كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها

د. غسّان القيم

 أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها.. والغياب الكبير… أسرار النهاية التي حيّرت التاريخ
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""”"""""""""""""
لم تمت مدينة أوغاريت دفعةً واحدة.
بل بدا وكأنّ الآلهة نفسها قد أغلقت أبوابها الأخيرة وأطفأت قناديل المعابد، ثم تركت المدينة تستلقي وحيدةً على كتف البحر. ألف عامٍ كاملة كأنها جرحٌ لا يريد الزمن أن يلمسه.
هناك فوق ربوة رأس شمرة حيث كانت الريح تعبر بين القصور الملكية ومخازن النحاس والعاج والأرجوان كانت أوغاريت يوماً أشبه بقلبٍ نابضٍ للمشرق كله
مدينة لا تبيع البضائع فقط.. بل تبيع الحروف أيضاً.
ومن مرافئها كانت السفن تمضي حاملةً خشب الأرز والزيوت والنبيذ والنصوص المقدسة والأغاني البحرية، فيما كانت ألواحها الطينية تحفظ أولى أنفاس الأبجدية البشرية.
لكنّ النهاية التي حلّت بها في الربع الأخير من الألف الثاني قبل الميلاد لم تكن نهاية مدينةٍ عادية.
بل كانت نهاية عصرٍ كامل.
لقد احترقت أوغاريت كما تحترق مكتبةٌ ضخمة في ليلة عاصفة لا يبقى بعدها سوى الرماد والدهشة والأسئلة.
وما يثير الرهبة حقاً ليس الدمار ذاته، فالمدن القديمة اعتادت الحروب والزلازل والحرائق.. وكانت تنهض من خرابها بسرعة مدهشة كالعشب الذي يشقّ الحجارة بعد المطر.
أما أوغاريت.. فقد بقيت صامتة.
صامتةً إلى حدٍّ مخيف.
ألف عامٍ تقريباً مرّت فوق أطلالها دون أن تعود مدينةً حيّة كما كانت.
وكأنّ شيئاً عميقاً قد انكسر في روح المكان نفسه.
إنّ التساؤل الذي طرحته ليس تساؤلاً عابراً في تاريخ الآثار بل هو واحد من أكثر الأسئلة غموضاً في تاريخ شرق المتوسط كله.
فكيف يمكن لمدينةٍ بلغت تلك المكانة الاقتصادية والسياسية والثقافية أن تختفي بهذه الصورة الكاملة؟
وكيف لم يظهر مركزٌ بديلٌ مباشرٌ لها في المنطقة ذاتها إلا بعد قرون طويلة حين بدأت اللاذقية في الفترة الهلينستية تستعيد شيئاً من نبض الساحل السوري؟
هنا تبدأ الفرضيات بالتحرك وسط الضباب
ربما لم يكن الخراب نتيجة غزوٍ فقط.
رغم الشواهد التي تتحدث عن اضطرابات شعوب البحر وانهيار الممالك الكبرى في ذلك الزمن.
وربما لم تكن النار وحدها كافية لقتل مدينةٍ تعرف التجارة والبحر والحياة.
إنّ فرضية الزلزال العنيف تبدو ذات ثقلٍ علميّ كبير خاصةً في منطقةٍ ساحلية طالما عرفت الهزات الأرضية عبر تاريخها الطويل.
فإذا كانت هزة كارثية قد ضربت أوغاريت ومرفأها الرئيسي “مينة البيضا”، فإنّ المسألة لم تعد مجرد احتراق أبنية بل تغيّرٌ جذريّ في شروط الحياة ذاتها.
تخيّل مرفأً يختنق بالطمي.
وقنواتٍ بحرية تغيّر مجراها
وآباراً مالحة.
وطرقات تجارة انهارت فجأة مع سقوط القوى الكبرى في الحوض الشرقي للمتوسط
حينها لا تموت المدينة بالسيف فقط.
بل بالجوع والعزلة وفقدان الدور التاريخي.
لقد كانت أوغاريت ابنة شبكةٍ دولية هائلة تربط مصر والحثيين وقبرص وبلاد كنعان وبلاد الرافدين.
وحين انهارت تلك الشبكة في أواخر العصر البرونزي بدا وكأنّ العالم القديم كلّه يتداعى معها.
فلم تعد السفن تصل كما كانت.
ولا الأسواق بقيت آمنة.
ولا التحالفات السياسية حافظت على معناها القديم.
وربما لهذا السبب بالذات لم تستطع أوغاريت أن تعود.
إنّ بعض المدن تُبنى بالحجارة.
أما أوغاريت فكانت تُبنى بالدور الحضاري الذي تؤديه.
وحين سقط ذلك الدور سقطت المدينة معه.
ومع ذلك
فإنّ الصمت الذي يلفّ أوغاريت ليس صمت موتٍ كامل بل صمت أسرار لم تُكتشف بعد.
فكلُّ رقيمٍ طيني يُستخرج من التراب هناك يشبه رسالةً متأخرة وصلت بعد ثلاثة آلاف عام.
وكلُّ جدارٍ يُكشف عنه في التنقيبات الأثرية يبدو كأنه يحاول أن يتذكر اللحظة الأخيرة قبل الكارثة.
وربما تحمل السنوات القادمة مفاتيح هذا اللغز الكبير.
فلعلّ رقماً فخارياً ما يزال نائماً تحت التراب سيخبرنا ذات يوم:
كيف انطفأت أوغاريت؟
ولماذا تركها التاريخ وحيدةً كلَّ هذا الزمن؟
إلى ذلك الحين
ستبقى أوغاريت مدينةً تقف بين الحقيقة والأسطورة،
مدينةً لا تزال رائحة احتراقها عالقةً في ذاكرة البحر.
ولا تزال أمواج “مينة البيضا” تهمس عند المساء بأسماء الذين رحلوا دون وداع.
ولعلّ أكثر ما يوجع في قصة أوغاريت ليس سقوطها.
بل ذلك الصمت الطويل الذي أعقب السقوط.
فبعض المدن تموت ثم تُبعث من جديد…
أما أوغاريت فقد بقيت كأنها اختارت النوم الطويل فوق كتف الساحل السوري تاركةً للعالم أبجديتها فقط… كآخر وصية حضارية قبل الرحيل.
وأظنّ أنّ المدن العظيمة لا تختفي تماماً
إنها تتحول إلى ذاكرة
وأنا أعتبر نفسي بأني أحمل جزءاً من هذه الذاكرة في قلبي وروحي وقلمي..
******

