كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أوغاريت.. حين يهمس التاريخ من ألواح الطين

د. غسان القيم

أوغاريت... قمح الخلود ورسائل الجوع من بلاد الأناضول.. في أواخر عصر البرونز الحديث.. حين يهمس التاريخ من ألواح الطين..
****************************************
في قلب الساحل السوري الجميل وتحديدًا على أطراف تل رأس الشمرة نهضت مدينة أوغاريت من باطن التاريخ كإحدى أبهى حواضر الشرق القديم.. التي لم تكن مجرد مدينة مزدهرة أو محطة تجارية على طريق البحر، بل كانت روحًا نابضة بالحياة عرفت أسرار الزراعة وتاجرت بالحرف واللغة وغذّت إمبراطوريات بأكملها عندما شحّت السنابل وذبلت الحقول.
من بين آلاف الرقم الطينية التي اكتشفها علماء الآثار في قصور ومكتبات أوغاريت تبرز مجموعة من النصوص التي تسلط الضوء على دور هذه المدينة العظيم في إمداد مناطق واسعة من بلاد الأناضول بالحبوب خاصة القمح والشعير. هذه الحقيقة على الرغم من أهميتها لم تنل ما تستحقه من اهتمام الباحثين وكأنها تفصيلة ثانوية في سجل مدينة عريقة، بينما هي في جوهرها شهادة دامغة على دور مملكة أوغاريت الإنساني والحضاري في مواجهة الكوارث.. في ذلك الزمن الغابر
في إحدى هذه الرسائل التي ما زالت تحتفظ بنبض الاستغاثة في طينها نجد الملك الحثي يكتب إلى ملك أوغاريت دون أن يُذكر اسمه مطالبًا إياه بالانتباه لشحنة حبوب قادمة من أرض موكيش. هذه الحبوب كانت مقررة للإرسال إلى قلب الإمبراطورية الحثية، "خاتي"، عبر مدينة "أورا" الواقعة في كيليكية السورية، والتي يبدو أنها كانت ميناء استراتيجيًا في زمن الأزمات. الرسالة لم تكن عادية، فقد وصفت الشحنة بأنها "عاجلة جدًا" و"مسألة حياة أو موت" ما يعكس حجم المجاعة التي كانت تضرب الأناضول آنذاك وربما أيضًا تعكس بداية النهاية لإحدى أعظم إمبراطوريات الشرق الأدنى في نهاية 1200 قبل الميلاد.
ولا تقف الأدلة عند هذا الحد. في نص آخر مكتشف في "بوغازكوي" عاصمة الدولة الحثية، ترد إشارات واضحة إلى أزمة مجاعة ضربت "خاتي"، وهو أمر وإن لم يكن فريدًا في تاريخه إلا أن تكراره في السنوات الأخيرة من عمر الإمبراطورية الحثية ..وسط صراعات داخلية وضغوط خارجية قد ساهم في تعجيل سقوطها.
وسط هذا المشهد المضطرب لعبت أوغاريت دور الميناء المنفتح لا بوصفها مجرد محطة تجارية بل مركزًا لتنسيق وتوزيع المعونات الغذائية من داخل سورية إلى مناطق الأناضول المنكوبة مرورًا بالممرات الجبلية الوعرة في سلسلة طوروس. ويبدو أن هذا الدور لم يكن مرتجلًا بل ممنهجًا، تؤكده رسالة أخرى موجّهة إلى ملك أوغاريت يُعتقد أنها من شخصية تدعى "BGN" أحد كبار وجهاء الدولة الحثية وفيها يطلب ترتيب إرسال شحنات غذائية إلى أماكن متعددة عبر تلك الممرات الجبلية.
ورغم أن اسم الملك الأوغاريتي المعني لم يُذكر في هذه النصوص إلا أن سياقها الزمني وارتباطها بفترة تردي الأوضاع الدولية يعزز الاعتقاد بأنها تعود إلى أواخر حكم الملك "عمورابي" آخر ملوك أوغاريت الذي شهدت مملكته زلازل السياسة والمجاعة والغزوات مع اقتراب نهاية العصر البرونزي، وبروز ما يُعرف بشعوب البحر التي لا تزال حقيقتهم التاريخية موضع جدل حتى اليوم.
لكن ما لا يقبل الجدل هو أن أوغاريت حتى في أصعب لحظات التاريخ لم تنكفئ على نفسها. لم تغلق موانئها ولم تدفن غلالها. بل كانت يدها ممدودة، تغذي الملهوف، وتستجيب لصوت النداء من خلف الجبال والبحار.
