كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

رابعانو وأكاديميته في أوغاريت

د. غسان القيّم

عندما تزور مدينة أوغاريت الأثرية وتحديداً المكان الذي يطلق عليه حي الترف يقع بيت المفكر "رابعانو" ذائع الصيت والشخصية الفكرية الأشهر في مدينة أوغاريت، الذي كشفت عنه البعثة الأثرية المنقبة في التل الاثري التي تمت في السنوات الماضية حيث. اكتشفت فيه مكتبة كبيرة احتوت على الكثير من اللوحات.. مكتوبة باللغة الآكادية والأوغاريتية، تبيّن من ترجماتها بأنها عبارة عن مراسلات دبلوماسية وملكية مع ملوك الدول والممالك التي كانت تقيم معها أوغاريت علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجارية آنذاك.... إضافة ألى رسائل موجهة الى ملكة أوغاريت /آحت ملك/ونصوص قانونية ولائحة بأسماء آلهة أوغاريت....
وفي مكتبة المثقف الأوغاريتي اكتشف وثائق عديدة تحتوي على مفردات متعددة اللغات.. وقواميس موسوعية... ونصوص لتعليمات حول فن الكتابة.. سجل باللغتين السومرية والآكادية..
وقد تم الكشف عن منزل رابعانو كاملا تجاوز عدد غرفه أربعة وثلاثون غرفة حيث تم الاعتقاد بأن صاحب هذا المنزل كان يدير أكاديمية عليا لتعليم الكتبة فن اللغات وإعداد السفراء ليتمكنوا من إجادة السفير للغة البلد المرسل إليه. وأفادت المكتشفات الأثرية أن أهل مدينة اوغاريت كانوا على تواصل مع ثماني لغات كانت متداولة آنذاك.... حيث يعود بنا الزمن إلى قلب مدينة أوغاريت هذه المدينة العريقة، التي تنفست من هواء المتوسط عبق الحضارات الأولى، ونهلت من ينابيع الفكر والكتابة أولى أبجدياتها، بزغ نجم شخصية فريدة، استثنائية في زمانها ومكانها: رابعانو، مفكر المدينة ومعلمها الأكبر، وسادن أسرار لغاتها المتعددة.
لم يكن رابعانو مجرد رجل من أهل الحبر والطين، بل كان روحًا سامية تسكن بين الألواح الفخارية والنصوص المنقوشة، ينسج من الكلمات جسورًا بين الشعوب، ومن المعاني سفنًا تعبر بحار الصمت نحو ضفاف التفاهم. في بيته، الذي كشفت عنه أنامل الزمن عبر مواسم التنقيب، لم تكن الجدران مجرد طين مجفف، بل ذاكرة حية، تشهد على حوارات الفلاسفة، ومجادلات الكتبة، وهمسات الطلاب المتطلعين إلى النور.
كان منزله أكاديمية قبل أن تُعرف الكلمة، موئلًا للعلم، وملتقى للغات، حيث يُدرَّب الكتبة على فنون الترجمة والكتابة، ويتهيأ السفراء لفهم لغات الأمم الأخرى، لا ليخاطبوا ملوكها فحسب، بل ليخاطبوا روحها وثقافتها. أدرك رابعانو أن اللغة ليست وسيلة فقط، بل مفتاح الحضارة، ومرايا الفكر، وصدى النفس الإنسانية.
في زمن كان العالم لا يزال يتعثر في نطقه الأول، كان رابعانو قد أدرك المعنى الأسمى للكلمة: أنها تحمل القدرة على خلق التفاهم، وإرساء السلام، ونقل الحكمة. لهذا عاش معلمًا، ومات إرثه حيًّا في كل رقيم، وكل نقش، وكل فكرة خرجت من بوابة أوغاريت إلى رحاب العالم.
رابعانو لم يكن فقط ابن مدينته، بل ابن الإنسانية كلها، سَبَقَ زمانه، وغرس في تراب التاريخ بذرة الفكر الذي لا يذبل...
