كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الشَّيخ عيَّاش (ق)

زين العابين رمضان
حَدَّثَني فضيلةُ الشَّيخ عبد الرّحمن ابن الشيخ علي عبد الرحمن (ق):
انَّ السيِّدَ سُليمان درويش، حدَّثَهُ قائلاً:
"كانتْ عكّارُ تابعةً لِسوريَّةَ في نهايةِ العَهدِالعُثمانيّ وكانتْ قريةُ (الشيخ عيّاش) على جانبِ الطَّريقِ العامّ المُؤَدِّيَة إلى طرابلسَ وَقد جعلَ منها الجيشُ العثماني فيما مضى ثكنةً لِاستِراحَةِ جُنودِهِم القادِمينَ مِن خَلفِ النّهر الجنوبيّ الكبير.
وَصادَفَ أنِ استقرَّ فيها ضابطٌ عثمانيٌّ مَع زوجتهِ وَطِفلِهما الصَّغير وَسكنوا في أحَدَ البيوتِ الحجريَّةِ، ووقتها كانَ يَسكنُ القريةَ خليطٌ مِنَ (العلويّينَ والسُّنَّةِ) - مُتجاوِرينَ.
وَفي كلّ يَومِ جُمعةٍ، وكالمُعتادِ تَذهبُ النّسوَةُ وَصبايا القريةِ لزيارةِ قَبرِ الشيخ محمَّد - الذي يتربَّعُ على جانبِ الطريقِ العامّ وهو مَوجودٌ ضِمنَ حوَّاشٍ مِنَ الحجارةِ المَرصوفةِ بَعضُها فوقَ بَعضٍ بشكلٍ إهليجيّ ولهُ مَدخلٌ إليهِ. فَكُنَّ يخلَعنَ أحذِيَتهنَّ وَيَدخُلْنَ لِيَزُرنَهُ، فَيُشعِلْنَ البُخورَ في مَجامِرٍَ حجريّةٍ وَيَدُرنَ حولَ القبرِ وَيَقرَأْنَ الفاتِحةَ عَنْ روحهِ الطاهِرَةِ وَيتوَسَّلْنَ بشفاعَتهِ عندَ مولاهُ أنْ يتقبَّلَ دُعاءَهنّ - كُلُّ هذهِ المشاهِد كانتْ تحتَ مَرأى عَيْنَيِّ زوجة الضابطِ العثماني، فطلَبَتْ مِنْ إحداهنّ معرفة صاحِب القبرِ وَلِمَ يفعَلْنَ ذلك؟ فتأتيها الجواب: بأنَّ للَّهِ رِجَالٌ إذا أرادوا أرادَ وَهُوَ أحَدُ هؤلاءِ الرِّجال، فكانتْ لا تَحفَلُ لِكلامِهِنَّ وتعودُ إلى منزلِها.
وهكذا تمُرُّ شهورٌ، ويَمرَضُ طِفلُها ويَعتَلُّ ثُمَّ يُفارقُ الحياةَ. فتأخذهُ وَهِيَ تَبكيهِ، وَتَدخُلُ حوَّاشَ قبر الشيخ محمَّد، وتطلُبُ مِنهُ أنْ يُحيِيَ لها طفلَها الرَّضيعَ وتبكي، وبعدَ قليلٍ يبحَثُ عنها زوجُها الضابطُ، فيُشيرونَ لهُ عليها بأصابِعِهم:
"انّها هناك في الحوَّاش"، ويذَهبُ، وينظرُ إليها، ويركلُ بِرِجلِهِ حِجارةَ الحوَّاشِ، ويطلُبُ منها الرُّجوع معهُ إلى المنزلِ؛ لِيَدفنَ طِفلَهُ في القبرِ المُعَدّ لهُ حديثاً، لكنَّ زوجتَهُ لا تكتَرِثُ لكلامهِ؛ بَلْ تبقى تضُمُّ طفلَها إليها، فيقتَرِبُ مِنها ويُحاوِلُ أخْذَ طِفلهِ مِن بَينِ يَدَيْها لكنّها وَبِكُلّ هُدوءٍ تُومِئُ إليهِ أن يتلمَّسَ رأسَ الرَّضيعِ، فيَضعُ كفَّهُ عَليهِ وإذا بهِ دافِئٌ والطفلُ يَرضَعُ مِنْ ثَديِ أمِّهِ، فلقَد أعادَ اللهُ رُوحَهُ إليهِ وأحياهُ بعدَ المَوتِ بشفاعةِ هذا الوليّ الطّاهر".
يَختمُ المُعمّرُ كلامَهُ للشيخ عبد الرَّحمن قائلاً:
"وبعدَها يقومُ الضابطُ العثمانيُّ بإرسالِ برقيّةٍ إلى البابِ العالي في اسطنبول يُخبِرُهُم فيها ما جرى مَعهُ وَيطلبُ منهُم عِمارةَ القبرِ وإنشاءَ غرفةٍ حجريّةٍ لهُ، فَيُجابُ إلى طَلَبِهِ، ويجعلونَ أراضي القرية أوقافاً تابعةً للشيخ مُحَمَّد، ومِن حين رُجوعِ الطفلِ للحياةِ صارَ الناسُ يُطلِقونَ على الشيخ محمَّد لَقباً هو: الشَّيخ عيّاش، وصارتِ القريةُ تُدعى قرية "الشَّيخ عيّاش".١
-----------------------------------------------------------
١ معلوماتٌ خاصّةٌ بالكاتبِ، نَقلاً عَنِ الشيخ عبد الرَّحمن ابن الشَّيخ علي عبد الرَّحمن (ق)، نقلاً عَنِ المُعمِّرِ سُليمان درويش الذي كانَ عُمرُه حينَ حدَّثَهُ بالقِصّة (115) سنةً، وقَد عاشَ بعدَها خمسَ سنواتٍ. والمُعمّرُ مِن مواليدِ سنةِ (1843م) في قرية دارين - عكّار/لبنان.
الروايةُ من كتابةِ؛ (الشَّيخ علي عبد الرَّحمن مسيرةٌ وَسيرَة - ص: 24 - 25، زين العابدين أحمد رمضان - الطبعة الأولى 2022م).
ملحوظة:
تستقرّ قُبّة الشيخ عيّاش على شمال الطريق الدولية المؤدّية إلى قرية العبّودية (اللبنانية) ------- الدبّوسية ( السورية).