كوميتاس.. الطفل اليتيم الذي أنقذ تراث شعبه
د. جوزيف زيتون
كوميتاس هو كاهن، عالم موسيقى، منظر موسيقي، مؤلف موسيقي، مغني، وقائد جوقة أرمني يُعتبر مؤسس المدرسة الوطنية الأرمنية للموسيقى وأحد أهم رُواد علم موسيقى الشعوب.
ترجع أهمية كوميتاس البالغة إلى قيامه بجمع وتوثيق أكثر من ثلاثة آلاف مقطوعة موسيقية فلكلورية أرمنية بالإضافة إلى المقطوعات الموسيقية الفلكلورية والدينية التي ألفها بنفسه.
علاوة على ذلك، لم يكن اهتمام كوميتاس مقتصرا على التراث الأرمني بل اهتم أيضا بالتراث الكردي ووثقه وقدم له خدمة كبيرة حيث كان أول من قام بجمع الأغاني الفلكلورية الكردية وتوثيقها في كتابه "الألحان الكردية".
وُلد كوميتاس يوم السادس والعشرين من أيلول سنة 1869 بإسم "سوغومون سوغومونيان" بمدينة كوتاهية غرب الأناضول لوالدين أرمنيين ينحدر كلاهما من ناخيجيفان وكان ابنهما الوحيد.
توفيت والدة سوغومون بعد ولادته بستة أشهر، وفي سنة 1880 فقد سوغومون والده أيضا. وهكذا، وفي سن الحادية عشرة كان سوغومون قد فقد كلا والديه وانهارت حياته العائلية والإجتماعية تماما.
في خريف 1881، وبعد عدة أشهر من فقدان سوغومون لوالده، أخذت حياة الصبي الأرمني يتيم الوالدين مُنعطفا راديكاليا.
كان الأسقف الأرمني المحلي لكوتاهية، كيفورك فارتباد تيرتساكيان، قد كُلف من طرف كرسي اتشميادزين الرسولي بإيجاد طفل يتيم جميل الصوت لإلحاقه بكلية كيفوركيان للاهوت وقد وقع اختيار الأسقف على سوغومون.
اصطحب الأسقف الطفل سوغومون إلى مدينة اتشميادزين (العاصمة الروحية للأرمن) بأرمينيا الشرقية وقدمه للكاثوليكوس كيفورك الرابع، وقد شعر الكاثوليكوس بخيبة أمل بسبب عدم تمكن الطفل سوغومون من اللغة الأرمنية لكنه سمح له بالإلتحاق بكلية كيفوركيان للاهوت بسبب جمال صوته. وهكذا وجد الطفل سوغومون الدعم العاطفي والنفسي أخيرا بعد طفولة صعبة وتعيسة.
تخرج سوغومون من كلية اللاهوت سنة 1893 وتم تعيينه مدرسا للموسيقى وقائدا للجوقة بكاتدرائية اتشميادزين، مقر الكنيسة الرسولية الأرمنية. ونُشرت مقطوعاته الموسيقية بمجلة آرارات، الصحيفة الرسمية لكرسي اتشميادزين الرسولي.
وبعدها بسنة واحدة، أي سنة 1894، تمت رسامة سوغومون كاهنا واختار لنفسه إسم "كوميتاس" تيمنا بالكاثوليكوس كوميتاس الأول آغتسيتسي من القرن السابع والذي يُعتبر أحد أهم الشعراء والمؤلفين الموسيقيين بالتاريخ الأرمني.
سنة 1894 كان كوميتاس قد انتهى من تأليف مجموعته الموسيقيّة الأولى "أغاني آكنا" والتي ضمت خمسة وعشرين مقطوعة متنوعة ما بين أغانٍ رومنسية ومعزوفات للزفاف وتهويدات وموسيقى راقصة، لكنه قُوبل بردود فعل عدوانية من قبل رجال الدين المحافظين الذين جعلوا منه مادة للسخرية وأطلقوا عليه لقب "الكاهن الذي يُغني الأغاني الرومنسية".
وبسبب ردود الفعل العدوانية من قبل رجال الدين المحافظين على مجموعته الموسيقيّة الأولى، تعرض كوميتاس لأزمة نفسية ما دفعه لمغادرة اتشميادزين إلى مدينة تبيليسي الجورجية لتجنب الانتقادات من جهة ولدراسة الهارموني تحت إشراف المؤلف الموسيقي الأرمني ماكار يكماليان من جهة أخرى.
سنة 1895، وأثناء تواجد كوميتاس بمدينة تبيليسي الجورجية، وافق رجل الأعمال الأرمني الثري إمبراطور النفط في روسيا القيصرية ألكسندر منتاشيانتس بطلب من الكاثوليكوس مكريتش الأول على تسديد نفقات دراسة كوميتاس بألمانيا لثلاثة سنوات. وهكذا غادر كوميتاس تبيليسي إلى برلين ليلتحق بجامعة فريدريك ويليام.
في برلين، خلال السنوات 1896 إلى 1899، درس كوميتاس في جامعة فريدريك ويليام على يد بعض أعظم المتخصصين في الموسيقى الفلكلورية من أمثال هينريخ بيليرمان وماكس فريدلايندير وأوسكار فليشر، وعندما قام فليشر بإنشاء فصل برلين للمجتمع الموسيقي العالمي كان كوميتاس من أنشط أعضائه وهناك حاضر كوميتاس في الموسيقى الفلكلورية الأرمنية وطور نظرياته وأبحاثه حول جذورها السابقة للمسيحية.
في أيلول 1899، عاد كوميتاس إلى اتشميادزين ليستأنف عمله كمدرس للموسيقى ويواصل التأليف الموسيقي. وقضى السنوات الستة التالية في إنهاء نظرياته وأبحاثه التي أهلته ليكون أحد أهم الرواد التاريخيين لعلم موسيقى الشعوب.
وفي الصيف كان كوميتاس يقضي وقته في الريف الأرمني، مطورا علاقة فريدة مع القرويين الذين كرس كل وقته لتوثيق أغانيهم وموسيقاهم حتى صار يعرف عندهم بلقب "الكاهن الذي يُدون الملاحظات". وقد تُوج هذا الجهد بإصداره للعديد من المجموعات الموسيقيّة الموثقة للأغاني والموسيقى الفلكلورية الأرمنية، وكان أولها مجموعة موسيقية بعنوان "ألف أغنية وأغنية".
سنة 1910 قرر كوميتاس مغادرة اتشميادزين والإنتقال إلى القسطنطينية، عاصمة الامبراطورية العثمانية آنذاك، لتقديم الموسيقى الأرمنية أمام جمهور أوسع.
وخلال إقامته بالقسطنطينية، قام كوميتاس بتدريب وتدريس عدد كبير من الموسيقيين الشباب الأرمن وقام بتشكيل جوقة مكونة من عشرات الموسيقيين الأرمن دأبت على تقديم عروضها أمام المجتمعات الأرمنية وغيرها.
في يوم الرابع والعشرين من نيسان 1915، في اليوم الذي بدأت فيه أولى فصول الإبادة الأرمنية، تم اعتقال كوميتاس رفقة 180 آخرين من المثقفين الأرمن وإرساله إلى المعتقل بمدينة جانكري شمال وسط الأناضول.
قضى كوميتاس عدة أشهر بالمعتقل، قبل أن يتم الإفراج عنه بعفو شخصي من وزير الداخلية طلعت باشا بعد تدخل الشاعر القومي التركي محمد أمين يورداكول والكاتبة القومية التركية خالدة أديب والسفير الأمريكي هنري مورغنثاو للإفراج عنه.
عاد كوميتاس إلى القسطنطينية بعد الإفراج عنه ووُضع في منزله تحت الإقامة الجبرية. وبسبب سوء المعاملة التي تعرض لها في مُعتقل جانكري والأخبار التي كانت تصله عن قوافل الموت والمذابح والتنكيل الذي يتعرض له شعبه، انهارت حالة كوميتاس النفسية والعقلية وتم نقله إثر تعرضه لانهيار عصبي إلى مشفى السلام (Hôpital de la paix) بالقسطنطينية حيث ضل طريح الفراش بالمشفى إلى غاية سنة 1919.
لم تتحسن حالة كوميتاس النفسية والعقلية خلال السنوات الثلاث التي قضاها بمشفى القسطنطينية، فجرى نقله سنة 1919 إلى باريس حيث أُودع في مصحة فيلجويف النفسية أين قضى السنوات الستة عشرة الأخيرة من حياته صامتا ممتنعا عن الكلام منهارا نفسيا وعقليا إلى أن وافته المنية يوم الثاني والعشرين من تشرين الأول 1935 عن عمر ناهز الستة والستين عاما.
بعد وفاته بسنة واحدة، تم نقل جثمان كوميتاس من العاصمة الفرنسية باريس إلى عاصمة جمهورية أرمينيا السوفييتية يريفان، أي تم دفنه في مقبرة العظماء التي سُميت "بانثيون كوميتاس" على إسمه تكريما وتخليدا لذكراه وأُطلق إسمه أيضا على كونسرفتوار يريفان.
(مع الشكر للسيدة ريم الشعار)