كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عندما اعتقلوا طلّاب مدرستنا لمعارضة بعضهم لأديب الشيشكلي

صفوان زين

نحن في مطلع شهر شباط من العام ١٩٥٤ في ثانوية البنين باللاذقية (التجهيز سابقاً وجول جمال لاحقاً) الصف الحادي عشر اجتماعيات، الحصة الصباحية الاولى لغة إنكليزية، المدرّس جميل طرنجان. لم تكن مضت سوى دقائق معدودة على استهلال المدرّس لدرسه عندما اقتحم جنود مدججون بالسلاح صفَّنا وكافة صفوف المدرسة في وقتٍ واحد، بعد ان طوَّق رفاق لهم في الخارج المدرسةَ من جهاتها الأربع.
أُصبنا جميعاً بالدهشة والذهول المقرونَين بشيء من الرعب. حاول مدرّسنا الاحتجاج، فانتهره الجنود بصفاقة، انسحب على اثرها الى قاعة الأساتذة للتداول مع زملائه فيما يجري.
أمَرَنا الجنود أن نهرول الى الباحة، ومنها الى الخارج حيث كانت تنتظرنا سيارات شحن عسكرية مغلقة تم حشرُنا فيها أكواماً.
انطلقت بِنَا الشاحنات بأقصى سرعتها الى وجهة لم يُفصَح عنها بطبيعة الحال. كنّا نتأرجح داخل السيارات مع كل انعطافة الى اليمين أو اليسار في جوٍ طغى فيه المرح والحبور على رعب المفاجأة الأولى.
توقفت السيارات بعد انطلاقها بفترة وجيزة. قفزنا منها الى باحة ثكنة عسكرية، ومنها الى غرف صغيرة متجاورة حُشرنا داخلها كالسردين. سرعان ما تبين لنا بأننا قيد التوقيف في ثكنة صلاح الدين الأيوبي ليس بعيداً من مدرستنا.
ساد الهرج والمرج داخل غرف التوقيف، وشرع البعض يصدح بالأناشيد الوطنية، إنما لم يجرؤ احد على إطلاق أية هتافات استفزازية.
بعد مضيّ حوالي الأربع ساعات كنّا معزولين خلالها تماماً عن العالم الخارجي، أُمرنا بالخروج الى باحة الثكنة والوقوف وقفة استعداد في صفوف متراصّة محاطين بالجنود من كل جانب.
خرج إلينا من داخل الثكنة ضابط كبير تتلألأ النجوم على كتفيه تبين لنا بأنه قائد المنطقة الساحلية العقيد عبد الجواد (أو عبد الاله) رسلان. كان محاطاً بباقة من ضباط اقل منه شأناً ورتبةً. ألقى فينا كلمةً مرتجلة مليئة بالتهديد والوعيد ثم استلَّ من جيبه لائحةً قرأ منها أسماء حوالي العشرين طالباً أبقى عليهم قيد التوقيف وأفرج عن الباقين وكانوا بالمئات وكنتُ واحداً منهم بطبيعة الحال.
حاولنا تشكيل تظاهرات طيارة في ساحة الشيخضاهر وتفرعاتها تضامناً مع من بقي موقوفاً، إلّا ان الشرطة طاردتنا وفرقتنا. أثناء ذلك كان الجوع قد بلغ منّا الأوج، فتوزعنا على بائعي الفلافل في شارع هنانو ونقطة البوليس والتهمنا ما تيسر من الساندويشات بشهية نضالية لا تُقاوَم! (كانت أشهى فلافل تناولتها في حياتي).
حاول البعض منّا من ذوي البأس تهريب بعض الفلافل الى الرفاق الموقوفين داخل الثكنة إلّا أن محاولتهم باءت بالفشل. تفرقنا وعاد كل منّا ادراجَه الى بيته كي يلقي على مسامع أهله وإخوته دروساً في الكفاح من اجل الحرية استوحاها من تجربة سجنٍ لم تدم سوى اربع ساعات!
أما القلّة التي استمر توقيفها، فكانت تضم في الواقع المجموعةَ الأكثرَ عناداً وصلابة ضمن الجسم الطلابي المتعدد الانتماءات الحزبية والموحد في عدائه الشديد لنظام أديب الشيشكلي.
لم يَطُل اعتقال رفاقنا سوى بضعة ايّام، عادوا بعدها الى استئناف سيرتهم المعهودة في التحريض على الإضراب والتظاهر ضد الحاكم الذي اعلنها حرباً شعواء على الأحزاب والطلاب. ُ
ظهر يوم الخميس ٢٤شباط من العام ١٩٥٤ اقتحمت مفرزة من الجنود على رأسها الضابط البحري عدنان لوستان المدرسةَ الى باحتها، حيث ألقى خطاباً حماسياً في جمعٍ غفير مبتهج من الطلاب والأساتذة أعلن فيه انضمامَ المنطقة الساحلية الى المناطق الشمالية والوسطى والشرقية في الانقلاب العسكري الذي اكتملت عناصره في الْيَوْم التالي ٢٥شباط١٩٥٤ بانضمام العاصمة دمشق الى الانقلابيين.
كان الانقلاب العسكري الرابع في تاريخ سورية منذ الجلاء، وهو الانقلاب الذي أعاد الحياة الحزبية بكافة تلاوينها الى مسرح السياسة السورية بعد ان كان الشيشكلي قد ألغاها، لكي تُلغى للمرة الثالثة وبكافة تلاوينها أيضاً مع قيام دولة الوحدة في شباط ١٩٥٨.
لن اختم دون الإشارة الى ان فترة السنوات الأربع الفاصلة بين سقوط الشيشكلي في شباط ١٩٥٤ وقيام الوحدة في شباط ١٩٥٨ قد شهدت ذروةَ الحراك السياسي والحزبي الداخلي وذروة الصراع الإقليمي والدولي للسيطرة على سورية في الوقت ذاته.
أما مدرستنا فقد شهدت تحولاً ذَا مغزى تَمَثّل أولاً في اغلاقها لمدة شهر واحد لإعادة ترتيب أوضاعها في ضوء التطورات الحاصلة، وتَمَثّل ثانياً في استقالة مديرها المخضرم حكمت خواج الاداري العتيق المتحدر من عهد الانتداب كي يحل محلّه الشاب اليافع صبري بستنجي مدرّس الرياضيات ذو التوجه العروبي والتقدمي، في خطوة سرعان ما اتضح بأنها لم تكن على المستوى المحلي والصغير سوى ايذان بما هو قادم على مستوى الوطن من أحداث وتحولات.