في البحث عن هُويّة لايسرقها حاكم ولايهينها عدو
2025.11.09
ريتا خير بك
نص طويل كعادتي كنت قد أجلته طويلا ل أسباب شخصية
ربما تكون أسوأ نهاية تنتظر العلويين اليوم ليست سقوط الدولة والجمهورية، بل أن يُقال لهم بعد كل هذا الدم والتضحية:
"لم تكونوا يومًا أكثر من ذيل لحاكم هرب حين اشتدَّ الخطر".
هذه الجملة القاسية هي بالضبط ما يجب أن ننظر في عيون بعض ونحن ننردها، بلا خوف، إذا أردنا أن نفهم لماذا هروب بشّار الأسد، لا موته "بطلاً" في القصر، أقلّ تدميرا لنفسية العلويين على المدى البعيد.
من منظور نفسي عميق، اشتغل الأسد الأب والابن كـ"أبٍ رمزي" للجماعة؛ يشبه الملك في "هاملت" الذي لا يموت حين يُقتل، بل يعود شبحًا يطارد القلعة والذاكرة.
فرويد تحدث عن "قتل الأب" كخطوة ضرورية لنضج الابن، لكن حين يموت الأب وهو يقاتل "حتى آخر نفس"، يتحول بسهولة إلى أسطورة: إلى أبٍ شهيد، لا يمكن مساءلته، ولا نقده.
هنا يكمن الخطر: لو انتهت القصة بصورة "قائد علوي يموت واقفًا"، فإنَّ اللاوعي الجمعي سيحوّل موته إلى أيقونة، وسيُعلم الأجيال: "ربط مصيركم دائمًا برأسٍ واحد، ولو أخطأ، فهو مات لأجلكم".
أمّا صورة الحاكم الهارب، المتمسك بحياته أكثر من حياة شعبه، فهي كفيلة بأن تكسر الهالة الأبويّة: لا يعود "أبًا مقدّسًا"، بل رجل سلطةٍ خاف، وترك الجميع خلفه. هذه الصدمة، رغم قسوتها، تفتح باب العلاج: تتيح للعلوي أن يسأل أخيرًا: "إن كان هو أبًا لنا، فلماذا تركنا وحدنا في العاصفة؟".
لكن الجرح الأعمق ليس في صورة الحاكم فقط، بل في مكانٍ أخطر: العَلوي لم يُتَح له أن يبني هويةً خارج عباءة الدولة والجمهورية. لسنواتٍ طويلة، قيل له، صراحةً أو تلميحا، إن كرامته من كرامة الدولة، وإن سلامته من قوة المخابرات والجيش، وإن وجوده نفسه مرهون ببقاء هذا الرأس.
لم يُسمح لقرى الساحل، للفلاحين، للصيادين، للعمّال، للطلاب، للأطباء، للنساء اللواتي حملن الجبل على أكتافهن، أن يصوغوا سرديتهم الخاصة: سردية الفقر النبيل، والعمل الشاق، والصبر الطويل، والحب العنيد للحياة.
كل ذلك ذاب في هويةٍ رسميةٍ واحدة: "نحن أبناء الدولة". لذلك، حين يتشقّق رأس الدولة، يهتزّ معه العصب الهوياتي نفسه، وحين يهرب الحاكم، يشعر كثيرون داخليا أنّهم هربوا معه، وأنهم سقطوا معه، وأنهم عادوا فورا في عيون الآخرين إلى الكلمة المهينة القديمة: "نُصَيري".
هنا يلزمنا وضوح قاس ولكن قد يكون شافيا: بشّار الأسد لم يكن يوما "الصورة الصادقة او حتى النمطية للعلوي الحقيقي ".
العلوي كما نعرفه، قبل اللغة السياسية، وقبل الجمهوريات، هو الفلاح الذي يعرق في الأرض، الصياد الذي يخرج قبل الفجر إلى البحر، المدرّسة التي تعود متعبة إلى بيتٍ صغير، الطبيب الذي درس بعرق أهله، الطالب الفقير الذي حمل كتبه على كتفه في طريقٍ منحدر بين الزيتون والتين، العجوز الذي يصلّي بصمتٍ أمام باب البيت وهو ينظر إلى السماء.
هو الإنسان الذكي البسيط في آن، المحبّ بشراسة، الفقير في المال والغني في الكرامة، القاسي على نفسه والرقيق مع الآخرين. هذه هي الروح، هذه هي الفلسفة العميقة للجماعة: خليط من الصوفية العرفانية، والإيمان بالنور، والإحساس بالظلم، مع إصرارٍ عنيد على البقاء.
