أضواء في متاهات
2026.05.20
يوسف زيدان
أراد «عمر بن الخطاب» أن يقتل حاطب بن أبى بلتعة، بعدما اعترف، ولكن النبى منعه، لأن «حاطب» شهد موقعة بدر.
——————————————-
قليلٌ من الناس يعرفون أن النبى، على الرغم من تسامحه مع أهل قريش وغفرانه لهم يومَ فتح مكة، دعا فى ذلك اليوم إلى قتل أربعة رجال وامرأتين (حتى وإن تعلَّقوا بأستار الكعبة) فكانت إحدى المرأتين هى «أمُّ سارة»، التى تجسَّست على المسلمين قبيل الفتح، وكادت تنقل إلى أهل مكة تحذير «حاطب بن أبى بلتعة» للمشركين بأن النبىَّ قادمٌ إليهم على رأس جيش،
حين بدأ النبى (صلى الله عليه وسلم) التجهيز العسكرى لاقتحام مكة، وهو الأمر الذى سوف يُعرف لاحقاً بفتح مكة، أرسل «حاطب» إلى أهل مكة تحذيراً مكتوباً، بعث به مع امرأة خرجت سرًا من المدينة (يثرب) إلى مكة، غير أن النبى أدرك الأمر وطلب من الإمام علىّ بن أبى طالب والمقداد بن الأسود والزبير بن العوام، أن يخرجوا إلى الصحراء بحثًا عن تلك (الإخبارية) المرسَلة سرًا، فخرجوا حتى أدركوا المرأة (الجاسوسة) بموضعٍ فى الصحراء، اسمه «روضة خاخ»،
وهدَّدوها حتى انتزعوا منها الرسالة التحذيرية، وعادوا بها إلى النبى فاستدعى (حاطب) وقام فى حضور جمعٍ من الصحابة بمواجهته بالأمر، فلم ينكر حاطب فعلته، واعتذر بأن له أقارب فى مكة، فأراد أن يكسب مودة الناس هناك بتحذيرهم، خشيةً منه على أهله الذين يعيشون بينهم. وبالطبع، ومثلما هو معتاد فى مثل تلك الوقائع، فقد أراد «عمر بن الخطاب» أن يقتل حاطب بن أبى بلتعة، بعدما اعترف، ولكن النبى (صلى الله عليه وسلم) منعه من ذلك، لأن «حاطب» شهد موقعة بدر.
وأهل بدر لهم مكانة خاصة عبَّر عنها الحديث النبوى: «لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فإنى غافر لكم» (حديث صحيح، أورده البخارى ومسلم وغيرهما) ثم نزلت آية قرآنية بسبب هذه الواقعة، تشهد لحاطب بالإيمان، هى قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء..» وفى تلك الحكاية أمورٌ لافتة للنظر، مع أن معظم المصادر التاريخية (التراثية) وكتب السيرة تذكرها.. فمن ذلك:
_ أن المسافة بين مكة والمدينة طويلة جدًا، تعد بمئات الكيلومترات، فكيف لامرأةٍ أن تخرج منفردةً لتقطع وحدها هذا الطريق الموحش، الذى لا يخلو من وحوش الليل وهجير النهار.
_ ومن ذلك أن المسالك من المدينة إلى مكة متعدِّدة، وليس من المنطقى أن يخرج ثلاثة من الرجال، معًا، للبحث عن أمر مهم فى هذه الصحراوات الشاسعة.
******
عظم عبدالملك بن مروان، شأن الصخرة، وجعل عليها الكسوة، ليكثر قصد الناس لبيت المقدس فيشتغلوا عن قصد الزبير، والناس على دين الملك .
——————————————————
كان هذا الخليفة الأموى، عبدالملك بن مروان، هو الذى بنى قبة الصخرة فى القدس التى كان اسمها إيلياء، التى كان اسمها أورشليم، التى كان وصفها العبرى: بيت عمقداش «بيت المقدس» لتحويل القداسة من منطقة الحجاز إلى مكان آخر، قريب من دمشق (العاصمة الأموية).
