الكاتب والمفكر أديب اللجمي
2025.05.26
شخصيات من مدينة حماة.. الكاتب والمفكر أديب اللجمي
إعداد: خالد محمد جزماتي
منذ سقوط غرناطة عام 1492م، وما جرى بعد ذلك من أحداث لم تشهد البلاد العربية وأهلها شتاتا كشتات اليوم، حيث نسطيع القول إننا دخلنا في ظلمات عصر جديد لم نشهده من قبل، ومع ذلك لابد لنا من محاولة استعراض بعض المحاولات التي جرت من قبل كثير من العوائل الشامية والعراقية والمصرية والمغاربية لبذل الجهود المضنية وتقديم المال لتعليم أبنائها بالرغم من العوز الشديد للمال من أجل العيش البسيط بكل ما تعنيه الكلمة.
ولقد قرأنا عن رجال تعلموا في خلسة من عيون الدوائر المحلية الجاهلة والدولية المُستعمرة، ومن تلك العائلات عائلة "محمد عبود اللجمي" (1882 - 1974م)، الذي وُلد في حماة عام 1882م، ونشأ فيها. وساعده على التعلم في مدارس الكتّاب خاله الشيخ "حسني الحافظ" رحمه الله.
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى تم سوقه الى الخدمة العسكرية في الجيش العثماني رغم أنه كان وحيدا لأهله، فقاتل مع ذلك الجيش في فلسطين ضد الانكليز وجيشهم بقيادة الجنرال "اللنبي". وفي احدى المعارك أُصيب بجرح شديد تم نقله الى دمشق، ثم الى مستشفى بمدينة حمص.
وبعد شفائه النسبي عاد الى أهله بمدينة حماة في حي (باب البلد)، ذلك المنزل الذي يقع بين حي (البرازية) وحي (الفراية)، ثم حصل على وظيفة في بلدية حماة.
وبعد زواجه رزقه الله ستة أولاد، ثلاث من الإناث وهم:
المربية الفاضلة "فاطمة اللجمي"، مواليد 1929م، والسيدة "وداد اللجمي"، والسيدة مخلصة اللجمي.
ومن الذكور ثلاثة، وهم:
-الأستاذ أديب اللجمي (1921- 2012م) وهو بطل حلقتنا هذه.
-المجاهد نور الدين اللجمي (1925- 2015م) نشأ وترعرع في حماة وتلقى علومه الأولى ثم تفرغ لحرفة النجارة وساعد والده، وهو من الذين اشتركوا بثورة حماة عام 1945م، وتطوع في جيش الانقاذ أواخر عام 1947م، ودخل شمال فلسطين مع رفاقه المتطوعين في جيش الانقاذ.
-عزت اللجمي (1931 - 2003م) رحمه الله.
واجتهد الأب لتعليم أولاده في المدارس، وكان الكثير من الناس في ذلك الزمان يكتفون بالمشايخ في كتاتيبهم، ثم الذهاب الى الحِِِِرفة التي يختارونها.
وبالعودة الى موضوع المقالة عن المرحوم المفكر الكبير "أديب محمد اللجمي"، فقد وُلد في مدينة حماة عام 1921م، وهو كأبناء جيله مثل الدكتور "فيصل الركبي" والدكتور "شريف طربين" والصيدلي "محمد الريس" والأستاذ "عبد الكريم العطري" والسيد "عبد الرحمن العظم" والأستاذ "عبد الكريم زهور عدي" وغيرهم.
تلقى علومه الأولى في حماة ونال شهادة البكالوريا عام 1939، ثم تابع دراسته في دار المعلمين بدمشق عامي 1940 - 1941، ثم عاد الى حماة ومارس التدريس في اعدادية حماة، وفي هذه الفترة كان العمل السياسي جزءاً أساسياً من حياة الطلاب والأساتذة.
وكان الأستاذ أديب اللجمي من المواكبين للحركة الشعبية الممثلة في حماة بتجمع "الكتلة الوطنية" تحت زعامة الدكتور "توفيق الشيشكلي"، ثم المحامي "رئيف الملقي".
ولما حدث الانشقاق عام 1937 - 1938 عن الكتلة الوطنية من قبل مدرّس التاريخ المجاهد "عثمان الحوراني"، ثم تأسيسه لحزب الشباب، أيد أديب اللجمي وكثير من زملائه هذا الحزب الجديد.
كان الأستاذ أديب اللجمي من المدرّسين الناجحين الذين نالوا سمعة طيبة لشخصيته القوية ومعلوماته الغزيرة، فقد كان كأبناء جيله شغوف ببالسعي نحو المعرفة، والتسلح بها عن طريق البحث والمطالعة بدون كلل أو ملل.
وفي عام 1948 تم ايفاده الى الجامعة الأمريكية ببيروت لدراسة اللغة الانكليزية، وهناك تعرف على كثير من رجالات العرب من مختلف البقاع العربية، فكان ذلك رفدا لمعلوماته وخبرته في الحياة الاجتماعية والنواحي السياسية والثقافية.
ولعظيم سمعته في كافة المجالات تم ايفاده من قبل وزارة المعارف الى فرنسا لدراسة الفلسفة وعلم الاجتماع في جامعة السوربون بباريس. وكانت حياته في العاصمة الفرنسية "باريس" مثالا يحتذى لطالبي العلم العرب وغير العرب من جهة السعي الجدي للتفوق بالدراسة والالتزام بالقضايا الوطنية لأمته.
