توقيف الرواتب التقاعدية: عدم الشرعية، خرق القانون ومساس بالعدالة
2025.11.03
مروان حبش
إنّ من أولى واجبات السلطة الحاكمة في أي دولة، أياً كان شكلها أو مرحلتها السياسية، هو صون حقوق المواطنين وأملاكهم وحرياتهم. فالدولة، بمؤسساتها وسلطاتها، لا يحق لها أن تتصرف بممتلكات الأفراد أو حقوقهم كيفما تشاء، بل لتكون ضامنةً للعدل وحاميةً للحق. ومن أبرز هذه الحقوق التي يحميها القانون والدستور، الراتب التقاعدي، الذي يُعدُّ ثمرة عمل وجهد وسنوات من الخدمة العامة التي قدّمها الموظف (مسؤولاً كان، مدنياً أو عسكرياً) في خدمة الوطن.
لكنّ ما شهدته مرحلة في تاريخ الدولة من قيام حكومة "تصريف الأعمال" في الأشهر الأولى من سقوط النظام الأسدي البائد بتوقيف رواتب بعض المتقاعدين – سواء أكانوا وزراء أو محافظين أو عسكريين– يُعدُّ تجاوزاً لمبادئ العدالة والقانون، وتعدياً واضحاً على حقوق مكتسبة لا يجوز المساس بها تحت أي مبرر سياسي أو إداري.
فمن بين هؤلاء المتقاعدين، هناك من رفض العمل مع نظام الأسد "الأب والابن" البائد، ودفع ثمن مواقفه سنواتٍ طويلة من الاعتقال والمعاناة، بل قضى بعضهم ما يقارب ربع قرن في المعتقل بسبب تمسكه بمبادئه الوطنية. فهل يُكافأ مثل هؤلاء بحرمانهم من حقّهم الطبيعي في التقاعد؟
إنّ الراتب التقاعدي ليس منّةً من الدولة ولا هبةً من الحاكم، بل هو حقّ مالي شخصي مكتسب، يستند إلى القوانين التي تقتطع جزءاً من دخل الموظف أثناء خدمته ليُعاد إليه لاحقاً على شكل معاشٍ تقاعدي. فهو إذن ملكية خاصة تُعامل معاملة الملك الشخصي، ولا يجوز بأي حال تجميدها أو مصادرتها أو إيقافها إلا بحكم قضائي عادل وصادر وفق الأصول القانونية. وحتى في حال صدور حكم قضائي على أحد المتقاعدين بالتجريد من الحقوق المدنية، فإن القانون ذاته ينصّ على أن الراتب التقاعدي يؤول إلى أسرته، حفاظاً على كرامتها المعيشية وصوناً لمبدأ العدالة الاجتماعية.
من هنا، فإنّ ما قامت به حكومة "تصريف الأعمال" من توقيف رواتب المتقاعدين بصورة انتقائية، دون سند قانوني أو مبرر قضائي، هو إجراء تعسفي يخالف القوانين السورية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وكرامة المواطن. إنه قرار يبدو وكأنه يعكس روح الانتقام السياسي بدلاً من روح العدالة والمساءلة القانونية التي يُفترض أن تسود في أي مرحلة انتقالية تسعى لإرساء دولة القانون.
وإن كان الهدف من هذه الإجراءات هو محاسبة من أثروا بغير وجه حقّ أو تورطوا في فساد مالي أو سياسي أو أخلاقي أو تلطخت أياديهم بدماء أبناء الشعب، فإنّ الطريق المشروع لتحقيق ذلك هو إصدار قانون واضح وعادل يحمل مبدأ "من أين لك هذا". وبموجب هذا القانون، يمكن إحالة كل من يُشتبه في ثرائه غير المشروع أو مشاركته في نهب المال العام أو ابتزاز المواطنين أو التلاعب بالعقود والمناقصات أو غير ذلك، إلى القضاء، على أن تتم المحاكمة بشفافية تامة، ويُسترد كل ما ثبت نهبه وكان سبباً في ثرائه. فهكذا فقط تتحقق العدالة الحقيقية دون ظلم أو انتقام.
إنّ العدالة لا تقوم على حرمان الشرفاء من حقوقهم، بل على محاسبة المذنبين بالبينات والأدلة. والسلطة الانتقالية التي ترفع شعار الإصلاح والعدالة، مطالَبة اليوم بأن تُعيد النظر في القرارات الجائرة لحكومة تصريف الأعمال التي سبقتها، وأن تعيد للمتقاعدين رواتبهم كاملة غير منقوصة، احتراماً للقانون وإنصافاً للحق، وإكراماً لتاريخ من خدموا الوطن بإخلاص ونزاهة.
فالتقاعد ليس امتيازاً سياسياً، بل هو استحقاق إنساني وقانوني. ومن العدل أن تُعاد هذه الحقوق لأصحابها، لا كمنّةٍ أو تسويةٍ وقتية، بل كـإقرارٍ بأن العدالة لا تقوم إلا حين يُرفع الظلم عن الجميع، ويُحترم حق كل مواطن خدم وطنه بضميرٍ حيّ وإخلاصٍ صادق.
