كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى

د. غسّان القيم

في ألواح الطين التي خرجت من تحت رماد أوغاريت لم تكن الأسماء مجرّد إشاراتٍ جغرافيةٍ صامتة، بل كانت أنفاساً ما تزال حيّةً تسير بين التلال والينابيع والوديان حتى يومنا هذا.
كأنّ الزمن على قسوته عجز أن يطفئ النداء الأول للأمكنة.
هناك في المدينة التي كانت ذات يوم تاج الساحل السوري جلست الأبجدية الأولى تكتب أسماء القرى، كما تكتب الأم أسماء أبنائها على جدار القلب.
ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام حفرت الأقلام المسمارية فوق الرقم الفخارية أسماءً لقرى ومزارع ووديان كانت تنبض تحت راية المملكة الأوغاريتية، ثم نامت القرون فوقها قبل أن يوقظها علماء الآثار من سباتها الطويل.
وحين بدأت النصوص تُترجم حدثت المعجزة.
خرجت الأسماء القديمة من العتمة وهي تحمل ملامحها ذاتها وإن غيّرتها الريح قليلاً كما تغيّر السنون ملامح الشيوخ دون أن تمحو أرواحهم.
فـ"مغريت" ما تزال تنادي نفسها "مغريط"
و"شاميا" ما تزال ترفع رأسها باسم "الشامية"
و"جنّاتا" بقيت كما هي، كأن الزمن خاف أن يقترب من خضرتها.
أما "قمند" فقد احتمت بذاكرة الناس وصارت "بيت قمند"
و"شلمي" ما تزال تنام في حضن الجبل باسم "سلمى"
و"كسابلا" عبرت العصور حتى وصلت إلينا باسم "كسب"
كأن الحروف القديمة رفضت أن تموت واكتفت بتبديل أثوابها فقط.
إنها ليست مصادفات لغوية عابرة، بل جذورٌ تضرب عميقاً في تربة الساحل السوري.. تؤكد أن الأرض تحفظ أسماءها كما تحفظ الأم أسماء أطفالها الغائبين.
لقد كانت مملكة أوغاريت تمتد بين جبل صفن المقدّس شمالاً، حيث يقف جبل الأقرع شامخاً كحارسٍ أسطوري، وبين نهر السن جنوباً، فيما كانت الجبال الساحلية الشامخة تحرسها من الشرق، ويغسل بحر المتوسط قدميها من الغرب.
وفي تلك الرقعة الصغيرة نسبياً ازدهرت مئات القرى التي شكّلت شرايين الحياة لمملكة كانت منارةً للتجارة والكتابة والفن والبحر.
لكن المدهش حقاً.
أن كثيراً من هذه القرى لم يختفِ تماماً، بل ظلّ كامناً تحت طبقات التراب واللغة والذاكرة الشعبية ينتظر من يعيد الإصغاء إليه.
ولهذا تبدو أعمال التنقيب الأثري اليوم أشبه بإنصاتٍ طويل إلى نبض الأرض
فكل تلّ أثري في محافظة اللاذقية ليس مجرد كومة تراب، بل كتاب مغلق لم تُفتح صفحاته بعد.
وكل كسرة فخار تُنتشل من باطن الأرض قد تكون شاهداً صغيراً على قريةٍ ورد اسمها في ألواح الطين منذ العصر البرونزي الحديث يوم كانت أوغاريت في ذروة مجدها.
لقد أدرك الباحثون السوريون، ومنهم جبرائيل سعادة، أن التشابه بين الأسماء القديمة والحديثة ليس مجرد لعبة أصوات، بل خيط تاريخي متصل يمتد من ألواح الطين إلى أفواه الناس في القرى الحالية.
وهكذا.
فإن الساحل السوري لا يحمل آثار أوغاريت في تربته فقط، بل يحملها في أسمائه ولهجاته وذاكرته الجماعية.
كأن الحضارة الأوغاريتية لم تُدفن بالكامل بل بقيت تتنفس بهدوء تحت أسماء القرى تنتظر من يزيح عنها غبار القرون.
وما أعظم أن تكتشف البشرية أن بعض القرى التي نمرّ بها اليوم، ربما كانت قبل ثلاثة وثلاثين قرناً تسمع صلوات الكهنة الأوغاريتيين، وترى سفن النحاس والأرز تعود إلى مرافئ المتوسط، بينما كانت الأبجدية الأولى تُولد على ضوء المشاعل في معابد أوغاريت.
سيبقى الباحثون المخلصون الذين نذروا أقلامهم لانتزاع الأسرار من أعماق التراب هم الحراس الحقيقيون لهويتنا. إن آمالنا لن تخيب لأن الأرض التي حفظت الأسماء من "مغريت" إلى "سلمى" طيلة أكثر من ثلاثة آلاف عام كفيلةٌ بأن تمنحكم الحقيقة كاملة في يومٍ قريب.
هناك..
حيث لا تزال الحجارة تحفظ الهمس القديم
ولا تزال الأرض رغم كل شيء تتذكر أسماءها الأولى. 
حي الشاغور الدمشقي
نقش مسماري في موقع الشيخ ريح وادي العاصي (وليس تل العشارنة)
مدينة النواعير في ألمانيا.. "موريندورف" Möhrendorf
من المراسيم اللافتة سابقاً في سوريا مرسوم منح «وسام الأسرة السورية»
دور العبادة في سلمية
"نيرن" اسطورة الطريق الصحراوي بين بيروت ودمشق وبغداد
دينار ذهبي من فئة خمسة دنانير سُكّ باسم أمير العراق من البويهيين العلويين
بعض العوامل التي أثرت على تطور فن الفسيفساء
آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى
من ميلانو.. تحية ووفاء لخالد الأسعد
أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها
حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت
من أين جاء المثل الشعبي الذي يقول "هذا الشخص كلامو طابو"؟