لم تكن الحياة الدينية منفصلة عن الحياة اليومية في أوغاريت
2025.10.05
د. غسّان القيم
في فجر التاريخ، حيث يلامس البحر الأبيض المتوسط تراب الساحل السوري، وُلدت مدينة عظيمة اسمها أوغاريت. لم تكن مجرّد مدينة قديمة، بل كانت قلباً نابضاً بالحياة، ملتقى للحضارات، وعالماً يعج بالأساطير والفلسفة والروحانية.
هنا، بين جدران البيوت الطينية ومعابد الآلهة، وبين أزقة تنبعث منها رائحة البخور واللبان، عاشت أوغاريت بوعي خاص للكون، وفهم عميق للحياة والموت، ولما بعد الموت. كانت المدينة تزدهر بالتجارة والعلم، لكنّها كانت أيضاً مدينة تتحدث إلى السماء، وتُصغي جيداً لصوت الآلهة.
كان الأوغاريتيّون شعبًا حالمًا، تأمليًا، لا يرَ في الموت نهاية، بل عبورًا من عالم إلى آخر. بالنسبة إليهم، كانت الحياة على الأرض مجرد مرحلة، وكل إنسان سيمر منها، ولكن ليس ليفنى، بل ليُبعث من جديد في عالم الآلهة، حيث تُوزن الأرواح وتُستقبل في حضرة بعل وإيل وعناة وسائر الكائنات المقدّسة.
لكنهم على عكس بعض الشعوب التي رفعت الإنسان إلى مرتبة الخلود آمنوا أن الخلود خاص بالآلهة فقط. أما الإنسان، فهو فانٍ، مآله التراب، ولكن روحه لا تذهب سُدى. كانوا يعتقدون أن للإنسان جسدًا فانياً، وروحًا ونفسًا لا تموتان. وعند الموت، يغادر هذا "الجوهر" الجسد، ويبدأ رحلة أخرى.
أقهات بن دانيال.. صوت الإنسان في وجه الخلود:
في أسطورة أقهات، نسمع صوت إنسانٍ يدرك حدوده، يرفض وعود الخلود، ويُدرك تمامًا أن مصيره التراب. تقول له الإلهة عناة:
"اطلب الحياة... أعطيك الخلود... أجعلك تعدّ السنين مع بعل، وتعدّ الأشهر مع إيل..."
لكن أقهات يرفض، قائلاً:
"لا تحاولي خداعي أيتها البتول... سأموت موتًا... وسينثرون فوق رأسي الحوارة البيضاء، وسينثرون الذهب على جمجمتي... ماذا يملك الإنسان في النهاية؟!"
في هذا النص نلمس واقعية الإنسان الأوغاريتي، وفهمه العميق لفناء الجسد، وبقاء الروح. إنه لا يُنكر الآلهة، بل يعرف موقعه في هذا الكون. يعرف أن الخلود ليس له، لكنه مؤمن بأن للموت معنى.
لم يكن الموت عند أهل أوغاريت شيئًا يُخاف منه، بل كان يُستعد له. حين يموت الإنسان، كانوا يضعون في قبره طعامه، أدواته، حتى أشياءه الشخصية، ليصحو ذات يوم ويجدها معه. كان يُدفن ومعه "عدّته" لحياة ثانية بعد الموت كان يؤمن بها..
الأوغاريتيون لم يتخيلوا الأرواح ككائنات باهتة تطوف في العدم. بل كانت الروح نحلةً مجنّحة، تطير وتعود وتتصل بجسدها، حتى بعد الموت. كانوا يعتقدون أن النفس تُغادر الجسد مع الزفير الأخير – كما لو أن الحياة هي نفسٌ طويل يُختَتم بزفرة مقدّسة.
أوغاريت مدينة للناس والالهة لم تكن الحياة الدينية فيها منفصلة عن الحياة اليومية.. كانت المدينة يوماً ما تعج بالمعابد، ليس فقط لمعابد آلهة أوغاريت مثل بعل، وإيل ودجن وعناة، بل حتى لمعابد آلهة أجنبية؛ فقد كانت مدينة منفتحة، حاضنة لشعوب من مصر وكنعان وقبرص والحثيين. وهكذا كانت الطقوس تمتزج، وتتعانق الآلهة، في مدينة تمشي فيها الأرواح جنبًا إلى جنب مع الأحياء.
الرسالة جاءت من أوغاريت.. من بين رفوف الألواح الفخارية التي خرجت من ترابها، ومن بين رماد القرابين التي قُدمت لآلهتها، ترتفع رسالة واضحة:
الموت ليس النهاية.
الإنسان ليس لحظة بل روح تبحث عن معناها في الكون.
وفي النهاية، حين يُذرى التراب على الجسد، وتُغادر النفس زافرة، تبقى الروح تحلّق، كالنحلة، تبحث عن الإله الذي سيُغني لها ويطرب..
أوغاريت.. مدينة لا تموت..رغم أن المدينة نفسها اختفت تحت التراب وراحت في سبات عميق قرونًا طويلة، فإنها حين عادت إلى الضوء ونفضتت عنها الغبار معاول التنقيبات الأثرية في القرن العشرين، بعثت إلى الحياة من جديد. عادت بلغتها، بحروفها الأبجدية بأناشيدها للآلهة، بحكمتها عن الحياة والموت.
من يعيش في نصوص أوغاريت، يدرك أنه ليس أمام حضارة مادية فقط، بل أمام فلسفة وجودية عميقة، حيث كانت الحياة وظيفة لجوهر مقدّس.. وكان الموت بابًا، لا جدارًا..
في أوغاريت، لا أحد يموت تمامًا.
الجسد يعود إلى الأرض،
لكنّ الروح تتبع النحل وتعود إلى النور.