هذه هي سورية… كانت دائمًا أرض بعل وأرض القمح وأرض السلام. أرضٌ إذا هطل عليها المطر نبت فيها قمح الخلود.
وها هي أوغاريت لا تزال حية تنبض في كل فلاح يحرث أرضه في كل حبة قمح تنتظر السنابل وفي كل رسالة استغاثة كُتبت يومًا على الطين لتشهد أن هذه الأرض لم تكن يومًا إلا وطنًا للعطاء..
******
من لهجة اللاذقية إلى ألواح مكتشفات أوغاريت... حكاية لسان عمره آلاف السنين..
*****************************************
حين تمشي في أزقة وأحياء مدينة اللاذقية القديمة، أو تجلس في ظل داليةٍ أو تحت شجرة خرنوب في قريةٍ من قرى جبلها الأخضر.. قد تسمع كلماتٍ لا تجد لها تفسيراً في المعاجم العربية كلمات تنساب من أفواه الناس بكل صدق وعفوية.. لكنها في الحقيقة تحمل في طيّاتها صدى حضارةٍ عمرها آلاف السنين.
أهل الساحل السوري، من جبلة إلى اللاذقية، ومن ريف الحفّة إلى قرى القرداحة، يتداولون مفردات تبدو غريبة للسامع العربي، لكنها مألوفة كأنها تنتمي إلى الجبل والبحر معاً. هذه اللهجة التي يظنها البعض مجرّد طابع محلي، هي في الحقيقة وريثة لغةٍ كانت في يومٍ من الأيام لسان أمة عظيمة: أوغاريت.
أوغاريت المدينة التي ازدهرت على الساحل السوري منذ ما يقارب 3500 سنة، لم تخلّف فقط أروع ما خطّه الإنسان على الألواح الطينية، بل خلّفت أيضاً لساناً ظلّ حيّاً مختبئاً في أفواه الناس جيلاً بعد جيل دون أن يدروا أن ما يقولونه اليوم هو ذاته ما كان يُقال في قصور ملوك أوغاريت ومعابدها...
اللغة الأوغاريتية المكتشفة في عشرينيات القرن الماضي في موقع رأس شمرا شمال اللاذقية كانت إحدى أقدم اللغات السامية كُتبت بأبجدية مسمارية فريدة مؤلفة من 30 حرفاً. ومن بين ما خلّفته هذه اللغة كلمات وتراكيب لا تزال تتردد حتى اليوم في اللهجة الساحلية، رغم انقضاء آلاف السنين.
من “بِت” إلى “إيلي”.. مفردات من عمق الزمان.. لغة لا تموت..
ومن الظواهر الملفتة التي نجدها في لهجة الساحل السوري خاصة في ريف اللاذقية هي إسقاط حرف النون.. يقول الفلاح أو الجدة العتيقة: "هاي البِت راحت"، يقصد بها "البنت". أو يقول: "آتّ ما فهمت؟" بدلاً من "أنت". و"أف" عوضاً عن "أنف"، و"حطّة" بدلاً من "حنطة".
هذه الظاهرة ليست مجرد تحريف أو تبسيط لغوي كما يظن البعض، بل تعود بجذورها إلى اللغة الأوغاريتية، التي كانت تسقط النون في كثير من الحالات اللغوية، وهو ما كشفته الدراسات المقارنة بين الأبجدية الأوغاريتية واللهجات السامية القديمة.
أما الكلمة الساحلية العجيبة “عَيّن” والتي تعني "انظر" أو "شاهد"، فتكاد تكون مفتاح الحوار اليومي. تسمعها في الأسواق وفي حديث الصيادين وعند الأطفال. يقال: "عيّن عالمنظر!" أو "عيّن شو صار!". ويرجح الباحثون أن أصل هذه الكلمة يعود إلى جذر لغوي أوغاريتي قديم يُستخدم للدلالة على فعل النظر أو المشاهدة.
"إيلي!".. نداءٌ سماوي من زمن الإله إيل.
لكن لعلّ أكثر الكلمات إثارة للاهتمام هي تلك التي يستخدمها أهل ريف اللاذقية، أو حتى المدينة، عند الدهشة أو الاستغاثة: "إيلي!"
