البيت الطيني في الساحل السوري: ذاكرةُ حجرٍ وتراب وساموك..
2025.09.25
د. غسان القيم
في قرًى ساحلنا السوري الجميل التي تغفو على حضن الجبل وتستفيق على نسيم البحر بيوتٌ من طينٍ وخشبٍ، لا يرفعها الحديد ولا تزينها الزخارف، بل تعمّدها عرق الفلاح وتكاتف الأيادي.
في تلك القرى الساحلية الوادعة لم يكن بناء البيت الطيني شأناً فردياً بل كان موسماً من المواسم تماماً كالحصاد والقطاف. حين يحين وقت التطيين أو إعادة الترميم مع اقتراب الشتاء يجتمع الرجال والنساء كباراً وصغاراً يحملون الماء والتبن والتراب ويبدأون العمل بضحكة القلب وروح الجماعة.
ذاك البيت وإن كان متواضع الشكل عظيم المعنى. كان سقفه الخشبي يظلّل الجد والحفيد، ويجمع بين الأجيال الثلاثة في حضنٍ واحد ودفءٍ واحد. يشهد ليالي السمر، وأحاديث الفجر، وأصوات المواويل الحزينة والمفرحة.
هو ذاته، كان شاهداً على قسوة الحياة وضيق اليد، حين كان الفلاح في قرى الساحل السوري يكدّ ويتعب ولا يجد إلا ما يسدّ رمقه. ومع ذلك، بقي البيت الطيني واقفاً لا ينهار إلا إذا انهار السند بين الناس
وحين يُنجز البيت ويقف شامخاً بطينته وسقفه يقيم صاحبه وليمة فرح لكل من ساعده عبارة عن طعام بسيط لكنه من القلب تتبعه سلال التين أو ما تيسّر من خيرات الأرض. لم يكن البناء حجارة تُرص بل أرواح تتآلف.
لكن، آهٍ يا زمن... اليوم يقف البيت الطيني على حافة الذاكرة. تنهشه مخالب الإسمنت والحديد وتزاحمه أشكال العمارة الحديثة التي لا تُشبه الأرض ولا أهلها. القرية ذاتها، تلك التي كانت تنبض بأصوات الحياة الريفية بدأت تخفت وتبهت شيئاً فشيئاً.
لم يعد هناك من يطين الجدران ولا من يجتمع مع الجار لصنع بيتٍ جديد. صار البيت الطيني رمزاً ماضياً لا يُذكر إلا في الأغاني والأمثال وحكايات الكبار.

حتى الأطفال ما عادوا يعرفون معنى أن يُبنى البيت من تراب الأرض ولا طعم أن تجتمع عليه الأيادي كما يجتمع النحل على زهرة.
ذلك البيت الذي ظلّ لقرونٍ نموذجاً وحيداً للعمارة في قرانا الجبلية تراجعت شمسه، وبدأت تغرب ببطء. لكنه لم يمت بعد. لا يزال في ذاكرة من عاشه وفي قلب من حمله وفي نبض التراث الذي لن يُمحى بسهولة.
فلعلّ من يقرأ هذه الكلمات، يتذكّر أن الطين لا يُدفن، بل يُخلّد.
*****
ساموك البيت... قلب الطين النابض وحنين الذكريات الدافئة..
****************************************
في زمنٍ ليس بالبعيد حين كانت البيوت تُبنى من طينٍ وماء وتُشيَّد بأيادٍ تعرف سرّ الأرض وتهمس للحجارة أن تبقى كان هناك شيء اسمه "ساموك البيت"... لم يكن مجرد عتبة ولا مجرّد حجر بل كان روح البيت، مركزه عموده الفقري ونقطة التقاء الذاكرة بالدفء.
كان ساموك البيت في البيوت الريفية القديمة موقعًا مرتفعًا قليلاً يُبنى بعناية فائقة من الحجر أو الطين المدكوك، غالبًا ما يتوسط المجلس أو المدخل أو يكون نهاية دهليز ضيق ينفتح على عالم داخلي مليء بالحياة. كان أشبه بالمنصة الصغيرة، ترتكز عليه الحياة اليومية: تُقدَّم عليه أطباق الطعام يجلس عليه الكبير قبل الصغير تُنشر فوقه الحكايات وتُحاك عنده تفاصيل الأيام.
حين يدخل الضيف، كانت عيناه تقعان أولاً على الساموك فهناك تُدار فناجين القهوة وهناك تُشعل النيران في كانونٍ صغير شتاءً أو تُصفّ أقداح الشاي بنظام لا يخلّ به أحد. الأطفال كانوا يقفزون حوله وكأنهم يدورون حول نبع والنساء كنّ يُرتبن عليه المونة والمتقمة أو يضعن فوقه أواني النحاس اللامعة بفخرٍ وعناية.
كان الساموك بمثابة مسرحٍ شعبيٍّ صغير عليه تُعرض مشاهد الحياة اليومية من فلق الصباح حتى سكون الليل. وكان كل بيتٍ له ساموكه الخاص، يميّزه عن غيره ليس في الشكل فقط بل في الذكريات التي يسكنها.
وفي المساء حين تهجع القرية إلا من نباح كلبٍ بعيد كان يُصبح مجلس الحكواتي، حيث يجلس الكبار يروون القصص والعيون تتسمر على لهيب الفانوس والقلوب تسرح مع الحكايات تتوسّد الأمل، وتسترجع زمناً كان فيه كل شيء بسيطاً... وعميقاً.
ساموك البيت لم يكن مجرد طين وحجر... كان شاهداً على الألفة على دفء العلاقات، على البساطة، على جمالية العيش بهدوء، بلا تعقيد. كان قلب البيت النابض وسرير الذكريات الدافئة، ومسرحاً صغيراً عُرِضت عليه أجمل مشاهد الطفولة والحنين.