ويمكن تكثيف ما سبق بـ:
أولاً – الأساس الدستوري والقانوني لحماية حقوق المواطنين
إنّ مبدأ سيادة القانون يقتضي أن تكون السلطة الحاكمة – سواء كانت دائمة أو انتقالية أو موقتة – خاضعة للقانون في جميع تصرفاتها، وأن تلتزم بأداء واجبها الأول المتمثل في حماية حقوق المواطنين وصون ممتلكاتهم وحرياتهم الأساسية، وفقاً لما نصّت عليه الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
وبموجب المادة (17) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإنّ “لكل شخص حقّ التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز حرمان أحدٍ من ملكه تعسفاً.” كما تؤكد المادة (22) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على حقّ كل فرد في الضمان الاجتماعي بما في ذلك التأمين عند التقاعد.
وعليه، فإنّ الراتب التقاعدي يُعدّ ملكية شخصية مكتسبة، ناتجة عن اشتراكات قانونية واقتطاعات منتظمة من دخل العامل أو الموظف أو المسؤول أثناء خدمته، ولا يجوز بأي حال مصادرتها أو تجميدها أو إيقافها.
ثانياً – في عدم مشروعية توقيف الرواتب التقاعدية
إنّ ما قامت به حكومة "تصريف الأعمال" من توقيف صرف الرواتب التقاعدية لفئات من المتقاعدين – سواء من الوزراء أو المحافظين أو العسكريين - يُعدُّ إجراءً مخالفاً للقانون، ولا يستند إلى أي نص تشريعي أو حكم قضائي نافذ.
ولا سيّما أنّ بين هؤلاء المتقاعدين من رفض التعاون مع نظام الأسد "الأب والابن" البائد ، وقضى سنوات طويلة في الاعتقال السياسي بسبب مواقفه تلك. فحرمانه من حقّه التقاعدي يُشكّل عقوبة لا سند لها في القانون، ويتعارض مع أبسط معايير العدالة والإنصاف.
كما أنّ القانون الإداري والمالي في جميع الدول يعتبر أنّ الراتب التقاعدي حقٌّ مكتسبٌ لا يسقط بالتقادم، حتى في حال صدور حكم قضائي على صاحبه. إذ إنّ قانون التأمينات الاجتماعية (في أغلب التشريعات العربية) ينصّ على أنّه "إذا حُكم على المؤمَّن عليه بالتجريد من الحقوق المدنية، يستمر صرف المعاش أو يؤول إلى أفراد أسرته المستحقين له".
وهذا النص يؤكد بوضوح أنّ الراتب التقاعدي لا يجوز مصادرته تحت أي ظرف، بل ينتقل إلى الأسرة حفاظاً على كرامتها المعيشية.
ثالثاً – في البديل القانوني العادل للمساءلة والمحاسبة
إذا كانت الغاية من تلك الإجراءات الانتقالية هي محاسبة من أثروا بغير وجه حقّ أو تورطوا في الفساد واستغلال المال العام، فإنّ الطريق الصحيح لتحقيق العدالة هو إصدار قانون خاص بمبدأ "من أين لك هذا؟". ويُحال بموجبه كل من يشتبه في ثرائه غير المشروع أو في تورطه بصفقات أو مناقصات فاسدة أو في ممارسة الابتزاز واستغلال النفوذ إلى السلطة القضائية المختصة، لتتولى التحقيق والمحاسبة وفقاً للأدلة والبيّنات، مع استرداد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة. ويحال من تلطخت يداه بالدماء إلى العدالة الانتقالية.
هذا الإجراء وحده ينسجم مع مبدأ سيادة القانون وضمان العدالة الانتقالية، دون اللجوء إلى قرارات جماعية غير قانونية تمسّ حقوق الأبرياء.
بناءً على ما تقدّم، فإنّ الأمل من "الحكومة الانتقالية"، الالتزام بواجبها الدستوري في حماية حقوق المواطنين انطلاقا من أن التقاعد ليس امتيازاً سياسياً، بل هو حقّ قانوني وإنساني لا يجوز المساس به. ومن أن الشرعية تُستمد من احترام القانون. وتقرر:
1-إلغاء جميع القرارات التي أصدرتها حكومة "تصريف الأعمال" بتوقيف صرف الرواتب التقاعدية للمدنيين والعسكريين، لعدم قانونيتها ومخالفتها للحقوق المكتسبة.
2-إعادة صرف المستحقات التقاعدية بدءاً من الفترة التي تم فيها التوقيف غير المشروع.
إن إعادة هذه الحقوق تمثل خطوة أساسية على طريق بناء دولة العدالة والقانون والمؤسسات، التي لا تميّز بين مواطنيها إلا بقدر ما يفرضه القانون والحق. ومن خدم الوطن بإخلاص ونزاهة وضمير حيّ، يستحقّ التكريم لا الحرمان.