا ويقول لي: لاتقل الله يطول عمرك.
*كان وفيا لأصدقائه الذين عاش معهم وحريصا على تكريمهم، وقد أسهم بتكريم الشاعر عمر النص، وكتب كلمة في الكتاب التكريمي الذي صنعته عنه، ومنعته صحته من الحضور، وكان يذكر بالخير السيد المهندس مرتضى الذي ساعده في استئجار البيت قبل خروجه منه بالاتفاق مع أصحابه.
* لايقبل إلا أن يرد الشيء بمثله، وعندما كرمته وزارة السياحة أول وزير لها، كلفني باستلام التكريم، وزار الوزارة وقدم للوزير مصحفا شريفا وبوجودي.
*كان متعلقا ببيته وأسرته وحين وقعت السيدة أمل أثناء الوضوء وفارقت الحياة بعد أيام شعر الخاني بأن أيامه اقتربت وحزن حزنا شديدا.
* جواد للغاية، فقد جاءته هدايا لطيفة، لفحة، كنزة، شوكولا فاخرة، كان يتصل ويقول: ليس لدي الوقت لاستهلاكها جربه أنت.
* الذاكرة الوقادة، ففي اليوم الأول عرف أنني أشرب القهوة السادة بالكأس الكبيرة، ولم يسألني بعدها عما أحب، كانت تأتي بلا طلب.
لا أريد ولا أستطيع اختصار فرحي بأنني كنت مقربا للأستاذ الخاني الذي أعطاني قرنا من تاريخ سوريا، وعاملني معاملة الابن، ولا أستطيع نفي شعوري باليتم بعد رحيله كلما مررت أمام بيته.
قال لي: درت العالم لكنني لم أجد مثل دمشق.. وهاهو عاد إلى دمشق، وعاش بحسرة ما يجري على أرضها، ويغادر بعد أن استودعها الله، واستودعني ذاكرته الغنية وثقته..
أذكره اليوم لأتعطر بذكره في يوم مبارك، وأهديه ما يحب من قراءة لآيات الله، أستذكره وما نشر موجود ومتاح، حتى لا يحاول كثيرون ادعاء ما لم يكن..
ملاحظة: حديثه لـ(الوطن) هو الحديث الوحيد إضافة لمذكراته، فمن شاء أن يذكر ذلك فليفعل، ومن لم يشأ فذلك شأنه، فشكرا لـ(الوطن) وللأستاذ وضاح عبد ربه الذي دفعه حبه للخاني أن يطبع الكتاب ويوزعه مجانا لروح الرجل السوري الشامي المتصوف بحب الوطن، وصورة جده شيخ الأسرة ووالده في مكتبه لم تفارقه.
رحمك الله أيها السوري النبيل النقي العالم والأب.
(الصور للمصور طارق السعدوني في صحيفة الوطن) 
المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها