كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أوغاريت.. حيث تهمس الحجارة بأسرار الحياة والموت

د. غسان القيم

"أوغاريت.. المدينة التي لا تزال تراتيلها تنبض في حجر الزمان.. حيث تهمس الحجارة بأسرار الحياة والموت"
****************************************
عندما تزور مدينة اوغاريت الأثرية.. وتتجول في أروقة القصر الملكي الكبير أعجوبة زمانه وتتلمّس حجارة جدرانه العتيقة التي ما زالت تنبض بصدى القرون الغابرة، وتخطو بخطوات متردّدة نحو ذلك الركن حيث يقف مذبح القرابين. إنه ليس حجراً عادياً بل بوابة صامتة بين عالم الأحياء وعالم الأسلاف، حيث كانت الطقوس تُقام لتجديد دورة الحياة.
هناك على سطح المذبح كان الكهنة يصبّون الماء والنبيذ والزيت، فتنساب السوائل نحو جوف الأرض كما لو أنها رسائل سرّية تُودَع بين يدي الأجداد الراقدين في المقابر القريبة. لم تكن تلك القرابين مجرد طقس عابر بل كانت لحظة روحية عميقة تربط الإنسان بالأرض بالمحصول وبالذاكرة التي لا تموت.
أصوات التراتيل التي تسمعها الآن من مكان ليس بعيداً عن البحر كأنها تنهض من بين الأحجار كانت تعلو يوماً في فناء المعبد ممزوجة برائحة البخور ودخان القرابين. أصواتٌ تتغنى بالخصب بالمطر وبالحياة المتجددة.. لم تكن عبادة الأسلاف والخصوبة منفصلتين في مدينة أوغاريت بل كانتا وجهين لعقيدة واحدة عقيدة ترى أن موت الجدّ ليس فناءً بل استمراراً في الأرض والزرع والمطر.
ومن حول المذبح تنتشر الأجران الحجرية غائرة كأفواه عطشى كانت تستقبل ماء الطقوس أو دم القرابين شاهدة على إيمان شعب لم يفصل بين السماء والأرض بين الماضي والحاضر بين الإنسان وأصله الأول.
إنك وأنت تقف هنا لا تسمع فقط صدى تراتيل قديمة بل تعيش لحظة لقاءٍ مع حضارة عرفت كيف تمزج بين المعتقد والواقع بين الخبز على المائدة والخصب في الحقول بين احترام الأسلاف وبناء مستقبل الأبناء.
هذه هي أوغاريت.. مدينة تروي بذاكرتها أن الطقوس ليست مجرد ماضٍ منقضي بل جذور ما زالت تسقي حياتنا ونعيش أثرها حتى اليوم..
****************************************
الصورة المرفقة بعدستي وهي موجودة في القصر الملكي الكبير.. يظهر فيها المذبح المخصص للقرابين والمقبرة الملكية مع مقعد وجرن من البازلت لغاية الاغتسال والطهارة..
*******
الطلاق في أوغاريت: حين كانت الحياة الزوجية تُحكم بالرقم والطين...
****************************************
في قلب ساحلنا السوري الجميل وتحت شمس البحر المتوسط ازدهرت مدينة أوغاريت في أواخر الألف الثاني قبل الميلاد كجوهرة على جبين ممالك الشرق الأدنى القديم التي لم تكن مجرد مدينة ذات طابع تجاري وثقافي لافت، بل كانت عاصمة حضارة عريقة صاغت قوانينها وكتبت رسائلها وحكمت علاقات شعبها فوق ألواح من الطين المشوي..
ومن بين تلك العلاقات التي حُكمت بلغة القانون كانت علاقة الزواج والطلاق. أجل حتى في زمن الميثولوجيا والأساطير كان هناك من يشتكي ومن يطالب بحقه ومن "يخسر القضية".
لم تكن الحياة الزوجية في أوغاريت تخلو من الخلافات. وقد كشفت لنا ترجمات الألواح الفخارية التي اكتُشفت في القصر الملكي في أوغاريت عن تفاصيل دقيقة تُظهر أن مسألة الطلاق لم تكن مجهولة أو مهملة.
اللوح الشهير المعروف بـ KTU 4.158 – والمحفوظ اليوم في متحف اللوفر في باريس.. يتحدث عن عقد زواج تضمن بنودًا واضحة: ما الذي يحق للزوج؟ ومتى يمكن للزوجة أن تطلب الطلاق؟ وما المصير الذي ينتظر كليهما عند الانفصال؟
فقد كان من الشائع أن يُدرج في عقود الزواج بند ينص على ما يُدفع في حال وقوع الطلاق، بل أحيانًا تُكتب الأسباب التي تبرر للمرأة الانفصال كالإهمال أو غياب الزوج لسنوات.
المثير للاهتمام أن المرأة الأوغاريتية لم تكن دومًا في موقع الضعف أو مجرد تابع ففي بعض الحالات، كما تذكر الألواح كانت هي من يطلب الطلاق، وقد تنال كامل مهرها إن أثبتت تقصير زوجها أو خيانته.
في إحدى القضايا طلبت امرأة تُدعى "أدونا" الطلاق من زوجها "إيليانو" بعد أن تزوج عليها دون رضاها. رفعت دعوى أمام الكاهن والقاضي وادّعت أنه أخلف وعده، ووفقًا للوثيقة حُكم لصالحها واستعادت مهرها بل وأكثر حين أُلزم الزوج بإعادة جزء من أملاكها التي ضمّها لنفسه.
