متحف طرطوس أقدم كنيسة مريمية في العالم.. بنى مذبحها القديس بطرس واختفت أيقونة العذراء
رنا الحمدان- فينكس
بالتزامن مع عيد السيدة المبارك أحيا الفنان غسان صليبا وكورال المحبة قبل أيام حفلاً نادراً، وقد يكون الأول من نوعه في متحف طرطوس الذي يعد أقدم كنيسة مريمية في العالم.. سبق ذلك بسنوات السماح بإقامة بعض الأكاليل في ساحة الكنيسة التي لا تزال تحظى بمكانة دينية وأثرية عريقة في المنطقة، فيما أعيد افتتاح المتحف عام 2018 خلال مهرجان الثقافة في طرطوس، بعد أن جرى إغلاقه لعدة سنوت خلال الأزمة.
وتشير السيدة صبا عمران مديرة متحف طرطوس أن المتحف ببنائه القديم والمميز شاهد صادق على مرحلة مهمة جداً في تاريخ سوريا الساحلية، فهو الكاتدرائية الصليبية التي تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وضعت قيد الإنشاء من عام 1123م حتى عام 1130م، و بنيت على أنقاض كنيسة تعد أقدم كنيسة مريمية في العالم كرست للسيدة العذراء، فيما تذكر بعض الروايات أن السيدة العذراء والقديس بولس شاركا في بنائها، وكانت إحدى أعمدة النور في مسيرة القديس بطرس، التي قدم فيها ذبيحته الإلهية الأولى عندما كان في طريقه من القدس إلى مدينة أنطاكيا.
كما يذكر أن القديس لوقا خلف أيقونة السيدة العذراء من إبداع ريشته والتي لم يعرف مصيرها بعد أن أخذها الصليبيون معهم عندما غادروا المنطقة.. وفي عام 387م ضرب مدينة طرطوس زلزال مدمر أدى لتهدم الكنيسة وكل ما حولها باستثناء المذبح والأيقونة، ليعتبر الحادث عجائبياً، ومن ذلك الوقت أصبح الناس يتوافدون على المكان لقدسيته، ولكون الكنيسة موضع تقدير كبير فقد أطلق عليها اسم كنيسة الحجاج وسيدة طرطوس.
مراحل تاريخية:
تشرح السيدة صبا عمران مديرة متحف طرطوس أنه وعندما بدأ الاحتلال الصليبي للمدينة عام 1102م اهتمام الصليبيون بالكنيسة وظلت على حالها حتى عام 1220م، حيث تم بناء القسم الأجمل والأكبر منها وألحقت هذه الكنيسة بالكاتدرائية التي بدأ ببنائها عام 1130م. و في عام 1840م حولت الكاتدرائية إلى جامع وأضيف إليها محراب في الجدار الجنوبي للكاتدرائية ومئذنة في الزاوية الشمالية الغربية من سطح البناء، ثم إلى ثكنة للجيش التركي. وفي عام 1920م جعلها الحاكم الفرنسي مأوى للاجئين. وفي عام 1956م أصبحت متحفاً محلياً لمحافظة طرطوس وسجل أثرياً بالقرار رقم 8/آتاريخ 14/1/1958م.
الوصف المعماري للكاتدرائية:
أبعادها 40×34,5م، وارتفاعها 17م ويتراوح، وتتألف من أربعة أروقة مقببة بقنطرة نصف أسطوانية حادة تمتد نحو الشرق برواق قصير ينفتح على صدر الكنيسة بعد قبة نصفية ، كما يشير المترجم مضر ابراهيم العامل في المتحف، كذلك يوجد في كل ضلع من الأروقة الجانبية نافذة، وتنير صحن الكنيسة المركزي من الشرق نافذة المحراب، ومن الغرب ثلاث نوافذ، العليا من بينها أصغر من الاثنين الآخرين.