أمّا الأسد، فهو رجل دولة وسلطة، تشكّل في مختبر السياسة والأمن، لا في تراب الكروم ولا في ملح البحر ولا هواء الجبال. محاولةُ جعله "روح الطائفة" كانت نفسيًا وسوسيولوجيًا جريمةً مزدوجة: جريمة بحق الطائفة التي جُرِّدت من حقّها في تعريف نفسها، وجريمة بحق باقي السوريين الذين رأوا في العلويين مجرّد ملامح الحاكم.
سوسيولوجيًا، غياب هويةٍ علَوية مستقلّة عن الدولة جعل مصير الناس معلّقًا بمصير رأس النظام.
حين يشتدّ الخطاب الطائفي في الخارج، يُسحَب من العلوي لقب "المواطن" ويُعاد إلى خانة "النُصيري". هنا تبدو المفارقة المؤلمة: من ضحى بأبنائه في الجيش، ومن صمت خوفًا من البديل، ومن دفع ثمن الحرب في الساحل والجبل، يجد نفسه في اللحظة الحاسمة بلا دولة، بلا حماية، وبلا اسمٍ يعترف به العالم.
لذلك، فإن صورة حاكمٍ يهرب، بدلًا من أن يموت "بطلًا"، تفضح الكذبة كاملة: لم تكن الدولة أبًا للعلويين، بل عقدًا سياسيًا هشًّا؛ وحين انهار العقد، كان أوّل من نجا هو صاحب التوقيع، لا من سُجلوا تحته. في هذه الفضيحة تكمن فرصة تاريخية: أن يقول العلوي للعالم، ولذاته: "هو كان الرئيس، لا الشيخ، ولا الأب، ولا وجه الجبل. نحن لسنا صورته، ولسنا ظلّه. نحن شيءٌ آخر أعمق بكثير".
هذه ليست دعوة لكره الذات ولا لكره الآخرين، بل دعوةٌ لإعادة بناء النفس. العلوي اليوم بحاجةٍ إلى أن ينظر في المرآة بدون صورة القصر، بدون تمثال، بدون شعار حزب.
أن يرى نفسه كما هو: إنسانًا بملامحٍ حقيقية، له تاريخٌ أطول من أيّ نظام، وله روحٌ أوسع من أيّ دولة. من حقّه أن يفتخر بذكائه، بعلمه، بفقره الشريف، بعمله في الأرض والبحر والمشفى والمدرسة، وبحبّه الصادق لأهله وجيرانه من كلّ الطوائف. ومن واجبه في الوقت نفسه أن يعترف: نعم، اندمجنا أكثر مما يجب في هوية الدولة، ولم نكتب قصّتنا نحن؛ تركنا الآخرين يكتبوننا مرّةً كـ"حماة الأقليّات"، ومرّةً كـ"طائفة الحاكم"، ومرّةً أخرى كـ"نُصَيريّة" لا تستحقّ الحياة. الآن، مع انهيار رأس الدولة، يأتي وقت الكتابة بأيدينا نحن.
ربما يكون هروب الحاكم في النهاية أقلّ "فرجةً" وأقلّ "دراما" ممّا ينتظره العالم، لكنّه، نفسيًا، فرصةٌ نادرة لقطع الحبل السرّيّ بين الطائفة وبين رجلٍ واحد.
هو فرصة لتحويل الألم إلى وعي، والصدمة إلى بداية علاج. أن نفهم أنّ سقوط الرأس ليس سقوطًا نهائيًا لنا، بل سقوط لصورةٍ كاذبة فُرضت علينا. أن نعود فنقول بهدوءٍ وصرامة: نحن العلويون لسنا من هرب، ولسنا من قرّر الحرب وحده، ولسنا من وقّع باسمنا. نحن الفلاح، المعلّم، الممرّضة، الطالب، الأمّ، الجد، البحّار؛ نحن الذين سندفع الثمن، ولكننا أيضًا الذين سنكتب الرواية القادمة. ومن هنا فقط يبدأ الشفاء الحقيقي: حين لا يعود سؤالنا: "كيف نحفظ صورة القائد؟" بل: "كيف نحفظ كرامة الناس، وذاكرة الضحايا، وحقّ أولادنا في هويةٍ لا يسرقها حاكم ولا يهينها عدو!