كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل للأمويين فضل بنشر الإسلام في بلاد الشام وعروبتها؟

أحمد الرمح
يدَّعي أحداثُ الأسنان من الأمويين الجدد؛ الذين يهرفون بما لا يعرفون بعد سقوط الأسد وسيطرة السلفية عليها؛ عن عودة الشام إلى الأموية! كما يدعي صبيان بني أمية الجدد اليوم أن الأمويين الأوائل بعد أن استلموا السلطة في بلاد الشام، جعلوها عربية/مسلمة! وهذا كذب وتزييف للتاريخ، ومخالف لكتب التاريخ كلها!
أقول جواباً على هذا الادعاء:
بدأ الفتح الإسلامي لبلاد الشام سنة 634 م تقريباً، وسقطت دمشق سنة 635/636 م، واكتمل إخضاع معظم بلاد الشام للعرب الفاتحين بحلول نحو 640م؛ بعد أنْ كانت خاضعة للبيزنطيين؛ لكن سكان بلاد الشام المسيحيين لم يتحولوا جماعياً إلى الإسلام عند وقوع الفتح! إنما بعد قرون منه!
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التحول الديني كان عملية تدريجية امتدت عدة قرون! بل إن دراسات عن التحول الديني في بلاد الشام معتمدة على مصادر عربية وسريانية تؤرخ للفترة من 640–850 م تؤكد أن المسيحيين ظلوا الأكثرية ببلاد الشام خلال القرون الأولى للحكم الإسلامي.
إذن؛ من القرن السابع الميلادي قرن الفتح؛ إلى القرن الحادي عشر ميلادي؛ أي بعد مرور نحو خمسة قرون بقي المسيحيون أغلبية! وعلى يد الفاطميين والسلاجقة والأتابكة الذين حكموا بلاد الشام ما بين القرن العاشر والقرن الحادي عشر ميلادي؛ باتت الأكثرية مسلمين!
كما بقي أهل الشام يتكلمون السريانية ستة قرون بعد الفتح الإسلامي!!! وتوضح البحوث ذات الشأن أن السريانية كانت اللغة الأدبية الرئيسة لسكان بلاد الشام، واستمر استخدامها بعد الفتح العربي كلغة أدبية حتى القرن الثالث عشر ميلادي وما بعده! كما تقول الباحثة "كلوديا سيانكاغليني".
واستمرت المؤسسات والإدارة لبعض الوقت تستخدم اللغة اليونانية التي كانت لغة رسمية مستخدمة في المراسلات الرسمية في بلاد الشام؛ حتى عهد الخليفة الأموي "عبد الملك بن مروان" الذي أمر بتعريب الإدارة والمراسلات بالدواوين فقط، ويؤرخ عادةً لتعريب الديوان في الشام إلى حوالي 700م. واستغرق انتقال العربية من لغة الوافدين والإدارة إلى لغة غالبية السكان زمناً طويلاً.
نعم كان هناك عرب (الغساسنة) في جنوب بلاد الشام والبادية السورية قبل الإسلام بقرون، كما كان هناك آراميون/سريان وغيرهم، وبعد الفتح ازداد وجود القبائل العربية، ثم انتشرت العربية بين السكان المحليين، فتعريب بلاد الشام كان في جانب كبير منه تحولاً لغوياً وثقافياً للسكان المحليين، بالتوازي مع استقرار جماعات عربية وازدياد نفوذ الثقافة العربية الإسلامية.
أما الغساسنة فكانوا سلالة عربية مسيحية ارتبطت بالإمبراطورية البيزنطية، وكان مركز نفوذهم في مناطق بجنوب بلاد الشام وشرق الأردن وأطراف البادية السورية. وقد استخدمهم البيزنطيون كحلفاء وقوة حدودية في مواجهة القبائل العربية المرتبطة بالساسانيين لا سيما "اللخميين/المناذرة"! وفي القرن السادس تحديداً برز "الحارث بن جبلة" "الحارث الغساني" الذي نصّبه الإمبراطور البيزنطي "جستنيان" ملكاً/زعيمًا للغساسنة حوالي 529/530م، وكان يقدم للبيزنطيين قوات كبيرة؛ ويشارك معهم في حروبهم.