وبالإضافة إلى ذلك أحدثت في القرن الثالث عشر نوافذ في القبة والعليا منها مقامة في الجدار المتراجع، وتأخذ الركائز شكل الصليب مع الأعمدة على الجوانب ودعامات السقف المزدوجة، ويبرز إطار نافر على طول الجدران الشمالية والجنوبية كما في المحراب، ويضم الجناح الجنوبي خزان ماء مبني بالحجر، يصل إليه ماء المطر بواسطة ميازب ممتدة على جدار الرواق لم تزل آثارها باقية، وهي ذات ثلاثة مداخل، واحد رئيسي في الواجهة الغربية ومدخلان جانبيان ينفتح أحدهما على ذراع الكنيسة الطولاني الشمالي عن يسار الزائر الداخل إلى الكاتدرائية، وينفتح الآخر على الذراع الجنوبي للزائر، وقد زين هذا الأخير منهما بنقش ناتئ مماثل لنقش نوافذ الواجهة، كما نحتت الجوانب الظاهرة فقط من تيجان الأعمدة التي تعود إلى منتصف القرن الثالث عشر أو بعد ذلك ببضع سنوات، ونمط جميع تيجان الأعمدة هو نمط كورنثي مع وردة "النسرين" في الوسط يحل محلها أحياناً رأس بشر صغير لقديس أو لأبطال بعضهم بأجنحة، ويوجد تاجان اثنان بورق ((الأكانت)) الشديد التقطع، والأغلبية قائمة في صفين بأوراق عريضة. ونجد على التيجان الأخرى ثلاثة أو أربعة صفوف من الأوراق الصغيرة المنحنية، وأما تيجان الأعمدة التي تعلو القاعدة المكعبة فتحمل الطابع الروماني ولكنها أكثر تطوراً ونشاهد عليه الأقواس المعقوفة، أما القباب الزوايا البارزة للأروقة الجانبية فمنحوتة بشك بارز بأوراق أشجار، ويرجع تاريخها إلى القرن الثالث عشر ميلادي. وفي صدر الهيكل الشمالي خمس صور منحوتة بشكل بارز، أحدها تمثّل حمامة الروح القدس، والأربعة الأخرى تمثّل رموزاً لأصحاب الأناجيل الأربعة، وتتخلل جدران الواجهة الرئيسة للكاتدرائية نوافذ ثلاث تعلو المدخل الرئيسي لها وأقواس هذه النوافذ محمولة على أعمدة يتألف كل منها من قطعتين مرتبطتين بحلة وسطية، وتوجد نافذتان مماثلتان أخريان وكلها تضيء أذرع الكنيسة وهذه النوافذ الخمس مزدانة بتيجان جميلة.
كما يلحظ برجين مستطيلين على زوايا طرف الكنيسة في كل منها حجرة تستخدم للتعبد وللدفاع معاً ويتم الوصول إلى الطابق العلوي للبرج الشمالي الشرقي عن طريق سلم حلزوني ودهليز أقيما في جدار الهيكل، وخلف الواجهة الشمالية توجد حجرة مقببة ذات زوايا نافرة تحملها قناطر عند مستوى الأرض وفي أعلاها نوافذ مستطيلة ويقود السلم إلى ظهر المعبد.
وقد قام البابا "كليمونت الرابع" بتقوية طرف الكنيسة (خلف المذبح الكبير) والبرجان، كما زاد سمك صدر الكنيسة المركزي بحائط مستطيل، وتبرز نتوءات زوايا متوسطة بين البرجين، ويعتقد أنه تم بناء برجين على الواجهة الأمامية للكاتدرائية وبهذا تظهر كاتدرائية طرطوس بأبراجها الأربعة بمظهر قلعة طولها40م وعرضها 27م.
محتويات المتحف:
يحتوي المتحف حالياً معروضات أثرية داخل مبنى الكنيسة، ومعروضات في حديقة المتحف. وبالنسبة لما هو موجود ضمن المتحف، فهو موزع ضمن خزائن ومعروضات إفرادية مرتبة حسب المواقع من مجموعة تماثيل رجال ونساء يقدمون قرابين لآلهة المعبد جلبت من منطقة عمريت (ماراتوس) في القرن الخامس الرابع قبل الميلاد، و مجموعة أدوات برونزية وفخاريات وأختام من موقع تل كزل من العصور الحديدية والفارسية والهلنستية، وقوارير وأباريق وأكواب وفخاريات وسرج تعود إلى العصور اليونانية والرومية والبيزنطية (المنطقة الساحلية)، ومجموعة من القطع الأثرية المصادرة ، مع ثلاث لوحات فسيفسائية من العصر الروماني هي: بوسيدون إله البحر، راع أمام قطيعه، وامرأة في وضعية الجلوس تمثل إلفيوس ربة الخصب والطبيعة تحمل بيدها اليمنى قرن الخصب، وهذه اللوحات من منطقة جبلة، وصولاً للرب بعل الفينيقي إله المطر والسحاب والعاصفة من الحجر البازلتي الأسود، يعود إلى القرن الثامن ـ السابع قبل الميلاد من منطقة قدموس (القضبون)، وتابوت رخامي روماني من القرن الثاني الثالث الميلادي، نقش عليه في الوسط ايروس إله الحب والإله ديونيسيوس إله الخمر على الزاويتين الداخليتين، أما الخارجيتين فيوجد نقش الربة أثينا إلهة الحرب، ومجموعة هامة من التوابيت الإنسانية الشكل منها رخامي تعود إلى نهاية القرن الخامس – بداية القرن الرابع قبل الميلاد، وواحد من حجر البازلت ما زال قيد الدراسة.