ولقد تابع صلاته ورفاقه في الحزب العربي الاشتراكي، وكان فعالا في المساعي الحميدة لاندماج البعث العربي مع العربي الاشتراكي في صيف عام 1952م.
في العام 1955 تخرّج من جامعة "السوربون" وحصل على الليسانس في علم الاجتماع والفلسفة.
ولما عاد الى دمشق تم تعيينه بشكل فوري أستاذا في كلية التربية، وهناك ذاع صيته وبدون أبواق، ونال شهرة واسعة كأستاذا ناجحا في جامعة دمشق وكان الاحترام والتقدير ملازما له من كافة الشرائح الاجتماعية والمدارس الثقافية والأحزاب السياسية وزعاماتها المختلفة.
ولقد جاءته فرصا عدة للسفر الى فرنسا على حساب الدولة السورية للحصول على شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون بباريس، ولكن العمل السياسي الثقيل والوظيفي المُلح، حال بينه وبين ذلك.
وكانت أهم أعمال الأستاذ أديب اللجمي وانجازاته المساهمة الفعالة في تأسيس وزارة الثقافة عام 1958م، وهذه المساهمة كانت وساما خالدا على صدره يعترف بذلك جميع أقرانه ورفاقه ومناصريه ومنافسيه.
وتابع المرحوم أديب اللجمي مسيرته على درب الثقافة والمعرفة والعمل الدؤوب على تطويرها، فتسلم إدارة الاذاعة والتلفزيون عام 1962م، وعمل ليل نهار على تطويرهما وبث البرامج الهادفة أثناء عملها اليومي.
وفي العالم 1963م تم تعيينه أمينا عاما لوزارة الاعلام وبقي في هذا المنصب حتى عام 1964م.
وفي عام 1964م تولى رئاسة تحرير مجلة "المعرفة" الشهيرة حتى عام 1969م.
وهنا يجدر أن نعرف أن الأستاذ أديب اللجمي كان ملماً باللغتين الفرنسية والانجليزية الى جانب ضلوعة في مختلف علوم اللغة العربية، وهذا ما ساعده على الترجمة الدقيقة لكثير من الدراسات والمقالات الأجنبية.
وبعد هذا الحديث عن معلومات بسيطة عن الأستاذ أديب اللجمي لا بد من الاشارة الى بعض الأمور السياسية التي عاشها المرحوم اللجمي، فهو من حي (باب البلد) بحماة، ذلك الحي الذي كان يشهد حراكا سياسيا واجتماعيا هائلا على مدى سنوات عديدة من أوائل القرن العشرين، ففيه صراع شعبي مع العائلات الاقطاعية من قبل القوى الناهضة، أحيانا تكون خفية وفيها استحياء، وأطوارا علنية فيها شدة ملحوظة، وخاصة أيام الانتخابات أثناء حكم الانتداب الفرنسي.
والأمر الهام الآخر عند استلام الجيش للسلطة في سورية يوم الثامن من آذار وتشكيل أول وزارة برئاسة المرحوم "صلاح الدين البيطار" وعضوية كثير من الوزراء الذين كانوا من أقرب الرجال اليه مثل الأستاذ "عبد الكريم زهور عدي" والدكتور "جمال الأتاسي" والدكتور "سامي الدروبي" وغيرهم، راقب الوضع بتؤدة، فلم يعجبه ما آلت اليه الأمور من نتائج.
وخاصة أن زوجته السيدة "نبيلة الرزاز" أخت الزعيم البعثي "منيف الرزاز"، أي أنه كان قريبا جدا مما يجري فوق الطاولة، وربما تحتها أيضا، والنتيجة كما رأيتها من متابعة حياة الأستاذ أديب اللجمي، أنه التزم في خدمة بلده عن طريق وظيفته في الدولة، وهي معاون وزير الثقافة من عام 1970م، حتى تقاعده عام 1982م، ولم يتدخل في أي تنظيم حزبي واعتزل ذلك بشكل نهائي.
ولقد كان من المؤسسين الرئيسيين للمعهد العالي للفنون المسرحية عام 1978م، وتسلم رئاسته عامين كاملين، وكان ذلك قبل تقاعده، أي بالاضافة الى عمله الوظيفي.
ثم عمل مستشارا في المنظمة العربية للثقافة التابعة لجامعة الدول العربية من العام 1983م حتى العام 1989م، ورغم السن الكبير الذي وصل اليه فقد استمرت مساهمته في النشاط المعرفي والثقافي وبعيدا عن الانتماء السياسي، فأنهى حياته الأدبية بتأليف "قاموس المحيط" معجم اللغة العربية الضخم بالتعاون مع زوجته.
كما ساهم في كثير من المؤتمرات الثقافية العربية والدولية ورفع سمعة بلاد الشام عاليا يرفرف علم ثقافتها العظيمة على الأشهاد ، وتم تكريمه في بلدان كثيرة مثل الأردن وفرنسا واسبانيا وايطاليا وبولونيا وبلجيكا.
وكان أشهر المؤتمرات التي ذاعت شهرته فيها "مؤتمر الحوار العربي الأوربي عام 1983".
وأختم قولي عن الأستاذ أديب اللجمي، أنه كان يعيش آخر أيامه في تونس الخضراء حيث مقر الجامعة العربية كان على أرضها وهو يعمل لديها، فأخذه الحنين الشديد الى الوطن، فحزم حقائبه وعاد الى دمشق واشترى قبرين بعد أيام قليلة من عودته. ولما توفاه الله عام 2012 تم دفنه في أحدهما، رحمه الله وطيب ثراه.