ولم يظهر شاعر سوري الأصل؛ عربي اللسان في بلاد الشام حتى منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع ميلادي قبل "أبي تمام" (188- 231 هـ / 803- 845 م) حيث كان أهل الشام يتكلمون السريانية واليونانية؛ وليس العربية! و"أبو تمام" المولود في مدينة "جاسم" من "حوران"، من أبرز الشعراء العرب المولودين في بلاد الشام، وأبوه كان مسيحياً اسمه "تدوس" أو "ثادوس". وهو أول شاعر شامي/عربي ينظم الشعر بالعربية!
وأما شعراء العصر الأموي، كالشاعر "جرير" فهو من بني تميم من اليمامة بالجزيرة العربية! والشاعر "الفرزدق" من بني تميم أيضاً، لكن من البصرة بالعراق! والشاعر "الأخطل: من تغلب، وُلد في الحيرة بالعراق! وهؤلاء الثلاثة سبقوا "أبا تمام" بنحو قرن ونصف تقريباً! لكنهم ليسوا سوريين! إذن؛ "أبو تمام" أول شاعر سوري ينظم الشعر العربي في بلاد الشام؛ وظهر بعد الحكم الأموي. فدَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّة عاشت (41 - 132 هـ/ 662 - 750 م)
وبالتالي نستطيع القول: لم يكن الفتح الإسلامي لبلاد الشام مرادفاً لتحول سكانها إلى الإسلام؛ فقد بقيت جماعات مسيحية كبيرة قروناً بعد الفتح، كما استمرت اللغة الآرامية والسريانية في الاستعمال إلى جانب اليونانية والعربية. وكان تعريب الإدارة والدواوين في العصر الأموي مرحلة مهمة من مراحل التحول اللغوي، لكن انتقال السكان المحليين من لغاتهم السابقة إلى العربية كان تدريجياً واستغرق أجيالاً وقروناً.
إذن؛ الأمويون الأوائل ليس لهم فضل في إسلام بلاد الشام؛ ولا في تعريبها! إنما كانوا منشغلين بالغزو والنهب والسلب والجنس والجواري وقتل أحرار الإسلام ــ استثني منهم الشهيدين "معاوية بن يزيد" و"عمر بن عبدالعزيز" اللذين تم اغتيالهما من قبل الأسرة الأموية ــ وجرائم الأمويين الأوائل أثناء فتح مصر وشمال أفريقيا (ليبيا والقيروان والجزائر) وكذلك جرائمهم بأهل النوبة بالسودان؛ لا ينكرها إلا جاهل بالتاريخ. وما قصة الملكة الجزائرية "ديهيا" الأمازيغية إلا شاهداً على غدرهم ووحشيتهم.
ولكن الأمويين الجدد لا يقرأون! وإذا قرأوا لا يفهمون. فما بين الفتح والتعريب والأسلمة مرت بضعة قرون!
بتصرف من بحث لي لم ينشر بعد بعنوان (هل سنعتذر يوماً عن الفتوحات الإسلامية؟!)
هل للأمويين فضل بنشر الإسلام في بلاد الشام وعروبتها؟
من العبء إلى البناء "الخدمة المدنية الوطنية للشباب" خيار استراتيجي لتطوير الوعي
فداء ورُلى.. امرأتان من حماة… من دون هويّة سنّية
بين استعراض التحالفات وواقعية الحروب: قراءة نقدية في أفق "الاتفاق الثلاثي" والنموذج الأوروبي
بورقيبة وماركس.. عندما يظلم العصر عباقرته
الليرة السورية.. بين ذكريات القوة وتحديات الإصلاح النقدي
تجميل العجز.. أزمة الإدارة المحلية في سوريا (حماة نموذجاً)
مسألة السلم الأهلي في سوريا بين التنظير والتدبير
دعوة لفهم آليات الإبادة
الأول من حزيران 1976: عندما دخل الأسد إلى لبنان.. هل أنقذ دولة أم فتح باب المأساة؟
حول فيضان نهر الفرات
استسلام المهيمن
أضواء في متاهات
إلى وليد بيك جنبلاط.. (من ضميره لا من ضمير حافظ الأسد)
‏ذكرى شهداء أيار قيم الاجداد لا تمحوها رياح الظلم