تُقال حين يفاجئك شيء أو حين تطلب النجدة أو حين تعبّر عن الألم، أو حتى الفرح. لكن قلّة من يعرف أن هذه الكلمة ليست إلا بقايا اسم الإله "إيل"، رب الأرباب عند الكنعانيين والأوغاريتيين، والذي كان يُعبد في أوغاريت بصفته خالق البشر، وسيد السماء، ورب الدهور.
"إيلي" تعني حرفياً "يا إيل!" وهي تعادل "يا إلهي" أو "يا الله!" في التعبير الحديث. وقد كان "إيل" يُصوّر في النقوش الأوغاريتية كرجل وقور طويل اللحية يجلس على عرشٍ سماوي، يراقب البشر ويحكم في مصائرهم. لقد صعد اسمه من معابد أوغاريت إلى جبال اللاذقية، ومن أفواه الكهنة إلى ألسنة الجدّات دون أن يعرفوا أنهم ما زالوا يرددون اسم الإله الذي عبدته أمتهم الأولى.
"جابوهنّه.. ضربوهنّه": سحر "هنّه" الذي بقي في بعض حارات اللاذقية، وخاصة في الأحياء الشعبية كالصليبة والقلعة، ما زالت كلمات تنتهي بـ"هنّه" تتردد بكثرة: "جابوهنّه أخدوهنّه، ضربوهنّه".
هذه "الهنّه" الغريبة التي تضاف في نهاية الجملة، يراها بعض الباحثين بقايا تركيب نحوي من اللغة الأوغاريتية، حيث كانت تلحق بعض الأفعال والمبنيات للدلالة على الجمع أو التوكيد. ومع الوقت، أصبحت جزءاً من الموسيقى الكلامية الشعبية التي تميز لهجة الساحل السوري وتعطيها تلك النغمة الفريدة التي لا تخطئها الأذن.
ما لا تقوله الكتب تقوله الأرض. فحين تجلس على شاطئ اللاذقية أو تستمع إلى حديث الفلاحين في قرى ريفها تشعر أن الكلمات ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي امتداد للهوية، للزمن لغة القلب والذاكرة. لهجتنا الساحلية ليست مجرد طريقة في الكلام بل هي سجلٌّ حيّ لحضارة لم تمت بل اختبأت بين حروفنا.
أوغاريت، تلك المدينة التي علّمت العالم أول أبجدية ما زالت تعلّمنا دون أن ندري كيف نحب لغتنا أرضنا، وذواتنا. وحين نقول "إيلي!" أو "عيّن!" أو "جابوهنّه" فنحن في الحقيقة نهمس بكلماتٍ عمرها آلاف السنين حملها البحر وحفظها الجبل وكتبتها الذاكرة.
أوغاريت ليست مجرد أطلال منسية، بل هي حكاية عشق سرمدي لا ينتهي.. حين تزورها، وتقرأ نقوشها وتتنشق هواءها، تشعر أن بينك وبينها حديثاً لا يُقال بالكلمات، بل يُشعر بالقلب.
أوغاريت باقية ما بقيت لهجتنا ما بقيت الجدّات يرددن "إيلي!"، وما بقي البحر يهمس بلغتها كلما داعب الموج شاطئ بحر اللاذقية الأزرق...
*******
طقس الجنازة الملكية في أوغاريت: وداع الملك عميشتمرو الثالث..
*****************************************
في صمت التراب المدفون منذ آلاف السنين وفي بيت من بيوت مدينة أوغاريت ظهر رقيم فخاري صغير، لكنه كان يحمل صوت حضارة كاملة تنطق من جديد بعد أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.
هذا الرقيم الذي اكتُشف خلال أعمال التنقيب التي حصلت في تسعينيات القرن الماضي في بيت يُدعى "أورتينو" جنوب تل رأس الشمرة قرب القصر الملكي.. هذا الاكتشاف لم يكن مجرد أثر أثري بل كان نصًا جنائزيًا شعريًا نادرًا يُوثّق طقس وداع ملك أوغاريتي عظيم: عميشتمرو الثالث الذي توفي قبيل دمار أوغاريت حوالي سنة 1200 قبل الميلاد.
منذ بداية اكتشاف نصوص أوغاريت شكّلت تلك الألواح الفخارية بوابة هائلة لفهم الديانات الشرقية القديمة وتحديدًا ما يتعلق بالأساطير والعبادات والطقوس. وفي القلب من هذه النصوص، كانت الطقوس الجنائزية تحمل طابعًا خاصًا إذ لم تكن تُعنى فقط بتكريم الموتى بل بالحفاظ على الصلة بين الأحياء وأسلافهم.
