بورقيبة وماركس.. عندما يظلم العصر عباقرته
2026.08.03
فراس حمدون
خلافا للحقائق الفيزيائية، فالمتر والدرجة المئوية أدوات قياس ثابتة لا تتغير، تخضع الأفكار المستقبلية لمسار معقد من ثلاث مراحل:
1. الولادة: تولد الفكرة فتأخذ أحد مسارين: التخوين أو التقديس.
2. التطبيق: يشهد غالبا تشويه الفكرة وتفريغها من مضمونها، أو تطبيقها المثالي وتحديثها.
3. المحاكمة: مرحلة متأخرة تتم في غير زمانها، لإعادة النظر فيها وفي صاحبها بناء على نتائج التطبيق.
وهنا تكمن إشكالية الفكر الإنساني والفصل بين عبقرية النظرية وأخطاء المنفذين. الخطأ الذي نقع فيه هو استخدام "مساطر فيزيائية جامدة" لقياس "كائنات فكرية مرنة".
قيمة الفكرة لا تقاس بنتائجها المباشرة فقط، بل بمعادلة ثلاثية:
1. ظرف الولادة، 2. جوهر النظرية، 3.أثر التطبيق.
دراسات حالة: بين التقديس والتخوين
1. كارل ماركس: من التمجيد إلى اللعنة
شرارة الفكرة: قدم ماركس تحليلاً فلسفياً واقتصادياً عميقاً لمشاكل العصر الصناعي واستغلال الطبقة العاملة في القرن التاسع عشر.
التطبيق المشوّه: تحولت الفكرة من نقد فلسفي إلى عقيدة صلبة (الستالينية) ونظام شمولي قمعي، مما أدى في النهاية إلى انهيار المنظومة السوفيتية واصطدامها بطريق مسدود.
محاكمة التاريخ: حكم الكثيرين على الفكرة كاملة بالفشل منذ نشوئها وليس التطبيق.
2. حبيب بورقيبة 1965م: الواقعية التي اتهمت بالخيانة
شرارة الفكرة: في "خطاب أريحا" عام 1965م، أطلق الرئيس التونسي حبيب بورقيبة رؤية استشرافية تدعو العرب إلى التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي بواقعية سياسية، عبر القبول بقرارات الشرعية الدولية (قرار التقسيم) كحل مرحلي يراعي موازين القوى.
الرفض والتخوين: قوبلت الفكرة بصدمة شديدة من الوعي الجمعي العربي الحاكم حينها؛ اتُهم بورقيبة بالخيانة، والعمالة، والجنون، وجرى رفض الفكرة وإغلاق باب مناقشتها تماماً.
إعادة القراءة عبر الزمن: بعد عقود من التحولات السياسية وخسارة الكثير من المعطيات، يرى العديد من المحللين أن طرح بورقيبة لم يكن خيانة، بل كان قراءة استشرافية دقيقة لموازين القوى.
الخلاصة المختصرة:
محاكمة المفكرين بأدوات غير عصرهم قصور معرفي. التاريخ لا يتقدم باللعنات. الحل يكمن في شجاعتنا على تحويل الفكرة المظلومة وتكييفها بظروفها الزمانية والمكانية وبأدوات معاصرة، وهذا وحده كفيل بحل كثير من إشكاليات عصرنا. فالأفكار ليست مقدسا ولا رجسا، بل بذور إن أعيدت زراعتها بوعي، أثمرت.