تعالوا لنغزل معًا ترنيمة مطر الحبّ على طراز فجر أوغاريت تتدفق فيها الكلمات كما تتدفق مياه النهر على طين المعابد:

ترنيمة مطر الحبّ
أهْـلَّ الفجر
وأشرقَ نورٌ بين الأعمدة
حيث تنبثق أصوات الطيور والرياح
فتُحيي الطين القديم وتُنقش على الحجر كلماتُ الحبّ.
أيها المطر
يا من تهبّ من السماء
انزل على سنابل قلبي كما تنزل على سنابل القمح.
اغسل الحزن واسقِ الشوق
وانثر روائح الغيم في أزقة المدينة القديمة.
أوّليست في الهواء أرواحٌ ترفرف؟
تحمل أنفاس محتضر متوجع
فتلتقي مع قلوبنا
وتهمس في مسامعنا:
"الحبّ لا يموت الحبّ يتجدد كل فجر كما تتجدد المياه في الأنهار القديمة."
يا أسلاك النفوس الخفيّة
يا خيوط نور ودمع
احملوا شكوى محبّ دنف
وامنحوا الأرواح جناحين لتطير إلى معابد الآلهة.
آه كم أنا صغير أمام عظمة الحبّ!..
كم أنا طفلٌ يلعب بين أعمدة القصر
وكم هو عظيم كالبحر الذي يضم أسرار الأرض ويشدو بألحان السماء.
أيها الحبّ كن ناعمًا كالغيوم
وقويًا كجدران القصر الملكي
وعميقًا كأنه نهرٌ لا تنتهي أعماقه
واحملني معك في رحلةٍ أبدية بين الطين والماء والريح.
بين القلوب والآلهة
بين الفجر والمعابد
حتى أصير أنا
وأصير أنت
وأصير كل ما يحلم به البشر والسماء معًا.
فلتغدو كلماتي مطرًا يروي الطين
ويزرع الحياة في القلوب
ولتظلّ التراتيل الأوغاريتية تتردد بين الجدران.
تعلن أن الحبّ ليس شعورًا فقط
بل هو نسيجٌ من الطين والريح والماء
ومن أرواحٍ تصبو إلى الفجر
إلى المعابد.. وإلى بعضنا البعض
كالأنهار التي لا تتوقف عن الجريان..
 
حي الشاغور الدمشقي
نقش مسماري في موقع الشيخ ريح وادي العاصي (وليس تل العشارنة)
مدينة النواعير في ألمانيا.. "موريندورف" Möhrendorf
من المراسيم اللافتة سابقاً في سوريا مرسوم منح «وسام الأسرة السورية»
دور العبادة في سلمية
"نيرن" اسطورة الطريق الصحراوي بين بيروت ودمشق وبغداد
دينار ذهبي من فئة خمسة دنانير سُكّ باسم أمير العراق من البويهيين العلويين
بعض العوامل التي أثرت على تطور فن الفسيفساء
آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى
من ميلانو.. تحية ووفاء لخالد الأسعد
أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها
حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت
من أين جاء المثل الشعبي الذي يقول "هذا الشخص كلامو طابو"؟