وقد ظهر أن الطقوس الجنائزية الأوغاريتية كانت تُمارس بطريقتين:
الأولى: طقس لحظة التكفين طقس عرضي يتم مرة واحدة لحظة وفاة الشخص.
الثانية: طقس الموت الدوري وهو احتفال دوري يُجرى في أوقات محددة للأسلاف وما زالت تفاصيله أقل وضوحًا حتى الآن.
أما النص الذي نملكه اليوم فهو من النوع الأول طقس جنائزي لحظة وفاة الملك "عميشتمرو الثالث" وقد أوكل تنظيم هذا المأتم إلى صاحب البيت التاجر "أورتينو" الذي يبدو من خلال النص أنه كان مقرّبًا من الأسرة الملكية أو ربما من الكهنة المشرفين على هذه الطقوس المقدسة.
بحسب ما يرويه النص، يبدأ الطقس بنداء أرواح الموتى "الرفائيم" – وهم الأسلاف من ملوك أوغاريت للقدوم والمشاركة في المأتم. يُستدعى أولاً الملك الأوغاريتي المؤسس ديدانو، ثم بقية الملوك من كبار الأسلاف، من بينهم عميشتمرو الأول ونقماد الثاني (من ملوك القرن 15 ق.م تقريبًا).
الهدف من هذا الاستدعاء ليس رمزيًا فقط بل جزء من إيديولوجيا دينية راسخة في العقيدة الأوغاريتية حيث يُنظر إلى الأسلاف على أنهم كائنات إلهية تنتمي إلى الفلك الأعلى ويجب أن يُستأنَس بهم في عبور الميت إلى العالم الآخر.
تُرافق الطقس شخصية محورية: الإلهة شبش آلهة الشمس والنور والعدل والتي تعتبر في العقيدة الأوغاريتية الوحيدة القادرة على المرور بين عالمي الأحياء والأموات. وفي لحظة وداع الملك يُستدعى نورها لتضيء طريقه نحو الأعماق وتُؤمر بأن تكون "حارقة" لتطهر الأرض وتُهيئها لعبور الملك.
لكن أغرب ما ورد في النص هو تكرار فعل الدفن سبع مرات. هذا الطقس يوحي بأن جسد الملك كان يُنزل طقسيًا في حفرة (غالبًا البئر الموجود في القصر الملكي الذي يقع بجانب المقبرة الملكية) مرة تلو أخرى، بحيث في كل مرة يقترب أكثر من الأسلاف المدفونين تحته.
الملك يُغمر في التراب ليس مرة واحدة بل سبعًا وكل مرة تترافق مع أضحية ما يؤكد أن الطقس لم يكن ماديًا فقط بل رحلة رمزية تدريجية نحو الاندماج مع السلالة الملكية السماوية.
"انزل في الأرض واغطس في التراب!
تحت الرفاؤوما القدماء..
تحت الملك عميشتمرو
مثلما تحت الملك نقمادو..."
وتكرار العبارة:
"واتتم أضحيتك"
مرة... مرتين... حتى سبع مرّات
يؤكد على قدسية هذا الطقس ودقّته وعلى أن كل مرحلة كانت تمهّد للانتقال إلى المرحلة التالية من العبور.
وفي نهاية الطقس تُقدَّم طيور كقربان للهناء. لكن الغريب أن هذا الهناء لا يُطلب فقط للملك المتوفى بل أيضًا لخلفه في الحكم، وللعائلة الملكية بل ولمدينة أوغاريت بأسرها بما في ذلك أبوابها!
إنها نظرة جماعية للموت حيث لا يُنظر إلى موت الملك كحدث فردي بل كتحوّل جماعي يستدعي تجديد البركة والنظام والسلطة.
النص الأوغاريتي الجنائزي كما ورد في الترجمة إلى اللغة العربية:
أنتم مدعوون يا روفائيم الأرض
أنتم مدعوون يا مجمع ديدان
رفاؤوما مدعو
لقد نادوا الرفاؤوما القدماء
الملك عميشتمرو مدعو أيضاً
يا عرش نقماد.. ولِيَبك عليك
ولتذرف الدموع على درجاتك
أمامه لِيَبكِ على مائدة الملك
ولتبتلع الدموع!..
كوني حارقة يا شبش..