من المثير أن نلاحظ أن الطلاق في أوغاريت لم يكن وصمة عار أو فضحية بل أمرًا عاديًا ضمن الحياة القانونية. لم يكن يُحتفل به طبعًا لكنه لم يُخفَ تحت السجادات. بل وُثّق وحُفظ وخُتم بختم القاضي أو الكاتب الرسمي. وكان كل طرف يعلم ما له وما عليه.
وقد لعب الكهنة دورًا مهمًا في هذا السياق، لا بوصفهم رجال دين فقط، بل لأنهم كانوا أيضًا قضاةً ومُوثقين يحفظون العقود ويُشرفون على تطبيق ما جاء فيها.
ربما نميل إلى الاعتقاد أن الطلاق ظاهرة حديثة مرتبطة بالحياة المعاصرة وضغوطها. لكن الطين الأوغاريتي له رأي آخر. فمنذ أكثر من ثلاثة آلاف عام كان هناك من لا يحتمل العيش تحت سقف واحد، وكان القانون الأوغاريتي حاضنًا لذلك ليس بالمثالية بل بالوضوح.
وبينما نحن اليوم نوقّع أوراق الطلاق في المحاكم كان أسلافنا في أوغاريت يوقّعونها على ألواح طينية تختم بختم العائلة وتُحفظ في أرشيف المدينة… ربما في الرف ذاته الذي وُجدت عليه نصوص أنشودة الإله بعل.
*****************************************
المصادر التاريخية التي بُني عليها البحث:
ألواح أوغاريتية من أرشيف بعثة التنقيب في رأس شمرا (KTU Texts)
دراسات عن قانون الأسرة في أوغاريت من كتابات: Jean Nougayrol, André Caquot
أبحاث حديثة في الأنثروبولوجيا القانونية للشرق الأدنى القديم...
******
حياة أهل أوغاريت.. حيث تتشابك الروح مع الطبيعة.. وأسرار خشب الأرز الثمين ونسائم هواء البحر..
*****************************************
في أزقة مدينة أوغاريت حيث يأخذنا الخيال إلى قلب هذه المدينة العظيمة ترى البيوت تمتد بألوانها الترابية تحت شمس البحر الأبيض المتوسط الذهبية كان أهل المدينة يعيشون حياة تنبض بالبساطة والجمال في آنٍ معًا. من شرفة بيتٍ صغير كان بإمكانك أن تشم رائحة صمغ خشب الأرز تملأ الأجواء كأنها تحكي قصة كل يوم جديد.
كان حرفيو أوغاريت ماهرين في تحويل خشب الأرز ذلك الخشب الصلب برائحته العطرة إلى تحف فنية تزين البيوت والمعابد. تلمس يدهم الأخشاب فتسمع صدى الزمن ينبض بين أظافرهم. كانوا يبنون الأبواب الثقيلة والتوابيت الفخمة والأثاث الذي يروي قصص الملوك والنبلاء، وكل قطعة تحمل في أعماقها رائحة الغابات البعيدة وجمال الطبيعة الساحلية.
على طول الشوارع تسمع أصوات الباعة وهم ينادون على بضائعهم ينقلون خشب الأرز ككنز من الجبال اللبنانية إلى أوغاريت عبر طرق التجارة التي كانت شرايين حياة المدينة. كانت أسواق أوغاريت تعج بالناس تتداخل فيها لهجات البحارة والتجار مع همسات قصص الأساطير القديمة التي تُروى عند المساء تحت ضوء النجوم.
وعندما تغرب الشمس كان الناس يجتمعون في ساحات المدينة يروون قصص أجدادهم الذين اختاروا خشب الأرز ليكون رمزًا للصمود والرفعة. كان الأطفال يلهون تحت ظلال أشجار الأرز تستقبلهم نسائم البحر بالبرودة والهدوء تنعش قلوبهم بأحلام عظيمة.
كان لأهل أوغاريت علاقة خاصة مع الطبيعة، فهم يعرفون أن خشب الأرز ليس مجرد مادة بناء، بل هو شريان الحياة الذي يربطهم بجذورهم بقصصهم وبأرضهم التي تمنحهم كل يوم قوة جديدة.

في كل بيت وفي كل شجرة وفي كل نفس من نسائم البحر تنبض حياة أوغاريت... حياة تتحدى الزمن، وتروي أجمل أساطير الخلود...

 
حي الشاغور الدمشقي
نقش مسماري في موقع الشيخ ريح وادي العاصي (وليس تل العشارنة)
مدينة النواعير في ألمانيا.. "موريندورف" Möhrendorf
من المراسيم اللافتة سابقاً في سوريا مرسوم منح «وسام الأسرة السورية»
دور العبادة في سلمية
"نيرن" اسطورة الطريق الصحراوي بين بيروت ودمشق وبغداد
دينار ذهبي من فئة خمسة دنانير سُكّ باسم أمير العراق من البويهيين العلويين
بعض العوامل التي أثرت على تطور فن الفسيفساء
آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى
من ميلانو.. تحية ووفاء لخالد الأسعد
أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها
حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت
من أين جاء المثل الشعبي الذي يقول "هذا الشخص كلامو طابو"؟