في صباحٍ ضبابي من أيام أوغاريت، حين كان البحر يرسل نسائمه المالحة إلى شوارع المدينة الطينية، كنتَ تمشي في ممرات الحيّ الملكي متّجهًا نحو بيت رابعانو، ذاك البناء الفخم الذي لا تميّزه الزخارف بل الصمت الجليل الذي يلفّه... صمت لا يشبه السكون، بل يشبه الترقب. ترقّب الفكرة وهي على وشك الولادة.
تقترب من البوابة، فلا يستوقفك حرّاس أو كتبة، بل يستقبلك صوت خافت لتراتيل بلغة لا تميّزها فورًا... أكادية؟ حثّية؟ ربما نص من بلاد عيلام. تدخل، فترى الردهة الواسعة، المفروشة بسجّاد خشن من شعر الماعز، والجدران معلقة بألواح طينية جفّت عليها نصوص وأساطير، ترجع أقدمها إلى ما قبل جيل رابعانو نفسه.
هناك، في صدر المجلس، يجلس رابعانو، شيخ في الخمسين، ذي لحية مخضّبة بالحكمة، لا بالكحل، يضع على كتفه عباءة من الكتان الأبيض، وعينيه لا تنظران إلى المكان بقدر ما تتفحّص الزمن.
يبدأ الدرس بصوت هادئ، لكنه عميق كالبحر:
"اليوم، نقرأ نصًا وصل من بلاد الحثيين... فليبدأ كاتب الأمس بنقله."
يتقدّم شاب يافع، يحمل لوحًا لا يزال طريّ الطين، ويبدأ بالقراءة ببطء، يُخطئ في جملة، فيقاطعه رابعانو بابتسامة لا خجل فيها:
"الكلمة هنا لا تعني ملك، بل حاكم تابع. انتبهوا... اللغة ليست فقط كلمات، بل مفاتيح للسلطة."
تدور الأسئلة، ويستخرج الطلاب ألواحًا من رفوفٍ جانبية، يقارنون، يناقشون، بعضهم يدوّن، وآخرون يحاولون النطق السليم بلغات لم ينطق بها أهل أوغاريت قط... لكنهم سيتقنونها، لأنهم كتبة المستقبل، وسفراء الملك، وعين أوغاريت في العالم.
في الزاوية، تُعقد جلسة صغيرة بين رابعانو وطالبين متفوقين. يسلّم كلٌّ منهما رقيمًا. يقرأه بصمت، ثم يقول:
"أنت، يا أليانو، ستُرسل مع القافلة إلى أوار، لقد أتقنت لغة أهلها. وتعلّمت كيف تسأل، دون أن تُظهر ضعفك."
ثم يلتفت إليك، أنت الزائر، ويقول:
"هنا لا نُدرّس اللغات فحسب، بل نُعلّم كيف نفكّر بها... لأن من امتلك لغة الآخر، امتلك قلبه."
تغادر منزل رابعانو في المساء، وقد بدأت الشمس تميل نحو البحر، والضوء الذهبي ينعكس على الألواح الطينية. خلفك، لا تزال همسات الطلاب تملأ أروقة الأكاديمية، حيث لا تنام الكلمات، ولا تنتهي الدروس.
الصورة المرفقة قبر جدي المفكر رابعانو حيث دفن في نفس المنزل الذي كان يسكنه ويدير اكاديميته
حي الشاغور الدمشقي
نقش مسماري في موقع الشيخ ريح وادي العاصي (وليس تل العشارنة)
مدينة النواعير في ألمانيا.. "موريندورف" Möhrendorf
من المراسيم اللافتة سابقاً في سوريا مرسوم منح «وسام الأسرة السورية»
دور العبادة في سلمية
"نيرن" اسطورة الطريق الصحراوي بين بيروت ودمشق وبغداد
دينار ذهبي من فئة خمسة دنانير سُكّ باسم أمير العراق من البويهيين العلويين
بعض العوامل التي أثرت على تطور فن الفسيفساء
آل العمر في الدريكيش بيت القناطر وذاكرة الشماسنة ووجاهة السرايا
قالها أهل أوغاريت: حين تعانق الروحُ المطلق.. من "النفس" إلى "العقل".. رحلة الوعي السوري
أوغاريت ذاكرة الطين الخالدة.. حين نطقت القرى التابعة لها بأسمائها الأوغاريتية الأولى
من ميلانو.. تحية ووفاء لخالد الأسعد
أوغاريت.. لغز المدينة التي لم تنهض من رمادها
حينَ تكلّم الطينُ في أوغاريت
من أين جاء المثل الشعبي الذي يقول "هذا الشخص كلامو طابو"؟