نعم كوني حارقة يا أيتها النور العظيمة
في الأعلى يا شبش عليك أن تصرخي
على إثر أسيادك انزل في الأرض
انزل في الأرض واغطس في التراب!
تحت الرفاؤوما القدماء
تحت الملك عميشتمرو
مثلما تحت الملك نقمادو
واتتم أضحيتك /تقال مرة واحدة/
واتتم أضحيتك /مرتين/... حتى سبع مرات
سنقدّم طيوراً كأضحية للهناء
هناء عمورابي وهناء بيته
هناء أوغاريت
هناء أبوابها.. (انتهى الطقس الجنائزي)
لقد كشفت لنا ألواح أوغاريت أسرارًا لا تزال تنبض بالحياة..لم تمت..فهذه الطقوس وهذه النصوص لم تكن مجرّد طقوس موت بل كانت شيفرات روح حضارة تنظر إلى العالم بنظام كوني دقيق يربط الأحياء بالأموات والملوك بالآلهة والطقس بالخلود.
وحتى اليوم لا تزال أوغاريت تعيش فينا في كلام الفلاح الذي يقول "أرضي أرض بعل" وفي كلماتنا في طقوسنا في وجداننا السوري العميق.
هكذا علمتنا أوغاريت أن الحضارات العظيمة لا تموت، بل تُدفن سبع مرات.. لتُبعث في الثامنة على هيئة نقش أو نص أو فكرة...
******
ها هو قوس النصر ينتصب شامخًا في قلب اللاذقية يلمع كبريق الذاكرة. يطل على الأحياء القديمة كحارسٍ صامت يروي حكايات الزمن البعيد. في حي الصليبة حيث يلتف التاريخ حول الأزقة الضيقة وتفوح رائحة الماضي من كل جدار. يقف هذا الأثر الباهر الذي يعرفه الناس هناك باسم "الكنيسة المعلقة".
ليس مجرد حجرٍ مرصوص أو أعمدة شاهقة بل هو صرحٌ يختزن بين أركانه رموزًا ومعاني كبرى.. كل زاوية فيه تهمس بأن هذه الأرض لم تكن يومًا عابرة في سجل التاريخ بل كانت موطن حضارة ومسرح أحداث وشاهدًا على صعود ممالك وانحسار أخرى.
أكثر من ألفي عام مرّت والعواصف تعاقبت والناس عاشوا ومضوا… أما هو فبقي صامدًا يطل على مدينته كما لو كان يذكّر أبناءها دومًا بعراقة جذورهم. ومن خلف هذا القوس تنفتح صورة سورية الحقيقية: وطن مقدس أرض شمس وسلام وبوابة محبة تطل على العالم.
سورية ليست مجرد اسم على خريطة إنها رواية ممتدة من أقدم العصور منذ أن خط الإنسان الأول آثاره على ترابها وحتى اليوم. هي مهد للأبجدية ومنبع للأساطير ودار للحضارات التي أشرقت أنوارها على الإنسانية جمعاء.
هناك، في حضن اللاذقية، يلتقي البحر بالسماء ويلتقي الماضي بالحاضر ليقول لك القوس الشامخ:
"أنا ذاكرة وطن لا يشيخ… أنا سورية".
******
أوغاريت... حين أصبح الزمن عاشقها
لم توقف أوغاريت الزمن كما يتوهم البعض، بل فعلت ما هو أعمق: جعلت الزمن يعشقها، يتوقف عند عتبتها مدهوشًا، يركع أمام مخزونها من الإبداع والمعرفة.
وهنا، عند هذه العتبة الساحرة، يقف أحد أعظم رموزها، وأحد أكثر آلهتها غموضًا وجمالًا... إنه كوثر وحاسيس.. الإله الصانع والمعماري الأعظم
قبل أن يُكشف الستار عن ألواح أوغاريت، لم نكن نعلم شيئًا عن هذا الإله العجيب. لا في الأساطير المتداولة، ولا في النقوش الأخرى، ولا حتى في ذاكرة الشعوب التي تناقلت ميثولوجياتها عبر الأجيال.
لكن حين انطلقت حروف الأبجدية الأوغاريتية من تحت تراب رأس شمرا، عادت كوثر وحاسيس إلى النور، كإلهٍ مهندسٍ، صانعٍ، حاذقٍ في حرفته، بارعٍ في ابتكاره.
لقد كانت أوغاريت مدينةً نابضة بالحرفيين والعمال المهرة، مركزًا للحِرَف المتقدمة التي لم تكن تقتصر على الاستهلاك اليومي فحسب، بل حملت في طياتها روح الفن، وأصالة الصناعة، ودقّة المعرفة التقنية.
