كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الذهب العتيق.. مهيار الملوحي وعماد قصار

محمد صباح الحواصلي

مهيار ملوحي
مهیار ملوحي هو أقدم صديق وطئتُ معه عتبة الحياة. وكما تبدأ كتب تاريخ الأدب العربي بامرئ القيس، يبدأ كتاب أصدقائي، «الذهب العتيق»، بمهیار ملوحي. أغلب ظني أننا تقاسمنا اللعب قبل أن نبلغ سن الوعي، وحين دخلنا معاً سنّ التذكّر، في الرابعة أو عند تخوم الخامسة، وجدتني إلى جواره في مدينة حماة، في ذلك البناء الأبيض الملاصق لبيتنا في حي الجعابرة؛ ذلك البناء الذي نال نصيبه من الذكر في سيرتي الذاتية «بيد أن العمر يمضي».
أما «مي مي» فكان اسمه المتداول بيننا في الطفولة، وقد طغى هذا الاسم حتى كاد يمحو اسمه الحقيقي من ذاكرتي. وكان اسماً يليق بطفولته الملساء، وبنعومته الشفيفة، وببنطاله القصير الذي بدا، هو الآخر، امتداداً لتلك الطفولة.
صحيح أن صداقتي بمهیار كانت الأقدم، لكنها لم تكن الأطول عمراً، ولم تترك في نفسي الأثر العميق الذي تركته صداقات أخرى لاحقة: جودت صلاحي، وهشام حواصلي، وعبد الرزاق حداد، ووليد رمضان، ومحمد بني مرجة الحواصلي، وسميح ياسمينة، ومفيد بريدي، وحسان سفور. تلك الصداقات التي حلّق خيالها الطفولي عاليًا، من غير أن يغفل لحظة الهبوط إلى الأرض، أو الوقوف على غصن شجرة، أو السير بحذر فوق سلك كهربائي.
وحين عادت أسرتي من حماة إلى دمشق، بعد انتهاء عمل والدي في المشفى الوطني سنة 1956، فرحت فرحتين لا واحدة: فرحة انتقال أسرة مهیار إلى دمشق للإقامة فيها، وفرحة قرب منزله من منزلنا، في جادة الأصبهاني، مقابل مدرسة الوليد بن عبد الملك. ومنذ ذلك الحين غدت جادة الأصبهاني بقعة مأهولة بالحنين، أتردد إليها مراراً؛ ففيها مدرستي، ومنزل رفيقي مهیار، ورفيقي محمد جلال الدين، وبقالية «أبو عدنان» التي كنا نعثر فيها على حاجتنا من القرطاسية، وعلى ما يبهجنا من حلويات.
*
كانت طفولتي مع «مي مي» في دمشق مشبعة بأحلام يقظة سندبادية. سبرنا معاً ما توهّمناه أغواراً بعيدة، وخضنا مغامرات حسبناها جساماً (كانت أبعدها رحلتنا الطويلة (!) إلى حديقة المزرعة، على مسافة ميل من منزلينا، عبرنا خلالها أكثر من شارع!)، وبحثنا عن الفانوس السحري في حوانيت المدينة القديمة، في العقيبة والعمارة والسمانة وساروجة. وصاحبنا في خيالنا علي بابا والسندباد، ووقفنا طويلًا عند بسطات المجلات المستعملة في حي البحصة، نفتش عن أعداد مجلات «سندباد» و«سمير».
لم نكن نرتاد الأمكنة وحدنا؛ كان خيالنا يسبقنا دائماً يقرأ الطريق على هواه، ويمنحه اتساعاً لا تحدّه الخرائط. كنا، بحق، منفصلين عن واقعنا المباشر، نعيش حاضراً محلّقاً بالتصوّرات. وكلما صادفنا شقيقه الأكبر سامر، أعادنا ساخراً، من علٍ إلى أرض الواقع.
كنت و«مي مي» متشابهين إلى حدّ التطابق: في العمر، والطول، والنحول، وسعة الأفق الطفولي. ولعلّ الفارق الوحيد بيننا أن «مي مي» كان أكثر اندفاعًاً في الشطح، يحلّق أعلى مما أجرؤ عليه، وأنه ارتدى البنطال القصير، فيما قاومتُ أنا تلك الموضة مقاومة عنيدة لا هوادة فيها. (غير أنني استسلمت في النهاية، وارتديته حين شاعت بين الصبيان).
وكنا معًا من «عصابة الرسامين» في مدرسة الوليد بن عبد الملك: عاصم الباشا، ومأمون الحمصي، وفائد المفتي، وهيثم الزيات، ومهیار الملوحي، وأنا.
