لا تلومن سجينا يتحدث عن سجنه مرارا وتكرارا، فربما لم يخرج منه
2026.04.29
منصور المنصور
في مثل هذا اليوم، وفي الساعة العاشرة صباحاً، خرجتُ من نفق السجن إلى النهار.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة، وأنا أخطو خطواتي الأولى على رصيف الشارع، وكان أخي علي بانتظاري. كان علي قد انتظرني ثلاثة أيام كاملة أمام باب فرع فلسطين، في حي المزة – الجمارك، بالقرب من فندق كارلتون.
تأخر إطلاق سراحنا ثلاثة أيام؛ إذ تم نقلنا من سجن صيدنايا في السابع والعشرين من نيسان إلى فرع فلسطين. ما زلت أذكر كثيراً من تفاصيل السجن وحياتنا فيه، تفاصيل محفورة في الذاكرة، لكن تلك الأيام الثلاثة… لا أذكر منها إلا نتفاً مبعثرة، كأنها بقايا حلم ثقيل تبخر عند الصحو.
تخيلت أننا أمضينا الايام الثلاثة ونحن نقف خلف باب المهجع، ننتظر أن يُفتح، وكأن الزمن كله عالق خلف ذلك الباب. وأذكر أيضاً حديثاً متواصلاً، لا ينقطع، لثلاثة أيام بين الجميع ومع الجميع، حديثاً يشبه الهلوسات، كأننا نتبادل كلماتنا داخل حلم لا ينتهي، حلم يرفض أن يصحو منه.
بمقدار ما كنت أشعر أن إطلاق سراحنا كان مستحيلاً كفكرة النجاة نفسها، بمقدار ما شعرتُ به حين حدث أنه سهل جداً، بسيط إلى حد الصدمة، إلى درجة أنني خرجت وخطوت اولى خطواتي على الرصيف، ومضيت أمشي كأن شيئاً لم يكن. شعرتُ أنها بساطة المستحيل. هي ثوانٍ فقط تفصل الحياة عن الموت، هي خطوات… أو خطوة إضافية واحدة تجعل المرء خارج السجن، وخطوة أقل تجعله داخله. مسافة ضئيلة إلى هذا الحد بين عالمين. لكنني، في تلك اللحظة، لم أكن أعلم أنني كنت أحمل السجن في داخلي، وأن الخروج لا يحدث دفعة واحدة، وربما لن يحدث
كانت فرحة الخروج من السجن هائلة، جارفة، لكنها في الوقت ذاته بدت لي بسيطة مثل التنفس، كأنها شيء طبيعي كان يجب أن يحدث. وظننت، بسذاجة من يصدق اللحظة، أنني خرجت بالفعل.
الآن، وبعد خمسة وثلاثين عاماً، أشعر أنني ما زلت أشم نفس النسمات النيسانية الأولى، تلك التي لامست وجهي في اللحظة التي وطأت فيها قدماي الرصيف الممتد أمام مبنى فرع فلسطين. كانت رائحة خفيفة، حية، كأنها تعلن بداية شيء لا أعرفه.
كنت مشتتاً، موزعاً بين عوالم كثيرة، كأنني خرجت بجسدي فقط وبقيت أجزائي الأخرى هناك. مشيت وعلي إلى جانبي، نتكلم، لكنني في الحقيقة كنت أنظر إلى كل شيء أمرّ به، كأنني أراه للمرة الأولى،
الناس، السيارات، الشارع، الرصيف، الأبنية، الهواء، الغبار، الحاجز الإسمنتي، الجندي المتعب المتأبط بندقيته، والأشجار الواقفة… تحرس ظلالها.
وفي تلك اللحظة، وأنا أمشي، شعرتُ أن قدميّ لا تلامسان الأرض تماماً، كأنني أخاف أن أثبت وجودي خارج السجن فينتبه أحد ويعيدني. حتى انني لم أجرؤ على الالتفات الى الخلف، كأن أحدا ما قد يلحق بي في أية لحظة، كأن الحرية نفسها فخّ مؤقت.
حتى صوت الشارع كان غريباً عليّ. ضجيج السيارات، أصوات الناس، الشمس القوية، وألوان الاشياء البراقة، كل ذلك بدا لي عالماً مبالغاً فيه، واسعاً أكثر مما أحتمل. كنت قد اعتدتُ على المكان المغلق والضيق، على الجدران القريبة، على الخوف الذي يضبط كل حركة. أما هنا، فكل شيء مفتوح ومكشوف، وهذا الاتساع نفسه كان يربكني.
نظرتُ إلى علي أكثر من مرة، كأنني أريد أن أتأكد أنه حقيقي، أنه ليس جزءاً من تلك الهلوسات التي عشناها في الأيام الثلاثة الأخيرة. كان يتكلم، يبتسم، يسألني إن كنت بخير، وأنا أومئ برأسي فقط، لأن الكلمات كانت ثقيلة، لا تخرج بسهولة.
كنت أريد أن أفرح كما يجب، أن أركض، أن أصرخ، أن أتنفس بعمق، لكن شيئاً في داخلي كان يضع يده على صدري ويمنعني. شعرتُ أن الفرح نفسه يحتاج إلى حرية، وأنني لم أتعلم بعد كيف أكون حراً.
وفي مكان ما، في عمق لا أستطيع تحديده، كان هناك خوف صامت يقول لي: لقد خرجت من السجن بالفعل، ولكنه لم يخرج منك. حاول التكيف معه، فالتكيف هو عماد نظرية دارون.