ومن يحمي هؤلاء الحرفيين؟ من يرعاهم؟ من يمنحهم الموهبة والإلهام؟
إنه كوثر وحاسيس.
في نصوص أوغاريت، يظهر كوثروحاسيس كـ"الإله البنّاء" الذي لا يشبه أحدًا. ليس مجرد صانع أسلحة أو أدوات، بل هو من يبني معابد الآلهة وقصورهم، كالقصر الأسطوري الذي شيّده لبعل على قمة جبل صافون. قصرٌ لا من الطين ولا من الخشب، بل من معادن نادرة، مصهورة بعناية، مصقولة بدقة، مُشكّلة بروح فنان وحكمة عارف.
هو من صنع القوس الأسطوري الذي أهداه للملك العادل دانيل، والذي انتقل إلى ابنه أقهات... قوسٌ لم يكن مجرد سلاح، بل رمزًا للعدل والقوة والوراثة المقدسة.
ولم يتوقف كوثر عن صنع الجمال فحسب، بل صنع أدوات الحرب أيضًا. فقد أمدّ الإله بعل بأسلحته في معاركه الكبرى مع "يم" إله البحر، ومع "موت" إله العالم السفلي.
كان كوثر وحاسيس حاضرًا في كل صراع، وكل بناء، وكل ابتكار.
رمز الحكمة والمعرفة كوثر ليس مجرد اسم، إنه رسالة. فاسمه في الكنعانية يعني "الناجح في عمله" أو "المعلم في الصنعة"، وكأن الحضارة تقول لنا: النجاح صنعة، والعلم حرفة، والإتقان عبادة.
أما لقبه "حاسيس"، فهو ما زال حيًا في لغتنا إلى اليوم... من "الحذق" و"الحاسة" و"الحدس"، فـحاسيس تعني "الراسخ في العلم"، "العارف بحقيقة الأشياء"، "الذي لا تغيب عنه التفاصيل".
ولكوثر لقب ثالث مثير للانتباه، ورد في النصوص الأوغاريتية بصيغة "ه.ي.ن"، والتي ربطها الباحثون بالكلمة السريانية "ه.ا.و.ن"، وهي امتداد للكنعانية القديمة "هيّن"، أي "السهل"، لا بمعنى البسيط، بل بمعنى الذي لا يعجزه أمر، لأن كل شيء لديه سهل... لمعرفته العليا.
نعم، ما زلنا نقول إلى اليوم "هيّن" حين نريد التخفيف من صعوبة أمر، وربما دون أن ندرك أننا نردد صدى حضارة كانت ترى في المعرفة والتقنية سحرًا مقدسًا.
تحية إلى أوغاريت... وإلى حارس حِرَفِها الخالد
في زمن تتسابق فيه الأمم لتصنع مستقبلها، لا بد لنا أن نلتفت إلى ماضٍ كان فيه الإله نجارًا وحدادًا ومهندسًا...
ماضٍ صنع فيه الحرفيون المعابد لا بالأيدي فقط، بل بالعقول والقلوب.
تحية إلى أوغاريت، المدينة التي علّمت العالم أن المعرفة صنعة، وأن الحرفة فن، وأن الإله قد يكون معلّمًا في ورشة لا تقل قدسية عن المعبد.
وتحية إلى كوثر وحاسيس، الذي لم يكن يومًا مجرد إله... بل كان أسطورةَ الابتكار، وصوتَ الحرفة، ورمزَ الحضارة..
 
حي الشاغور الدمشقي
نقش مسماري في موقع الشيخ ريح وادي العاصي (وليس تل العشارنة)
مدينة النواعير في ألمانيا.. "موريندورف" Möhrendorf
من المراسيم اللافتة سابقاً في سوريا مرسوم منح «وسام الأسرة السورية»
دور العبادة في سلمية
"نيرن" اسطورة الطريق الصحراوي بين بيروت ودمشق وبغداد
دينار ذهبي من فئة خمسة دنانير سُكّ باسم أمير العراق من البويهيين العلويين
بعض العوامل التي أثرت على تطور فن الفسيفساء
آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى
من ميلانو.. تحية ووفاء لخالد الأسعد
أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها
حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت
من أين جاء المثل الشعبي الذي يقول "هذا الشخص كلامو طابو"؟