"خَبِّئ حَطَباتك الكبار لعمّك آذار"
2026.03.08
د. غسان القيم
في بيوت ريف ساحلنا السوري الأصيل القديمة حين كانت النار تسكن قلب الموقد الحجري، وكان المساء يهبط ببطء فوق التلال المبللة برائحة الصنوبر والبحر كان الكبار يرددون مثلهم العتيق:
"خَبِّئ حَطَباتك الكبار لعمّك آذار."
لم يكن القول مجرد كلمات بل كان خلاصة ذاكرة طويلة عاشها الفلاحون مع الفصول.
كان الشتاء في الساحل يمضي ثقيلاً أحياناً لكن الناس يعرفون أن برد آذار غدّار يأتي فجأة كضيف متأخر يطرق الباب حين يظن الجميع أن الربيع قد وصل.
كان الرجال في القرى يجمعون الحطب منذ الخريف يكدّسونه قرب الجدران الطينية أو تحت سقوف القرميد. وكانت الأمهات يقلن للأولاد وهم يمدّون أيديهم إلى الحطب الكبير:
اتركوه.. هذا لعمّكم آذار.
فيضحك الصغار لكنهم مع مرور الأيام يفهمون الحكمة.
في الثقافة الريفية في بلاد الشام كان الحطب يعتبر رمز الأمان الشتوي لذلك أصبح الاحتفاظ بالحطب لآذار رمزاً للحكمة والتدبير وعدم التسرّع.
فعندما تهب رياح البحر الباردة في أواخر الشتاء ويعود المطر ليطرق النوافذ الخشبية كان الموقد يشتعل من جديد بالحطبات التي صبروا عليها.
عندها فقط يعرف أهل الساحل أن الأمثال لا تولد من فراغ
إنها تولد من برد الليالي ومن صبر الفلاحين ومن خشب الزيتون الذي يعرف طريق النار جيداً.
وهكذا بقي المثل يسافر من جيل إلى جيل مثل وصية دافئة تقول لنا دائماً:
لا تستعجل الربيع فآذار ما زال على الطريق.
ومن المرجح أن سكان الساحل في العصور القديمة، كما في الأزمنة اللاحقة كانوا يدركون أن نهاية الشتاء لا تعني بالضرورة انتهاء البرد. لذلك كان من الحكمة الاحتفاظ بموارد التدفئة والغذاء حتى أواخر الموسم البارد. وهذه الفكرة نفسها التي يعبّر عنها المثل الشعبي ما زالت حاضرة في ذاكرة الفلاحين حتى اليوم.
وهكذا يكشف هذا المثل البسيط عن استمرارية لافتة في الخبرة الزراعية بين الماضي والحاضر فالحكمة التي صاغها الفلاح الساحلي في زمن قريب ربما تمتد جذورها عميقاً إلى تقاليد زراعية عرفتها المنطقة منذ زمن أوغاري.