وذلك بعد أن هدم الكعبة الشريفة مرتين وقصفها بحجارة المنجنيق المشتعلة؛ بسبب صراعه على السلطة مع "عبد الله بن الزبير بن العوام" وابن ذات النطاقين "أسماء بنت أبي بكر"، وقد كان أول مولود للمسلمين في المدينة (يثرب)، التي قتل الأمويون أهلها واستباحوا حرمتها، وانتهكوا عرض نسائها المسلمات، من أجل الوصول إلى السلطة السياسية.
يقول ابن تيمية فى كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم» ما نصه: كانت الصخرة مكشوفة، ولم يكن أحد من الصحابة ولا ولاتهم ولا علمائهم يخصها بعبادة، وكانت مكشوفة فى خلافة عمر وعثمان، رضى الله عنهما، مع حكمهما على الشام، وكذلك فى خلافة على، رضى الله عنه، وإمارة معاوية وابنه وابن ابنه «لاحظ هنا أن ابن تيمية لا يريد ذكر أسمائهم» فلما كان زمن عبدالملك، وجرى بينه وبين ابن الزبير من الفتنة ما جرى، كان هو الذى بنى القبة على الصخرة، وقد قيل إن الناس كانوا يقصدون الحج فيجتمعون بابن الزبير أو يقصدونه بحجة الحج، فعظم عبدالملك شأن الصخرة بما بناه عليها من القبة، وجعل عليها الكسوة فى الشتاء والصيف، ليكثر قصد الناس لبيت المقدس فيشتغلوا بذلك عن قصد الزبير، والناس على دين الملك، وظهر فى ذلك الوقت من تعظيم الصخرة وبيت المقدس، ما لم يكن المسلمون يعرفونه بمثل هذا «يقصد: الأحاديث النبوية» وجاء بعض الناس ينقل الإسرائيليات فى تعظيمها، حتى روى كعب الأحبار عن عبدالملك بن مروان، وعروة بن الزبير حاضر: إن الله قال للصخرة «أنت عرشى الأدنى» فقال عروة: الله يقول «وسع كرسيه السماوات والأرض» وأنت تقول إن الصخرة عرشه! ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة ولا كان الصحابة يعظمونها، وهى قبلة اليهود، فلم يبق فى شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم «شرعى» كما ليس فى شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت، وفى تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود.
انتهى كلام ابن تيمية، ثم عاد فى آخر الصفحة رقم 820 من كتابه المشار إليه، فقال ما نصه: وقد صنف طائفة من الناس مصنفات «مؤلفات» فى فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التى بالشام، وذكروا فيها من الآثار «الأحاديث» المنقولة عن أهل الكتاب وعمن أخذ عنهم، ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم، وأمثل «أوضح مثال» من يُنقل عنه تلك الإسرائيليات، كعب الأحبار، وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيراً من الإسرائيليات، وقال معاوية: ما رأينا فى هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا نبلو عليه الكذب أحياناً.
ثم يشير ابن تيمية إشارة ذكية إلى نقطة دقيقة، خلاصتها أن الأحاديث النبوية المروية فى فضل الشام وبيت المقدس والصخرة، فيها اختلاف كثير وكذب! وأن المسلمين الأوائل من الصحابة والتابعين لم يأت واحد منهم للصلاة فى بيت المقدس أو الدعاء.. يقول ابن تيمية فى الصفحة ٨٢٣ بالنص: ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلاً.
فهل نريد مزيد أدلة على أن المسألة المقدسية، كانت منذ يومها الأول مجرد استعمال سياسى للدين، أو هى بعبارة أخرى: لعب بالدين فى ميدان السياسة.. ولسوف يقول بعض المعترضين، والمعارضين، كيف يمكن نزع القداسة عن بيت المقدس والمسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهناك ما لا حصر له من أحاديث نبوية تؤكد هذه القداسة؟
ولهؤلاء نقول، ورد في كتاب الإمام ابن قيم الجوزية «المنار المنيف فى الحديث الصحيح والضعيف» حيث يقول فى صفحة 63 وما بعدها، ما نصه: وكل حديث فى الصخرة، فهو كذب مفترى، والقدم «أثر النبى» الذى فيها كذبًا موضوع «مختلق» مما عملته أيدى المزورين، وأرفع شىء فى الصخرة، أنها كانت قبلة اليهود، أبدل الله بها الأمة «الإسلامية» الكعبة، البيت الحرام، وقد أكثر الكذابون من الوضع «الدس والكذب» فى فضائلها وفضائل بيت المقدس.