ولم تدم تلك الصداقة، كما لا تدوم الأشياء الأولى طويلًا. افترقنا قبل أن نعي تماماً معنى الافتراق، ومضى كلٌّ منا في طريقه، حاملاً من الآخر أثرأً خفيفاً لا يُرى، لكنه لا يزول. بقي «مي مي» في ذاكرتي لا بوصفه صديقاً فحسب، بل بوصفه صورة من طفولتي نفسها؛ ظلّاً صغيراً يرافقني كلما عدت إلى تلك السنوات، وإلى ذلك البنطال القصير، وإلى المدن التي كانت تبدو لنا أوسع مما هي عليه.
وحين أستعيده اليوم، بعد كل هذا العمر، لا أبحث عن تفاصيله ولا عن أخباره، بل عن ذلك الصبي الذي كنته وأنا أمشي إلى جواره، وأحلّق معه ثم أهبط، بلا خوف، إلى أرض الواقع. كان «مي مي» أحد مفاتيح تلك البراءة الأولى، وحين أُغلق باب الطفولة، بقي المفتاح في جيب الذاكرة، صدئاً بعض الشيء، لكنه ما زال يفتح.
الصورة أعلاه لمهيار الملوحي
*****
درس الغياب
عماد قصّار صديق قديم؛ تعود صداقتنا إلى الصف الأول ابتدائي في مدرسة الوليد، وباحتها المتربة قبل تعبيدها بالأسفلت، والصدرية السوداء، والعصا لمن عصى، والأستاذ هاشم الذي كان الطلاب في صفه جميعهم سواسية في العقاب، لا فرق عنده بين طالب غني أو طالب فقير، أو كان وليّ أمره عاملاً أو وزيراً. أذكر مرة كانت عصاه تنهال على يديّ، وكان مع كل عصا تلهب راحة يدي يقول لي: "أوتحسب إن كان أبوك طبيباً لن أضربك؟" فأضعف تهديده من هيبة أبي في نظري، وعزمت أن أخبر أبي بما قال.. وفعلت. وكانت النتيجة أنني أصبحت أرى زملائي يُضربون أمامي دون أن أكون واحداً منهم، ومن بينهم صديقي عماد الذي آلمني أن أراه يُضرب وحده دوني بصمود وصمت، لدرجة أنني تمنيت لو أنني لم أخبر أبي.. فقلت مرّة لعماد وقد غمرتني روح ثائرة:
"لماذا لا تخبر أباك يا عماد أن الأستاذ يضربك لكي يكفّ عن ضربك؟"
أجابني: "لو اشتكيت لأبي لقال لي: (خرجك) أكيد أنك فعلت ما يستحق ضربك.."
وحصل أن نُقل عماد إلى شعبة أخرى فلم نعد نسترق الثرثرة كلما أتيحت لنا مع التفات الأستاذ إلى السبورة. وهكذا أصبحت يتيماً في الصف من دون عماد، ولكن في المقابل زاد انتباهي للدروس، وتحسّنت قراءتي، وتحسّن حفظي لجدول الضرب، ولا سيما جدول الثمانية الذي كان يربكني ويُذيقني عصا الأستاذ هاشم.
في مرحلة الدراسة الابتدائية لم تمتد صداقتي مع عماد خارج نطاق المدرسة؛ فقليلاً ما كنت ألقاه في الحارة، حتى أقلقني غياب عماد الكُلّي عن المدرسة؛ ثم عرفتُ أن المدير قد حسم أمره وفصله لكثرة غيابه. كنت أعلم سبب غيابه؛ فقد كان يحدثني عن الأفلام التي يشاهدها؛ يسرد لي قصصها المشوّقة، ويُحسن وصف مغامرات الفيلم بين البطل (الكاوبوي) والأشرار (الهنود الحمر، كما قدمتهم لنا هوليود)، أو عن إسماعيل يس أيقونة الكوميديا الساذجة التي تعبّر عن البراءة والخوف، واعتماده على تعبيرات وجهه وجسده أكثر من الكلام أحيانًا. وعن ثقة عبد السلام النابلسي المفرطة بنفسه، وذكائه الماكر الظريف، وتظاهره بالقوة وهزيمته السهلة الحتمية.
وحصل ذات يوم جمعة أن ذهبنا معاً إلى إحدى دور السينما، وشاهدنا فيلماً أمريكيا عن رعاة البقر وفيه هنود حمر، ومطاردات، ورصاص يلعلع، ومغافلات من الهنود، وسمعتُ الهنود وهم يُصوِّتون بشفاههم، ويطلقون النبال من أقواسهم. كانت رحلتي مع عماد قصّار خارج المدرسة أكثر إمتاعاً وأرحب من رحلتي معه في قفص باحة المدرسة. لكنني مع ذلك أسفت لطرده وحرمانه من متابعة تعليمه وافتقدت صحبته في باحة المدرسة.
هكذا ظلّ عماد قصّار علامةً مبكرة في ذاكرتي؛ صديقًا علّمني، من حيث لا يدري، أن الصداقة قد تُهذّبنا بقدر ما تُوجِعنا، وأن بعض الغياب يترك في النفس أثراً أعمق من الحضور، ويظلّ درساً صامتاً لا يمحوه الزمن.
المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها