كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المفكر السوري ساطع الحصري

ولِد ساطع الحُصري في صنعاء - اليمن من أبوين حلبيين في 5 آب عام 1879، عندما كان والده يعمل رئيساً لمحكمة الاستئناف في صنعاء. تنقّل مع أبيه في سنوات الطفولة، بين صنعاء وطرابلس الغرب وقونيا وأنقرة، حيث دَرس في المدارس العثمانية الحكومية والتحق بعدها بالمعهد الملكي في اسطنبول، ليتخرج منه عام 1900.
امتهن التدريس وخدم في مدارس الدولة العثمانية في اليونان حتى عام 1906، لينتقل بعدها إلى السلك الحكومي ويتسلّم مناصب إدارية رفيعة في كل من اليونان وبلغاريا. عاد مجدداً إلى التدريس وانضم إلى الهيئة التعليمية في المعهد الملكي الذي تخرج منه في اسطنبول. قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أسس ساطع الحُصري مدرسة خاصة في عاصمة الدولة العثمانية، سماها "المدرسة الحديثة" وأطلق مجلّة عِلمية فصلية بعنوان "أنوار العلوم." وخلال الحرب العظمى، كان مديراً لدار المعلمين في اسطنبول، متحالفاً مع جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة التي أطاحت بالسلطان عبد الحميد الثاني عام 1909. كانت نزعته تركية بحتة وقد نشر عدة مقالات في الدعوة إلى التتريك في مجلة "تورك أوجاني" بتوقيع شبه مستعار: م ساطع، أو مصطفى ساطع.
حصل فراق عقائدي بينه وبين الاتحاديين بعد إعدام جمال باشا مجموعة من أعيان المدن السورية يوم 6 أيار 1916، بتهمة الخيانة العظمى والعمالة لصالح الحكومة الفرنسية. ومع ذلك لم ينفصل عن الدولة العثمانية، ولكنه تعاطف كثيراً مع الثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الصحراء العربية مطلع صيف عام 1916، بقيادة الشريف حسين بن علي وبدعم عسكري من الحكومة البريطانية. في تشرين الأول 1918، شدّ ساطع الحُصري الرحال متجهاً إلى دمشق للمشاركة في أول حكومة عربية أقيمت فيها بعد خروج الجيش العثماني، تحت راية الشريف حسين وبقيادة نجله الأمير فيصل بن الحسين. بايع الحُصري الأمير فيصل حاكماً عربياً على البلاد، وتوطدت صداقة مميزة بينهما، استمرت حتى وفاة فيصل عام 1933.
نظراً لباعه الطويل في التدريس، عينه الأمير فيصل مديراً للمعارف في سورية، مُكلفاً بتعريب المناهج التربوية كافة في المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية. في عهده، أعيد افتتاح معهدي الطب والحقوق في دمشق، بعد إغلاق قسري دام شهوراً بسبب ظروف الحرب العالمية وأشرف الحُصري على إعادة هيكلة المدارس السورية، وعلى تعيين نخبة من المُدرسين الكبار. كما أدخل أول سيدة على القطاع الحكومي في سورية، وهي الأديبة لبيبة هاشم، التي عُيّنت وبأمر مباشر منه مفتشة في مديرية المعارف. وفي 9 آذار 1920، عُين ساطع الحُصري أول وزير للمعارف في حكومة الفريق رضا باشا الركابي، وكان ذلك بعد يوم واحد فقط من تتويج الأمير فيصل ملكاً على البلاد. وبعد استقالة حكومة الركابي في 3 أيار 1920، اُعيد تكليف الحُصري بحقيبة المعارف في حكومة الرئيس هاشم الأتاسي.
قبل سقوط دمشق بيد الفرنسيين، توجه فيصل إلى قرية الكسوة وبعدها إلى مدينة حيفا الفلسطينية ومن ثم إلى أوروبا عبر البحر، قاصداً سويسرا للمثول أمام عصبة الأمم للاحتجاج رسمياً على معاملة فرنسا له. لم يخرج مع فيصل من دمشق إلا قلة قليلة من أعوانه، مثل مستشاره السّياسي نوري باشا السعيد ومرافقه العسكري تحسين قدري وأمين سره إحسان الجابري وشقيقه الأمير زيد بن الحسين، إضافة طبعاً للوزير ساطع الحُصري.
في كتابه عن تلك المرحلة "يوم ميسلون،" يقول الحُصري: "كثيراً ما كان الملك فيصل يستعرض حوادث الماضي بنظرة انتقادية ويقلّب وجوه الخطأ والصواب فيها ويظهر ندمه على بعض الوقائع والمواقف ويُصرح بامتعاضه عن أعمال البعض وكان يوجه اللوم إلي مباشرة من حين إلى حين. ولكنه كان يفكر أكثر من ذلك كله، في المستقبل ويتكلم عن الخطط التي يجب السير عليها لتلافي ما فات." بعد وصولهم إيطاليا، أرسل فيصل ساطع الحُصري إلى تركيا، نظراً لإتقانه اللغة التركية وعلاقاته المتينة مع زعمائها، في محاولة للحصول على دعم عسكري من كمال أتاتورك لمواجهة فرنسا في سورية.
نجحت مساعي الملك فيصل في أوروبا وتم تعويضه عن عرش الشام بعرش العراق، الذي توّج ملكاً عليه يوم 23 أب 1923. ظلّ ساطع الحُصري إلى جانبه وكُلف بعدة مهام تربوية، منها وضع المنهاج الحكومي لكل مدارس العراق وإدارة مديرية الآثار وتأسيس كلية الحقوق في جامعة بغداد، التي عمل الحُصري عميداً لها طوال عشر سنوات. ومن مآثر ساطع الحُصري في بغداد أنه رفض مقترح الملك فيصل بإيجاد مدارس خاصة لكل طائفة في العراق، مصرّاً على منهاج قومي واحد، عابر لكل الأديان والطوائف والعرقيات.
كما تولى ساطع الحُصري إدارة دار المعلمين العالية في بغداد، وكان ليبرالياً تقدمياً حاول فصل درس الدين عن دروس اللغة العربية التي كانت في السابق مشتركة في منهج واحد. وعمل على استحداث مناهج عِلمية معاصرة في اللغة العربية، وبقي الحُصري مسؤولاً عن التعليم في العراق وعن تطوير مناهج المدارس، وظل يدعو إلى فكرة القومية العربية إلى أن قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، حيث تم إبعاده عن العراق من بعدها، بأمر من السلطات البريطانية الحاكمة يومها
في عام 1943، جرت انتخابات نيابية في سورية، أوصلت رجالات الكتلة الوطنية إلى الحكم، وجميعهم كانوا أصدقاء ساطع الحُصري منذ أن كان وزيراً في عهد الملك فيصل بدمشق. طَلب منه رئيس الحكومة سعد الله الجابري العودة إلى سورية للعمل على إعادة هيكلة المناهج التربوية، وذلك بصفة مستشار لوزارة المعارف. قبل ساطع الحُصري العرض، وعاد إلى موطنه واُستقبل استقبالاً حافلاً في القصر الجمهوري من قبل الرئيس شكري القوتلي، الذي قلّده وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة.
من سورية توجه ساطع الحُصري إلى مصر وعمل مُدرساً في المعهد العالي للمعلمين، ثم عميداً لمعهد الدراسات العربية العليا، بتكليف خاص من الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان يحترمه كثيراً. وفي مرحلة الخمسينيات كان الحُصري مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية التي كان يُصر على تسميتها "جامعة للدول العربية" لا "جامعة عربية،" باعتبار أن الأخيرة كانت ما تزال بمثابة "المثل الأعلى الذي تصبو إليه النفوس المدركةُ معنى العروبة."
وفي 23 كانون الأول 1968، توفي ساطع الحُصري في بغداد .
وفي مطلع السبعينيات كرَّمت جامعة الدول العربية ساطع الحُصري وخصَّصت أسبوعاً لدراسة فكرهِ ورؤيته. وتقديراً لدوره القومي والتربوي وفي سورية، سُميت إحدى أشهر مدارس البنات في حي المالكي بدمشق على اسمه وتبعتها مدرسة ثانية في مدينة الرقة وثالثة في دير الزور.
مؤلفاته :
وضع ساطع الحُصري عدداً كبيراً من المؤلفات، لعل أشهرها "يوم ميسلون: صفحة من تاريخ العرب الحديث" الذي صدر في بيروت عام 1948 وترجم إلى اللغة الإنكليزية في معهد واشنطن. ومن كتبه أيضاً "صفحات من الماضي القريب" (بيروت 1948)، "العروبة بين دعاتها ومعارضيها" (بيروت 1952)، "العروبة أولاً" (بيروت 1955)، و"دفاعاً عن العروبة" (بيروت 1956).
إعداد: محمد عزوز

من كتابي (راحلون في الذاكرة) برسم الطبع

المصور الأرمني والبداية
د. خالد الأسعد.. أيقونة من بلادي
فائز بن زَعَل الغُصَين من قائمقام إلى مشارك في الثورة العربية الكبرى
العالم والمصلح الاجتماعي والمربي الكبير الشيخ محمد سعيد النعسان (1867م- 1967م) ح4
الشركس في سلمية ١٩٠١م- ١٩١٦م
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج3
الياهو ساسون
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م)- ج2
محمد أرسلان بك - مبعوث اللاذقية إلى مجلس المبعوثان 1908انتخابه واغتياله
المجاهد والسياسي رشيد طليع الذي دفن واقفاً لكي تستمر الثورة
العالم الرباني والمصلح الاجتماعي الشيخ محمد سعيد النعساني (1867- 1967م) - ح1
سيرة الشاعر نوفل بن غانم إلياس
منصور الأطرش سيرة مناضل بطل وسياسي قدير من بني معروف
زياد الحريري (من وحي كتاب: "البعث كما حكم")
يوسف بن يعقوب الحكيم الوزير السوري الذي عاش مائة عام وكتب تاريخها